في دهاليز الحلم

تابعنا على:   18:40 2020-02-15

حازم موسى أبوكرش

أمد/ كان هناك طاولات وكراسي خشب، مصابيح كاز، لوحات سريالية علقت على جدران مصنوعة من الأعواد والقصب، سقف من القرميد، ونوافذ كبيرة تطل على الخارج، حيث هنالك غيمة ابتاعت فستانها من شمس سرقت قماشه من النبع، ومئات بذور الجوز التي تغلفت بأمهاتها خوفا من المجهول، وأشجار السرو، وأعشاش اللقالق الممتدة نحو التلال، وأرجوحة مصنوعة من حبلا طويلا أشد صلابة من أذرعنا البشرية، ملفوف حول كتفين وخصر سنديانة.

في الأفق البعيد بدأت الثمار في أشجار الخوخ البرية تنضج، وجبالا كأنها فلاحات عملاقة، ذات وجنات زرقاء، ودماء بنفسجية، يرتدين اثوابا صماء، لم تخدش صدرها إبر التطريز ولم تخترقها خيوط الحرير، ترعى حولها الخيول، وهي تتزاحم لتملأ بطونها من أنواع العشب الذي لن تجد له مثيلا لحيوان مجتر.

أمليت على النادل طلبات الفطور، الذي تكهن بمزاجي العكر بسهولة. مزاجي السيء يأتي حين لا أكون مستعد لاستقباله، مثل حمى تسبب هذياني، يتناول دفتر مذكراتي ليشطب ما يشاء من مواعيدي، ويرد على هاتفي ويطرد أصدقائي، ويلقي في القمامة بريد جوالي وطروده المغلفة بورق بني، والمغلق بخيطان مشدودة، دون أن يأبه بمرسلة، ويوصد نوافذ حاسوبي. أنا نحيل جدا أمام هبوب ريحه ولست املك شراع لاستعادة دفة حركتي، ولا مرساة تكبح جماحه، أو بوصلة أعرف اتجاهي، يبعد سفينتي عن شاطئ استقراري لتبحر في خيالي.

ماذا افعل هنا؟ هل تراني رأيت أرنب يجري أمامي، وركضت خلفه، حتى دخل جحر ودخلت ورائه، هل هذا عالم أليس في بلاد العجائب. هل هذا النادل هو صانع القبعات المجنون، وانا مجرد ضيف في حفلة الشاي خاصته. قطع حيرتي فجأة لويس كارول
بتحية، ثم أخبرني أن صانع القبعات لم يأتي من خياله بل هو أيقونة عمال صانعوا القبعات الكادحون في القرن السابع عشر، وأن استخدامهم نيترات الزئبق لانتزاع الفرو عن جلد الحيوانات، واستنشاقهم للبخار المتصاعد من هذه المادة السامة لفترات طويلة، عرضهم لأمراض عصبية، جعل من الناس تنعتهم بالمجانين. ثم طردني من قصته واعادني الى حلمي، قائلا: "أنت لست أليس لا تتقمص دورها".

انا أشرب قهوتي، والمشهد ثابت امامي، عقلي مثل مرآب مليء بخردة العمر، فليس هنالك أحداث يستحضرها من الواقع، ولا هنالك رغبات في العقل الباطن يحققها، كل شيء جامد وأن المتحرك الوحيد. كيف أقفز فوق الاحداث وانا المشهد الوحيد؟ أيقفز الإنسان فوق نفسه؟

لا أحد أعرفه هنا، التذكرة في محفظتي، وحان الوقت لأقصد المطار، ومن تراه يودعني غير حلمي. ها هو أزيز المنبه ينبئ بلحظة الاصطدام باليقظة.

اخر الأخبار