هل بات مجلس النواب الأمريكي يمثل شبكة أمان لنظام إيران ..؟

تابعنا على:   08:57 2020-01-21

د. عبدالرحيم جاموس

أمد/ عندما أطيح بشاه إيران سنة ١٩٧٩م وحل الخميني وعصابته في حكم طهران، كنت أستاذا مساعدا قي شعبة القانون العام بجامعة الحسن الثاني ... وحينها قد فرح الكثيرون بهذا الحدث ... لكني كنت استثناءاً بين زملائي، وكان لي تقدير أن الامريكان بقيادة الديمقراطيين وكبير استراتيجيتهم آنذاك الرئيس جيمي كارتر ..، هم من اتخذوا قرار رفع الغطاء عن عميلهم شاه إيران، عقوبة له على توقيعه اتفاق آذار ١٩٧٥م مع العراق في الجزائر... برعاية المرحوم هواري أبو مدين، والذي بموجبه تم تسوية الخلافات الحدودية بين إيران والعراق في شط العرب، كما انهارت على اثره الثورة الكردية (بقيادة مصطفى البارزاني الذي كان مدعوما من إيران والكيان الصهيوني والولايات المتحدة)، لقد اعتبر توقيع شاه إيران على هذا الإتفاق تخليا منه عن الدور المنوط به وبإيران كشرطي للخليج، لإرهاب العراق ودول الخليج العربي ليسهل ويبرر ابتزازها امريكيا ..، بعد توقيع هذا الإتفاق، بدأنا نسمع بالسافاك (جهاز المخابرات الإيرانية) وتعدياته على حقوق الانسان وتجاوزاته في حق المعارضة الايرانية، وممارسته كافة أشكال القمع في حق الشعوب الايرانية ...، كان كل ذلك بهدف شيطنة نظام شاه إيران ..، والعمل على دعم معارضيه، من مختلف القوى، وفي مقدمتها المعارضة الدينية والتي كان يمثلها آية الله الخميني، الذي كان لاجئا في النجف بالعراق .. حيث تم انتقاله إلى ضاحية شاتو بريان في باريس، ليقود المعارضة بكل أشكالها، ويتوفر له الدعم الغربي المعنوي والاعلامي والمادي، بهدف الإطاحة بحكم الشاه...، وفي هذا السياق جاء اعلان الرئيس كارتر حينها (بإعتماد مبدأ احترام حقوق الإنسان كمعيار لعلاقة الولايات المتحدة مع الدول) واعتباره ضابطا من ضوابط العلاقات الدولية، تمهيدا للتخلي عن نظام شاه إيران وتسهيل إسقاطه، وغيره ممن باتت الضرورة الأمريكية، تحتم تغييرهم من الحكام، ... وهذا ما تم فعلا في الربع الأول من عام ١٩٧٩م بشان شاه إيران ...، حيث انتفض الشعب الايراني بكل أطيافه السياسية والإجتماعية، وانهارت على إثرِ ذلك كافة الاجهزة الأمنية للدولة الايرانية ..، ولم يبقى سوى الجيش متماسكا، الذي انحازَ لصالح انتفاضة الشعب، وطلب من الشاه المغادرة والبحث عن بلد تستقبله، وبالفعل أمن الجيش مغادرة الشاه وعائلته لطهران، وكان قاصدا الولايات المتحدة على اعتبار انه صديقا مخلصا لها، إلا أن الطائرة التي أقلته قد توقفت في الرباط، تنتظر حصوله على تأشيرة دخول للولايات المتحدة، ولكنه فشل في الحصول على ذلك، وقد استُفِزَ الرأي العام في المغرب من توقف طائرة الشاه في الرباط، وعمته حينها المظاهرات الطلابية، المنددةِ به وبإستقباله في المغرب، حينها وجه له الرئيس أنور السادات، الدعوة لإستقباله في مصر، ومنحه الإقامة فيها (تحت مبدأ ارحموا عزيز قوم ذَل).

هكذا الرأي العام العربي والإسلامي قد أخذ بالشعارات الثورية التي رفعتها الثورة الايرانية، ومنها (نهي شرق، نهي غرب)، إضافة إلى أنها ثورة المستضعفين في الأرض ..، وأنها تؤمن بمبدأ تصدير الثورة كونها ثورة المسلمين والمستضعفين ..، واغلقت سفارة الكيان الصهيوني في طهران، وفتح بدلا منها مكتب لـ م.ت.ف، ومعلنة عداؤها السافر له وللولايات المتحدة الأمريكية، كما تصفها بالشيطان الأكبر..، وللتأكيد على ذلك قام طلبة جامعة طهران ومنهم أحمدي نجاد، بإحتلال السفارة الامريكية في طهران، واحتجاز اثنين وخمسين ديبلوماسيا امريكيا فيها لمدة قاربت السنتين، وقد تمكن تيار الملالي من اختطاف الثورة والحكم منفردا، وتصفية كافة التيارات الوطنية الأخرى، التي كانت الشريك الأساسي في انتفاضة الشعب الايراني على الشاه. وقد فرٍ الرئيس الإيراني الأول بعد الثورة الحسن بني صدر إلى خارج إيران، قبل أن يزج به في غياهب سجون الثور ة....!

وبعد أربعين عاما من الصراع المعلن بين إيران والولايات المتحدة، يأتي مجلس النواب الأمريكي ذي الغالبية الديمقراطية والتي ينتمي إليها الرئيس جمي كارتر، الذي أشرف على إنهاء حكم الشاه وشيطنته، إلى أن أطيح به، وحلَّ مكانه الملالي في حكم إيران وتم تمكينهم، للقيام بالمهام التي كان قد تخلا عن القيام بها الشاه في المنطقة...، ليأتي مؤخرا قرار مجلس النواب الامريكي، (القاضي بتقييد صلاحيات رئيس الولايات المتحدة، في إعلان الحرب أو استخدام القوة أو ممارسة أي عمل حربي ضد إيران دون موافقة الكونغريس) ليؤكد ويكشف عن مصلحة الولايات المتحدة، وتناغمها وتكاملها في المنطقة، يتمثل في الحفاظ على نظام الملالي في إيران، وعدم السعي من طرفها للاطاحة به، أو حتى الحاق الضرر الجسيم به ...، وإن الشواهد التي تؤكد على تلاقي وتوافق المصالح الامريكية الايرانية تتمثلُ في الكثير من الوقائع، التي شهدتها علاقات الشد والمد بينهما دون الوصول إلى حالة الحرب، بل كان التنسيق التام والصريح بينهما في الاطاحة بنظام طالبان في أفغانستان واحتلالها، ومن بعدها التنسيق الصريح والمعلن والتكامل في اغراض احتلال العراق، والتدمير الممنهج للدولة العراقية، وتدمير نسيج المجتمع فيه، واعدام قادة العراق وعلى رأسهم الرئيس صدام، الذي واجه ايران في حرب دروس لمدة زادت عن ثمانِ سنوات، ومن ثم اطلاق يد ايران في العراق، والتنسيق معها في صناعة داعش وتمكينها في العراق وسوريا .. ومن ثم الاتفاق النووي الايراني (٥+١) والذي وضع ايران على عتبة النادي النووي الدولي ...!

كل ذلك دون أن تستهدف ايران بأي عمل عسكري أو حتى خشن، بإستثناء ما أقدم عليه مؤخرا الرئيس ترامب بإتخاذ قرار اغتيال قاسم سليماني، وما تبعه من مسرحية الشد والرخي، والتفاهمات السرية والمعلنه بشأن الرد على هذا الحدث، و هناك شواهد ووقائع كثيرة لا يتسع المجال هنا لسردها، تدلل على توافق المصالح بينهما أكثر من تعارضها، وما يسديانه من خدمات متبادلة في الحقيقة لمصالحهما، على عكس الخطاب الإعلامي الديماغوجي للطرفين الذي يظهرهما في حالة عداء جذرية.

لا شك لدينا ، في أن الرئيس جمي كارتر، يعتبر من أهم صناع الاستراتيجية الامريكية في الربع الأخير من القرن العشرين، والذي اعتمد فيه (قوى الاسلام السياسي)، في تنفيذ سياسات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط والعالم العربي والاسلامي، من افغانستان ومواجهة السوفيات فيه، إلى العديد من بؤر التوتر والصراع الدولي، ومن قوى الاسلام السياسي (نظام الملالي في طهران) حيث يمثل ( النسخة الاسلاموية الشيعية)، و(جماعة الاخوان المسلمين وما انبثق عنها من تنظيمات وتشكيلات، تحت مسميات مختلفة من القاعدة إلى داعش ومابينهما)، والسماح لهذه التشكيلات برفع شعارات المقاومة، وإعلان معاداة أمريكا ومعها الكيان الصهيوني، للتعمية على بصائر العامة والدهماء، والمخفي منها أعظم، فهل إنكشف المستور في علاقة إيران بأمريكا وبني صهيون ؟؟!

وهل بات مجلس النواب الامريكي، الذي يسيطر على أغلبيته الحزب الديمقراطي يمثل شبكة أمان لنظام الملالي وسياساته في طهران ..؟

أسئلة تحتاج إلى شيء من البحث والتمحيص قبل الإجابة عليها، وتطرح نفسها بقوة على متخذي القرار في الشرق الاوسط وفي العالم ... وتبحث عن إجابات شافية وافية ومقنعة .. وعن تفسيرات دقيقة لعلاقة (ظاهرها التوتر بين إيران الملالي والولايات المتحدة، وواقعها يفند الظاهر.. .. الخ).

المستقبل سيكشف عن الكثير من خفاياها، وساعتها لا ينفع الندم.

اخر الأخبار