منظمة ماتت وثورة قادمة

تابعنا على:   17:14 2020-02-17

إبراهيم أبو عتيلة

أمد/ بعد مضي أقل من عقدين على نكبة فلسطين ولدت سنة منظمة1964 ، تباهى بها الفلسطينيون كثيراً لاعتقادهم بأنها ستحقق أهدافهم الوطنية ، فرحوا بها واستبشروا خيراً ولاقت هذه المنظمة كل ترحيب وقالوا بأن تحرير الجزء المحتل من أرضنا البالغة 78 % من أرض فلسطين التاريخية قد بات قريباً .
وما أن ولدت المنظمة حتى بدأت الشعارات الثورية التي تنادي بتحرير فلسطين تملأ شوارع وأزقة المخيمات الفلسطينية والمدن العربية في ظل تسيد المد القومي ، إلى أن بدأت العمليات الفدائية ضد العدو الصهيوني ، ولكن ... حدث ما لم يكن بالحسبان حين تم احتلال الجزء المتبقي من فلسطين الذي لم يمنع شهوة التحرير والكفاح المسلح فاستمرت العمليات الفدائية وكانت حرب الاستزاف ومعركة الكرامة التي أشعلت حضور المقاومة بعد أن انتصرت المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني على العدو الصهيوني .. وبعد ذلك جاء الميثاق الوطني الفلسطيني في شهر تموز / يوليو 1968 كترجمة حقيقية لتوافق الشعب الفلسطيني على تحرير فلسطين التاريخية بالكفاح المسلح واستقطبت المقاومة المسلحة اعداداً كبيرة من أبناء فلسطين ومن العرب بل ومن بعض الدول الأجنبية المؤيدين والمناصرين للقضية العربية الفلسطينية.
وقبل أن يشتد عود المنظمة الوليدة وبدلاً من إنضواء الجميع فيها ، بدأوا بخرقها وضرب مبرر وجودها ، وبدأت إنطلاقات الفصائل الواحدة تلو الأخرى ، إما بشكل عفوي أو بتدخل ودعم مباشر من بعض الأنظمة العربية أحياناً أو بتحالف مع الإخوان المسلمين احيان أخرى أو بكلتيهما ، إلى أن استولت إحدى تلك الفصائل على هذه المنظمة وانقلبت على قادة المنظمة الأصليين وبدعم من أنظمة عربية معروفة بتوجهاتها ، فاستولت على كل شي وأهمها القرار مرسخةً إسمها أولاً ومستغلةً لإسم المنظمة لتحظى بدعم الإنسان العادي والاعتراف العربي والسيطرة على الشارع الفلسطيني ، وفي سبيل ذلك قامت بالتآمر على الفصائل الأخرى وعملت على صنع الإنشقاقات وخلقت منظمات صغيرة لتخدمها ضمن منظومة العمل الفلسطيني ... تفرد ذلك الفصيل بالقرار وتفرد رئيسه بالفصيل وأصبح القرار الفلسطيني بيد رجل واحد ، يقرب من يطيعه ويتخلص ممن يعارضه مستخدماً كل الوسائل الممكنة بما فيها التصفيات الجسدية، وأصبح هو الرمز الذي لا يُمس ولو بكلمة فهو فوق كل اعتبار ، وبدأ الرمز يتفرد بالقرارات ويغير في السياسات وبالأفكار والأهداف والوسائل بل ومن فكر المنظمة الأساسي ونسف مع مرور الوقت الهدف الذي تم إنشاء المنظمة من أجله ، وبات الزعيم والقائد والبطل والرمز فامتلك المنظمة بالإضافة لرئاسته لفصيله .
وبعد أن تسيد الرمز الأمر ..... بدأت أساليب الانحراف أكثر وضوحاً عما طرحته منظمة التحرير عند تأسيسها، فبعد أن كان الكفاح المسلح شعاراً وطريقاً وحيداً لتحرير فلسطين ، تبنى الرمز عام 1974 برنامجاً مرحلياً يتيح أساليب أخرى " للتحرير " ، وبعد المناداة بتحرير فلسطين كل فلسطين نادى بإقامة سلطة على أي شبر يتم تحريره من فلسطين ، وقام الرمز باستغلال المد القومي في دعم المنظمة وحصل على وحدانية تمثيل الفلسطينيين وشرعنته حصراً بالمنظمة عام 1974 وكانت خطوة مهدت للابتعاد عن البعد القومي للقضية الفلسطينية وتجسيد ما يسمى بالقرار الفلسطيني المستقل وهو بهذا خدم نفسه وخدم تلك الدول العربية التي أزالت هذا الحمل الثقيل عن ظهورها وترسخ مفهوم الصراع الفلسطيني " الإسرائيلي " بدلاً من الصراع العربي " الإسرائيلي " .
وبدأ الرمز يتفاخر بقرارته وشعاراته وتسبب بكوارث كثيرة للقضية فكان أن انسحب من مناطق المواجهة سنة 1982 ليذهب بعيداً تنسيقاً مع الأمريكي والصهاينة نتيجة لما حدث بعد تدخل فيليب حبيب... ومع ذلك ونتيجة للقهر وظروف الاحتلال القاسي استمر الفلسطينيون بمقاومة الاحتلال في المناطق التي احتلت عام 1967 واسخدموا الحجر فكانت انتفاضة الحجارة والتي أثبت فيها الفلسطينيون عمق استعدادهم للتضحية في سبيل تحرير فلسطين ، وقام الرمز بتبني أكذوبة قل نظيرها وهي إعلان الاستقلال وإعلان الدولة الفلسطينية 1988 ....
وفي خضم اشتعال الإنتفاضة ذهب العرب والصهاينة إلى مؤتمر مدريد للسلام ... وكان أن ذهب الفلسطينيون تحت الراية الأردنية كون الصهاينة لا يعترفون بتمثيلهم ولا بمنظمتهم ... وخلال المؤتمر كان الرمز قد أوعز لجماعته الاجتماع سراً بالصهاينة دون علم أحد بمن فيهم ممثلي الفلسطينيين في اجتماعات مدريد ... ودون سابق إنذار ، صعق العرب والفلسطينيون وتفاجأ العالم أجمع بتوقيع تفاهمات أوسلو سنة 1993 ومن ثم توقيع الاتفاقيات عام 1994 وما ارتبط بها من بروتوكولات ..
وكان أن تراجع الرمز عن تحرير فلسطين وبدأ يتغنى بتحرير الأراضي المحتلة عام 1997 بل وتجاوز الأمر ذلك حين اكتفى بسيادة سلطته على 18 % من الضفة الغربية وهي ما سميت مناطق ( أ ) فاين هذا من أهداف منظمة التحرير ولم يكتف بذلك بل وأوعز بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني ورفض المقاومة المسلحة التي تعتبرها اتفاقية أوسلو إرهاباً وفي سبيل ذلك عمل على تثبيت تنسيق أمني بغيض مع الصهاينة ... واختار المفاوضات وسيلة " للتحرير " وإن كان يُسجل له على عدم توقيع الاتفاقات النهائية لتصفية القضية الفلسطينية ولو بعد فوات الأوان وبعد أن فات سبتهم فينا ، فقد عمل على خلق مجموعة مؤمنة بكل خيوط الاستسلام وعلى رأسها خليفته منظر أوسلو وعراب المفاوضات والذي كان مدعوماً من أمريكا واوروبا والكيان أثناء حياة الرمز والذي قال بكل وضوح أنه لن يستعمل السلاح ولن يؤيد استخدامه مكتفياً بحياة المفاوضات الرغيدة له ولمجموعته المتكرشة بل وصرح ضد حق العودة قائلاً بأنه سيعود إلى بلدته المحتلة منذ عام 1948 كسائح فقط ولن يعمل على احداث تغيير ديموغرافي في فلسطين المحتلة ...
لقد قبل الرمز وخليفته بالتخلي عن فلسطين المحتلة 1948 في مخالفة صريحة للميثاق الوطني الفلسطيني ورسخا المفاوضات والتخلي عن الكفاح المسلح وهي مخالفة تنسف مبادئ الميثاق وجسدا إقليمية الصراع مع الصهاينة مجردين القضية من بعدها العربي مما شجع مطبعي العرب على الاستمرار بالتطبيع حيث قال العرب بعد توقيع أوسلو " نحن نرضى بما يرضى به الفلسطينيون " ومضى الكل منهم تقريباً في طريق الاستسلام والتطبيع ...
وبعد أن رضي الرمز وخليفته بتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق ( أ ، ب ، ج ) بحيث تكون ( أ ) تحت السيادة الفلسطينية و ( ب ) تحت السيادة المشتركة مع الصهاينة و( ج ) تحت سياددة العدو والتي تمثل 61% من أراضي الضفة الغربية تسرطن الاستيطان وابتلعت المستعمرات مساحات كبيرة من تلك المنطقة ، وبعد النجاح المذهل للتنسيق الأمني في السيطرة على المقاومة في الضفة الغربية ، وبعد أن رضي الرمز وخليفته بترك النقاش حول الحدود والمياه والقدس واللاجئين لمفاوضات الحل النهائي من أجل إقامة دويلة ممسوخة ... تجرأ الصهاينة ومعتنقي الكنيسة الإنجيلية بطرح صفقة القرن بين ترامب ونيتنياهو لتصفية القضية الفلسطينية وما هي الا املاءات حقيرة وشروط مذلة لاستسلام الفلسطينيين.
وبعد هذا السرد المختصر ... ياتي السؤال : هل بقي من منظمة التحرير الفلسطينية شيئاً مما انطلقت وتأسست لتحقيقه .. وهل بقي لتلك المنظمة شرعية بعد تخليها عن الأهداف الوطنية وتنازلها عن الميثاق الوطني الفلسطيني ... ربما بل ومن المؤكد بأن الجواب أكثر وضوحاً من نور الشمس ... فقد أمات الرمز وخليفته المنظمة وطعنوا أمنيات الشعب الفلسطيني ورسخوا العمل على بقاء الفلسطينيين مهجرين لاجئين في أصقاع الأرض ... وساد الفساد والاستسلام والتخاذل ...
ولكن وحيث أن للتاريخ منطقه ، ومنطق التاريخ يقول بأن الاحتلال لن يستمر ، والظلم لن يستمر ، والخونة مصيرهم مزابل التاريخ ، وحيث أن الشعب الفلسطيني عاشق للحياة ويريد الحياة وحبه للحياة يجعله قادراً على تحقيق منطق التاريخ من خلال ثورة حقيقية تتبنى الميثاق الوطني الفلسطيني طريقاً ومنهجاً لتحقيق النصر باعتماد الكفاح المسلح الذي تخلى عنه الرمز وخليفته ، وما نتيجة الاستفتاء الأخير الذي تم في الأرض المحتلة الا دليلاً واضحاًعلى ذلك حين قال ثلثي الفلسطينيون بأنهم مع الكفاح المسلح طريقاً للتحرير والوصول لتحقيق الأهداف وربما ننتظر قريباً ومع وجود تيار جارف يعشق التحرير ويؤمن بالكفاح المسلح ننتظر ثورة عارمة تنسف الأرض من تحت اقدام العدو الصهيوني وتحت أقدام المتخاذلين الخونة .
 

اخر الأخبار