وعد بلفور يتحقق بإرادة فلسطينية

تابعنا على:   09:32 2013-11-02

صلاح صبحية

الثاني من تشرين الثاني يعود كل عام ليذكر الفلسطينيين بمأساتهم التاريخية والتي مضى عليها نحو اثنا عشر عقداً من الزمان ، وذلك منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1896 والذي انتهى إلى أنّ فلسطين هي الوطن القومي لليهود لأنها أرض بلا شعب ، فهي يجب أن تكون لشعب بلا أرض ، هذا المؤتمر الذي جعل من اليهود المنتمين إلى أوطان وقوميات مختلفة شعباً ذا تاريخ مشترك ومصالح مشتركة وآلام وآمال مشتركة فلذلك فهم يجب أن يعيشوا على أرض مشتركة وكان الخيار فلسطين دون الأرجنتين أو أوغندا لأنّ لليهود ارتباطهم الديني في فلسطين حسب زعمهم وفيما هم يدّعون ، ومن هذا المنطلق الصهيوني بدأ التحرك عملياً لإنجاز الهدف الرئيس لهم بإقامة وطنهم القومي في فلسطين ، فبادر زعماء اليهود لتنظيم رحلات هجرة اليهود إلى فلسطين الذين راحوا يدخلونها أفراداً وجماعات ويزاولون فيها مختلف المهن ، فليس المهم لديهم ماذا أعمل بقدر ما كان المهم لديهم الإقامة والتوطن في فلسطين .
ولأنّ ما سعى إليه الصهاينة اليهود ليس مجرد حلم يهودي بقدر ما هو مشروع استعماري أوربي أمريكي كان لا بدّ من تهيئة المنطقة العربية - وهي التي تعتبر جزءاً من الدولة العثمانية – بتجزئتها إلى دول ودويلات بما عُرف باتفاق سايكس بيكو ، هذا الاتفاق الذي مهد لبروز القطرية العربية ولكل قطر حدوده التي رسمها الاستعمار ، حيث أصبحت هذه الحدود فيما بعد شيئاً مقدساً لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه عربياً وقد أدت فيما بعد إلى نزاعات وحروب بين الأقطار لم تنتهِ حتى عامنا هذا .
وفي خطوة استعمارية تصعيدية نحو تحقيق الهدف الصهيوني وبعد التشاور البريطاني الفرنسي الأمريكي قام وزير خارجية بريطانيا آن ذاك آرثر بلفور وبتاريخ الثاني من تشرين الثاني عام سبعة عشر وتسعمائة وألف بإعطاء وعد لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين وذلك في رسالة موجهة إلى روتشليد أحد الزعماء الصهاينة ، وهذا يعني التزام بريطاني بتحقيق ما يسعى اليهود إلى تحقيقه على أرض فلسطين .
كل ذلك يمضي دون موقف جاد وجدي من قبل العرب لمواجهة ما يسعى إليه الأوربيون واليهود ، إلا مجرد احتجاجات ليست ذات تأثير على الأرض .
وحتى يصبح الوطن القومي لليهود ناجزاً على أرض فلسطين كان لا بدّ من تقديمه على طبق من ذهب لليهود من قبل بريطانيا فكان الانتداب البريطاني في فلسطين بقرار من عصبة الأمم عام 1922 والذي كانت بريطانيا موجودة على أرض فلسطين قبل ذلك ، وهذا الانتداب ليس لحماية فلسطين ورعاية مصالحها بقدر ما هو إخضاع الفلسطينيين للقبول بوجود الأعداد المتزايدة من اليهود على أرضهم رغم تحول اليهود فيما بعد إلى عصابات مسلحة تثير الرعب في صفوف الفلسطينيين الذين قاوموا الوجود الصهيوني والبريطاني على أرضهم وفجروا العديد من الثورات الشعبية ضد الوجود البريطاني والصهيوني على أرضهم .
ولكن المخطط الاستعماري في ايجاد الوطن القومي لليهود كان يسير بخطى ثابتة مع ازدياد أعداد اليهود في فلسطين وازدياد مجموعاتهم المسلحة بأسلحتهم المتطورة والتي كانت محظورة على الفلسطينيين ، وبرغم ذلك فإنّ مقاومة الشعب الفلسطيني لم تتوقف دفاعاً عن وجودهم على أرضهم ، وعندما أصبح الخطر جسيماً ولا سيما وأنّ مشروع الوطن القومي اليهودي أخذ طابعاً أممياً علنياً من خلال قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181لعام 1947 والذي ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وبذلك يكون الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين قد اكتسب شرعية دولية رفضها العرب .
وفي مقابل رفض الفلسطينيين والعرب لمشروع التقسيم سارع الصهاينة للاستفادة من هذا القرار الذي قبلوا به وأعلنوا قيام دولتهم على الأرض التي منحها لهم قرار التقسيم مما دعا الدول العربية لخوض حرب هزيلة ضد الوجود الصهيوني على أرض فلسطين ارتكب خلالها الصهاينة عشرات المجازر ضد الفلسطينيين في قراهم حيث انتشر الخوف والرعب في صفوف الفلسطينيين فاضطروا إلى ترك ديارهم وممتلكاتهم في المدن والقرى على أمل أن تستطيع الجيوش العربية السيطرة على فلسطين وإعادة أهلها إلى بيوتهم ، إلا أنّ ذلك لم يتحقق فكانت هدنة عام 1948 التي أوجدت خطوطاً فاصلة بين العرب واليهود ، هذه الخطوط التي جعلت الصهاينة يسيطرون على نحو 78% من مساحة فلسطين حيث حصلوا على أكثر مما منحهم قرار التقسيم .
ومقابل قبول اليهود بقرار التقسيم وإعلان دولتهم كان الرفض العربي لهذا القرار بكل تبعياته الجغرافية والسياسية ، فذهب الصهاينة إلى الأمم المتحدة ليصبحوا دولة عضواً فيها ، وأمام هذا الواقع الخطير بقي الفلسطينيون بشكل خاص يرفضون التقسيم ولم يعلنوا قيام دولة فلسطين على الأرض التي منحها لهم قرار التقسيم ، فعاشوا لاجئين في مخيمات اللجوء في البلاد العربية ، وأصبحت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية كما أنّ قطاع غزة وضع تحت الإدارة المصرية .
وحماية ورعاية للوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين قامت الدول الأوربية بدورها الأساس المنوط بها فكان الدعم السياسي بريطانياً ، والدعم المالي ألمانياً ، على حين كان الدعم العسكري فرنسياً ، وقد استمر ذلك حتى حرب حزيران عام 1967 حيث انتقلت رعاية هذا المشروع الاستعماري الصهيوني الاستيطاني من يد الدول الأوربية إلى يد الولايات المتحدة الأمريكية رعاية كاملة ومطلقة .
وعندما فكر الفلسطينيون بمصيرهم وجدوا أنهم مضطرون للاعتماد على أنفسهم في ظل وضع عربي مفكك ، فكانت انطلاقة الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني عام 1965 التي فجرتها حركة " فتح " من خلال جناحها العسكري قوات العاصفة ، ومع ازدياد العمليات العسكرية الفلسطينية وخاصة بعد حزيران 1967 ضد الوجود الصهيوني في كل فلسطين التاريخية كان لا بدّ من تحديد الهدف الاستراتيجي للثورة الفلسطينية وهو إقامة دولة فلسطين الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني والتي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود كمواطنين متساوون بالحقوق والواجبات ، ألا أنّ الوضع الدولي ونشوء حرب تشرين عام 1973 والتي كان هدفها ايجاد حل سلمي لما عرف خطاً بقضية الشرق الأوسط والقبول الفلسطيني بالذهاب إلى مؤتمر جنيف ، وطرح مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، وتداعيات معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية التي رُفضت عربياً وفلسطينياً رغم أنها تضمنت إقامة حكم ذاتي فلسطيني على أراضي الضفة والقطاع ، وقد أدت معاهدة السلام إلى أول اعتراف عربي رسمي بوجود الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين المتمثل بما سمي دولة " اسرائيل " ، حيث تبعت الأردن مصر بالاعتراف بدولة " اسرائيل " ، والذي أدى فيما بعد إلى إقامة علاقات سياسية واقتصادية سرية بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني ، كل ذلك على حساب الحقوق الفلسطينية التاريخية .
وأمام انهيار الثورة الفلسطينية وانتشار قواتها في الدول العربية بعيدا عن مواقع المواجهة مع الكيان الصهيوني ، ومع استمرار المشروع الأمريكي بإخضاع الوطن العربي لسيطرته وإضعافه كانت الحرب العراقية الإيرانية ، ومن ثم الغزو العراقي للكويت الذي أدى إلى الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج ومن ثم احتلال العراق وتدميره ، كل ذلك كان له تأثيره المباشر على القضية الفلسطينية حيث قبلت منظمة التحرير الفلسطينية الذهاب إلى مؤتمر مدريد ضمن الوفد الأردني ، وكان من نتيجة هذا المؤتمر انعقاد المفاوضات العربية – الاسرائيلية في واشنطن والتي لم تفضي إلى أية نتيجة على الوضع الفلسطيني ، بينما كانت ثمة مفاوضات سرية فلسطينية – اسرائيلية نتج عنها اتفاق أوسلو والذي كانت مقدمته الاعتراف الفلسطيني بالكيان الصهيوني كوطن قومي لليهود على أرض فلسطين .
ومع تعنت الصهاينة في تنفيذ اتفاق أوسلو الذي كان يجب أن يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية بحدود الرابع من حزيران في عام 1999 وعدم تحقيق ذلك ، كانت انتفاضة الأقصى وما نتج عنها من حصار للقائد الفلسطيني أبو عمار والذي أدى إلى استشهاده بالسّم ، وأصبحت المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية على مبدأ حل الدولتين ، أي النضال الفلسطيني الرسمي من أجل تثبيت الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين .
ومن هنا نرى أنّ وعد بلفور بعد أن كان يسمى بالوعد المشؤوم والذي كان الفلسطينيون يؤكدون على رفضه في الثاني من تشرين الثاني من كل عام ، أصبح هذا الوعد مطلباً فلسطينياً تسعى القيادة الفلسطينية إلى تحقيقه وإنجازه من خلال المفاوضات الجارية الآن ، والسبب في ذلك أنّ القيادة الفلسطينية اتبعت النهج الساداتي الذي وضع كل أوراق الحل بيد الولايات المتحدة الأمريكية متجاهلة قدرة الشعب العربي الفلسطيني للتصدي للهجمة الأمريكية الصهيونية بكل وسائل المقاومة المتاحة أمامه .
وفي الذكرى السادسة والتسعين لوعد بلفور كيف تنظر القيادة الفلسطينية إلى هذا الوعد ، وكيف ينظر الشعب الفلسطيني إلى هذا الوعد ، هل هو وعدٌ مشؤوم أخذ من الشعب الفلسطيني حقوقه الجغرافية والتاريخية والسياسية أم هو وعدٌ يتحقق بإنجاز حل الدولتين وطرد الشعب الفلسطيني من فلسطين المحتلة عام 1948 لتحقيق يهودية الدولة التي يصّر نتنياهو على قبول الفلسطينيين بها وقبولهم بالاستيطان في أراضي الضفة الفلسطينية ، أنه وعد بلفور الذي يتحقق بإرادة فلسطينية .
حمص