صفقة القرن تتطلب قرارات غير مسبوقة لإنقاذ القضية الفلسطينية

تابعنا على:   13:08 2020-01-29

د.عقل صلاح

أمد/ تهدف هذه المقالة إلى إلقاء الضوء على صفقة القرن، من حيث الدواعي والأهداف التي أدت إلى الإعلان عنها، وتتناول المقالة الموقف الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي، وما المطلوب القيام به من كل من القيادة والتنظيمات والشعب، بعد الاعلان الرسمي عنها من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28كانون الثاني/يناير 2020، في ظل الدعم الأمريكي الواضح والمستمر لإسرائيل في الوقت الذي تتراجع فيه أولوية القضية الفلسطينية في السياسات العربية.

بعد أكثر من قرن على وعد بلفور تم إعلان وعد جديد يمكن أن يطلق عليه الوعد الثاني، ولكن هذه المرة جاء الوعد من أمريكا -وعد ترامب- الذي يمنح القدس لإسرائيل من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وعليه تم نقل السفارة الأمريكية للقدس. لقد تكرر مشهد بلفور "الذي أعطى من لايملك لمن لايستحق". والمهم أن وعد ترامب لايمكن أن يحدث لولا الموقف العربي المتخاذل والموافق على هذا القرار، وأكبر دليل على ذلك أن كل المواقف العربية الرسمية بعد اتخاذ القرار لم تتجاوز الاستنكار والشجب.

وقد أصر رؤساء الولايات المتحدة منذ سنة ٢٠٠٧ على أنه ينبغي على العرب والفلسطينيين الاعتراف بـحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية. وقد قام ترامب الذي يوصف بشدة عدائه للفلسطينيين، بتهديدهم إن رفضوا الصفقة. وتهدف صفقة القرن التي صيغت بأيدي إسرائيلية وليس للولايات المتحدة فيها أي دور سوى تبنيها والإعلان عنها بشكل رسمي إلى تصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل. كما تهدف صفقة القرن إلى إلغاء حق العودة لللاجئين في الشتات، عبر إنهاء دور الأنروا، من أجل ضمان عدم تفوق أعداد الفلسطينيين على الأقلية اليهودية، لأن إسرائيل تعاني اليوم من خطر الديموغرافيا

فقد قامت الولايات المتحدة بعقد ورشة في البحرين في 25حزيران/يونيو2019، تحت شعار "السلام من أجل الازدهار"، فهي ليست أكثر من آلية للتعويض عن الدعم الأميركي الثابت لرفض إسرائيل التنازل عن أي من الأراضي الفلسطينية ودعمها لرفض إسرائيل منح أي حقوق للفلسطينيين الذين لم تعد إسرائيل قادرة على طردهم. فبدلًا من منح الفلسطينيين حقوقهم المعترف بها دوليًا، تعرض الصفقة ملء جيوب الحكام ورجال الأعمال العرب والفلسطينيين الذين كانوا دائمًا من المستفيدين من معظم الصفقات الأميركية والإسرائيلية السابقة.

لقد أقدمت الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب على تنفيذ العديد من القرارات التي تدعم إسرائيل وتدمر القضية الفلسطينية ومن هذه القرارات التدميرية، الإعلان في 6كانون الأول/ديسمبر2017، عن أن مدينة القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفي 14ايار/مايو 2018، نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وفي 2آب/أغسطس2018، تم وقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، وفي 3آب/أغسطس2018، تم قطع كامل المساعدات عن الأونروا، وفي 10أيلول/سبتمبر 2018، أغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وفي 25آذار /مارس 2019، تم الاعتراف بسيادة دولة الاحتلال على مرتفعات الجولان السوري المحتل، وفي 18تشرين الثاني/نوفمبر2019، تم شرعنة المستوطنات القائمة على أراضي الضفة الغربية، وهددت الإدارة الأمريكية بالموافقة على ضم وفرض سيادة إسرائيل على الأغوار والبحر الميت وتوسيع المستوطنات في الضفة

وقد أعلن السفير الأمريكي المتصهين ديفيد فريدمان في إسرائيل في مؤتمر صحفي، عقده برفقة نتنياهو في القدس المحتلة في 9كانون الثاني /يناير2020، أن المرحلة التالية بالنسبة للإدارة الأمريكية، بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبسيادتها على مرتفعات الجولان السورية، هي الضفة الغربية.

وترى إسرائيل أن القرار الأمريكي لا يحمل سوى دلالة رمزية فقط بالنظر إلى سيطرة إسرائيل واقعيًّا على المدينة، لقد أصدر الكونجرس الأمريكي هذا القرار في سنة 1995، وعلى مدار 22 عامًا قام الرؤساء الأمريكيين بتأجيل تنفيذه بصورة روتينية كل ستة أشهر. وإسرائيل منذ احتلالها لكامل أرجاء المدينة سنة 1967 عكفت على تعزيز هيمنتها على القدس، ووصلت المحاولات أوجها في سنة 1980 بإصدار "قانون أساس القدس عاصمة إسرائيل" .

ويقودنا هذا إلى تساؤل مفاده، لماذا الآن؟. لأن إسرائيل لا تتوقع حدوث ردود فعل فلسطينية لا يمكن السيطرة عليها، ولقد عبر عن ذلك رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق "عاموس يادلين"، بقوله إن الفلسطينيين والعرب "يهدّدون بمسدس فارغ".

ويؤكد الوزير الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الإدارة الأميركية قامت مسبقًا بالتنسيق مع قادة من الدول العربية بشأن قرار ترامب، وذلك لضمان إحتواء ردة الفعل الفلسطينية على القرار. وعلى نفس المنوال، أكد رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال غادي إيزنكوت بأن هناك توافق مع السعودية لمواجهة الخطر الإيراني .

ويتجلى مما سبق، أن الموقف الرسمي العربي- الإسلامي تجاه قرار ترامب يؤكد بأن علاقاتهم مع إسرائيل أهم من المقدسات الإسلامية ومن القضية الفلسطينية. فردود الفعل الرسمية على القرار لم تصل لمستوى الشجب والاستنكار، فاجتماع رؤساء الدول العربية والإسلامية في قمة اسطنبول لم ينتج عنه حتى قرار واحد على المستوى الرسمي يؤكد رفض هذه الدول المجتمعة لقرار ترامب، فعلى سبيل المثال لم يتم قطع العلاقات مع إسرائيل وأمريكا، أو سحب سفرائهم من أمريكا وإسرائيل، أو حتى طرد السفراء الإسرائيليين والأمريكيين من بلادهم. إضافة إلى أن بعض الدول العربية متواطئة مع هذا القرار، وتريد منع أي حراك ضد القرار. فقد كشف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حينها محمد اشتية ورئيس الوزراء حاليًا أن دولًا عربية أفشلت عقد قمة عربية طارئة. فالتضامن العربي مع القضية الفلسطينية كان باهتًا جدًا. ويتبدى ذلك من خلال تصريح لوزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، في 21كانون الأول/ديسمبر2017، بين فيه أن قضية فلسطين قضية جانبية وليس من المفيد إثارة الخلاف مع أمريكا بشأنها .

فكل من إسرائيل وأمريكا تدركان ما تفعلان، فإسرائيل متأكدة تمامًا بأنه التوقيت المناسب ولن يكون هناك أي حراك ولو حتى بالكلمة على المستوى العربي الرسمي، فقد عملت بكل جهدها في الدول العربية على المستوى الرسمي والشعبي خلال الفترة السابقة على شيطنة الفلسطينيين ونقل القضية الفلسطينية من قضية محورية للعرب والمسلمين لقضية هامشية.

وهنا نستطيع القول منذ اليوم الأول من الإعلان عن صفقة القرن وحتى الإعلان الرسمي عنها في أواخر كانون الأول/يناير2020، لم تكن القرارات الفلسطينية وردة الفعل على المستويين الرسمي وغير الرسمي ترتقي لمستوى خطر صفقة تصفية القضية الفلسطينية، وإنما كانت ضمن دائرة اللغو والرفض الكلامي الذي لايغني ولايسمن من جوع، والذي سيضعهم على المستوى الرسمي في دائرة التشكيك بجدية رفض الصفقة لعدم اتخاذهم قرارات بحجم الكارثة التي حلت بالقضية الفلسطينية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري بعد كل القرارات سارية التنفيذ التي اتخذتها الإدارة الأمريكية وإسرائيل لم يتم الإطاحة برأس التنسيق الأمني، ابن أوسلو. فمتى سيتم الإطاحة بالأب والابن معًا؟، يجب أن تكون القرارات بحجم الكارثة التي حلت وستحل بالقضية الفلسطينية فالحل واضح وصريح ويكمن في الحل، وهو حل السلطة وإعادة البضاعة - التالفة أوسلو- إلى اصحابها -بضاعتكم ردت إليكم- غير ذلك ستنفذ وسيتم ضم الأغوار ونحن في مكانك سر بل على العكس تمامًا للخلف در، فعلى الشعب والقيادة والفصائل أن يدركوا أن ما حل بهم هو زلزال فعليهم اتخاذ قرارات طوارئ لمواجهة الزلزال وليست قرارات روتينية كسابقتها التي لم ترتق للزلزال الاسرائيلي الأمريكي الذي يتطلب من الفلسطينيين خطة طوارئ لإعادة القضية إلى نقطة الصفر وليتحمل العالم المسؤولية ولتكون إسرائيل مسؤولة عن تبعات زلزالها.

وعليه، يتطلب من السلطة البحث عن خيار بديل للمفاوضات، وقلب الطاولة لعودة القضية الفلسطينية للاهتمام الدولي والاقليمي، ولكن السلطة التي لاتؤمن بغير طريق المفاوضات عاجزة بظل القيادة الفلسطينية الحالية عن اتخاذ أي قرار مصيري واستراتيجي كما فعل الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي توصل إلى نتيجة مفادها أنه لاحل للقضية الفلسطينية ولا وجود لدولة في الأفق ومايعرض هو أقل من حكم ذاتي، فعمل على اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000. بناء على ماسبق، المطلوب من الفلسطينيين على المستوى الرسمي وغير الرسمي لمواجهة خطوة الإعلان الرسمي عن مايسمى صفقة القرن:

أولًا، المستوى الرسمي الفلسطيني: القيادة الفلسطينية تتحمل كل المسؤولية عن الدور المنوط بها بمجابهة صفقة القرن، ويتطلب منها القيام بالخطوات التالية:

1. تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي الذان نصا على تحديد العلاقة مع إسرائيل وسحب الاعتراف بها وقطع التنسيق الأمني.

2. دعوة الإطار القيادي على مستوى الأمناء العامين، واتخاذ قرار فوري بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير والمصالحة مع الجبهة الشعبية ورفع العقوبات المالية عنها، وضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي للمنظمة فورًا.

3. فتح المجال أمام الجماهير بتولي زمام المبادرة، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية بالفعل الشعبي والمقاومة، بل يجب أن تكون الأجهزة عامل داعم ومساند للتحركات وحماية الشعب من خطر الاحتلال.

4. إعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس من أمام ضريح الشهيد ياسر عرفات.

5. إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في السجون الفلسطينية.

6. حرق كل بطاقات الشخصيات المهمة التي تصدرها إسرائيل لمسؤولي السلطة الفلسطينية.

7. إنهاء الانقسام وإعلان عن الوحدة الوطنية ورفع العقوبات عن القطاع فورًا.

8. تكليف قيادة فلسطينية لقيادة المواجهة الحقيقية -المقاومة- مع الاحتلال يكون مقرها الخارج والقطاع وتكون قيادة الضفة للمواجهة الشعبية.

9. الإعلان عن جميع الكتائب الفلسطينية المسلحة بأنها نواة الجيش الفلسطيني للمنظمة.

10. دعوة كل المنظمات العربية والإسلامية واتخاذ موقف رافض للصفقة.

11. التحرك على المستوى الدولي لرفض الصفقة وإعادة الملف الفلسطيني للشرعية الدولية.

ثانيًا،على مستوى الفصائل الفلسطينية، مطلوب منها تحمل المسؤولية التاريخية والابتعاد عن الخلافات وتسجيل المواقف، فسيسجل التاريخ بأن التنظيمات الفلسطينية كان موقفها لا يرتقي لحجم تصفية القضية وبأنها لم تدافع عن القضية التي انطلقت من أجل تحريرها من الاحتلال وبناء على ذلك مطلوب منها القيام بالآتي:

1. الإعلان عن تشكيل قيادة موحدة لإدارة دفة الصراع مع الاحتلال.

2. توحيد الاعلام تجاه رفض صفقة القرن وتعبئة وتحشيد الشعب.

3. المصالحة مع التيار الإصلاحي الديمقراطي.

4. استنفار كل الطاقات والقدرة الحزبية والتنظيمية بمواجهة الاحتلال.

5. مقاطعة إسرائيل على المستوى الاقتصادي وتنفيذ ذلك وصولا للعصيان المدني.

ثالثًا، على المستوى الشعبي فالشعب الفلسطيني الذي قدم الشهداء والجرحى والمعتقليين ومازال يعاني ويلات الاحتلال والذي يتطلع للخلاص من الاحتلال لايمكن ان يبقى ساكت عن ضياع قضيته وتشريده من جديد وعليه مطلوب منه أن يكون داعما وسندا للمشروع الوطني، وذلك من خلال:

1. تشكيل حاضنة حقيقية للتنظيمات الفلسطينية وتنفيذ القرارات المتخذة.

2. المشاركة الفاعلة في مجابهة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة.

3. عدم التعامل مع دعوات وقرارات الاحتلال مهما كلف من ثمن.

غير ذلك، ستنفذ الصفقة وستمر كما مرت بنودها ابتداء بالقدس وانتهاء بالمستوطنات، فعلى الفلسطينيين التوحد على كل المستويات لرفض الصفقة قولًا وفعلًا، وأي تقاعص عن ذلك يصب في خدمة الصفقة وأصحابها، وسوف تتحمل مسؤولية ذلك القيادة الفلسطينية في الدرجة الأولى، وفي الدرجة الثانية التنظيمات والشعب.

*كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية

اخر الأخبار