مهندسي العنصرية

تابعنا على:   20:53 2020-01-15

جميل السلحوت

أمد/ العنصرية ليست جديدة في تاريخ البشر، فهي معروفة منذ مئات أو ملايين السنين، خصوصا بعد اكتشاف الزراعة، وبروز الملكيّة الفرديّة، فأخذ الأقوياء يستعبدون الضّعفاء ويسترقّونهم ويسخّرونهم لخدمتهم. ومن هنا نشأت ظاهرة الرّقّ التي صاحبتها ظاهرة الدّعارة، وتوالت الظّاهرة وأجبر الرّقيق على المشاركة في الحروب دفاعا عن مصالح أسيادهم، وكان المنتصر يستعبد ويسترقّ المهزومين، ولمّا تطوّرت الحروب وصارت بين أقوام مختلفين في العقيدة أو العرق، فقد أصبحت ظاهرة العبيد محصورة عند بعض الشّعوب بلون وعرق معيّن.

وإذا قفزنا بشكل سريع إلى العصور الحديثة، فإنّنا سنجد أنّ ظاهرة الرّقّ والعبوديّة لم تنته، رغم القوانين الدّوليّة التي ألغت الرّقّ وحرّمته، لكنّ هذه الظّاهرة " الرّقّ" تطوّرت لتتناسب وتطوّر الحياة البشريّة، فأخذت أشكالا جديدة ومسمّيات عديدة. فمن يمارس هذه الظّاهرة دون أن يرفّ له جفن؟

وإذا ما أمعنّا النّظر بظاهرة الرّقّ والعبوديّة وما يصاحبها من مسمّيات جديدة "كالتّفرقة العنصريّة"، فإنّنا لا نحتاج إلى كثير من الذّكاء؛ كي نجد أنّ الجنس البشريّ الآريّ"الأبيض" هو من ابتكر العبوديّة الحديثة، "العنصريّة". ففي عصور الإقطاع غزا الأوروبّيّون القارّة الإفريقيّة، وكانوا يختطفون الأفارقة بقوّة السّلاح، ويتّخذونهم رقيقا للعمل في الزّراعة. وعندما اكتشفت القارّة الأمريكيّة عام 1492م، وبدأت الهجرات الأوروبّيّة إليها، أمعن الأوروبّيون قتلا بمواطني القارّة الجديدة"الهنود الحمر" وأبادوا الملايين منهم. ثمّ شرع الإقطاعيّون الذين استولوا على الأراضي الخصبة باستجلاب الأفارقة بقوّة السّلاح؛ ليكونوا رقيقا يعملون في الأراضي الزّراعيّة، وهذا هو سبب وجود ملايين البشر من أصول افريقيّة في أمريكا. لكنّ الأوروبّيّين لم يكتفوا بغزو القارّة الأمريكيّة، بل تعدّوا ذلك إلى غزو إفريقيا وآسيا أيضا وفي فترات متلاحقة ومتفاوتة، وجزء منهم استوطن مناطق واسعة في إفريقيا وأقاموا أنظمة عنصريّة اضطهدت مواطني البلاد الأصليّين، ووجدت هذه الأنظمة العنصريّة الدّعم على مختلف الأصعدة من امبراطوريّات تدّعي حماية حقوق الإنسان. وما انتهاء الحكم العنصريّ في جنوب إفريقيا في بدايات تسعينات القرن العشرين ببعيد.

وفي محاولة من الأوروبّيّين لتزيين غزوهم واستيلائهم على دول وشعوب قارّتي آسيا وإفريقيا، فقد سمّوا هذا الغزو "استعمارا"، أي أنّ هذه الاحتلالات جاءت من باب تعمير هذه البلدان وتعليم شعوبها، لكنّه في الواقع نهب لخيرات تلك البلدان. وعندما انتهت مرحلة الاحتلالات العسكريّة المباشرة بسبب ثورات الشّعوب، انسحب المستعمرون من تلك البلدان عسكريّا، بعد أن ثبّتوا وكلاء لهم لحكم تلك البلدان، وارتبطوا بهم باتّفاقات تضمن للدول الإستعماريّة السيطرة شبه الكاملة على خيرات تلك البلدان.

ورغم ادّعاءات الجنس الآري حول حقوق الإنسان وسنّ تلك البلدان قوانين تلغي التّفرقة العنصريّة بسبب اللون أو العرق أو المعتقد، إلا أنّ التمييز العنصريّ لا يزال قائما على أرض الواقع، ففي أمريكا مثلا لا يزال الملوّنون والسّود يعيشون على هامش المجتمع الأمريكي"الجنس الآري"، الذين يتحكّمون باقتصاد البلاد وبمفاصل الدّولة الرّئيسيّة. وما انتخاب باراك أوباما للرّئاسة في العام 2008 إلا من باب ذرّ الرّماد في العيون. ولعلّ الرّئيس الأمريكيّ الحالي رونالد ترامب يشكّل الوجه الحقيقيّ للجنس الآري، فهو يحتقر الأجناس البشريّة والمعتقدات الأخرى. ويقوم بنهب ثروات ومقدّرات الشّعوب الأخرى. وأمريكا بعد الحرب العالميّة الثّانية شنّت أكثر من ثلاثين حربا ظالمة أزهقت فيها أرواح ملايين البشر، ودمّرت حضارات شعوب عريقة -تحت شعار الديموقراطية ومحاربة الدّكتاتوريّات والحفاظ على حقوق الإنسان- وهي ترى في نفسها وباعتمادها على القوّة العسكريّة والإقتصاديّة الهائلة شرطيّ العالم لقمع أيّ ظاهرة أو نظام يتعارض والمصالح الأمريكيّة. لذا نجدها داعما رئيسيّا لإسرائيل في احتلالها للأراضي العربيّة، وتحاصر إيران وفنزويلا، وتدعم أنظمة وحركات إرهابيّة للقيام بحروب بالوكالة عنها كما جرى ويجري في سوريا وليبيا وغيرهما، وتناصب العداء لدول عظمى ترى أنّها منافسة لها كالصّين وروسيا، وقد تقود بسياساتها العدوانيّة العالم إلى حرب كونية ثالثة قد تبيد الحياة على الكرة الأرضيّة إذا ما اندلعت نيرانها. واستمرارا في عنصريّة الجنس الآري فإنّ الدّول الأوروبيّة الفاعلة كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا تقف مساندة أو شريكة لأمريكا في سياساتها العدوانيّة، وإن عارضتها في بعض السّياسات فإنّ معارضتها تكون خجولة ومؤقتة.

يبقى أن نقول أنّ الجنس الآريّ قاد العالم بالثّورة الصناعيّة والألكترونيّة، لكنّه لم يكرّس ذلك لخدمة البشريّة بمقدار ما يسخّر ذلك لاضطهاد الشّعوب الأخرى وقتلها وتدميرها ونهب خيراتها.

كلمات دلالية