سوريا: تفكيـك الكيماوي والمعارضة

08:21 2013-10-05

غازي العريضي

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، التقيت شخصية كانت تلعب دوراً مهماً في بلادها، وتمتعت بشبكة علاقات عربية- غربية واسعة. أسرّت لي بما حملته في جعبتها بعد زيارة للولايات المتحدة الأميركية ولقائها عدداً من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين والدبلوماسيين الأميركان، إن النقاش تركزعلى سوريا. وأنها سمعت كلاماً واضحاً: "خلال ستة أشهر يبدأ انهيار النظام السوري بسبب الحصار المالي والعقوبات المفروضة عليه. وأن إيران غير قادرة على حمايته، وستكون عملية تسليح وتدريب للمعارضة السورية، لكي تقوم بدورها على الأرض في مواجهة الجيش السوري. وأميركا تعمل مع عدد من دول المنطقة لتنفيذ هذه الخطة".
وتضيف الشخصية المذكورة:"في لقاءات أخرى مع عدد من المسؤولين في بعض الدول العربية المعنية في طريق العودة من أميركا، كان تأكيد على أن بداية تحقيق الإنجازات على الأرض السورية ستكون في نهاية العام. وأن كل الإجراءات والاستعدادات قد اتخذت، ولن يتمكن الأسد من الإفلات من العملية هذه المرة".
سألت الشخصية المعنية: "هل أنتم واثقون من الكلام الأميركي"؟ أجابت: "لقد كانوا حاسمين حازمين جازمين. الأسد لن يبقى. لا تقلقوا"! قلت: "ولكننا لا نرى شيئاً، وما نعرفه عن العقوبات وتأثيراتها، أياً تكن، فهي لا تؤدي إلى سقوط نظام كالنظام السوري يتلقى الدعم من إيران إلى العراق. والموقف الإيراني واضح: لن نسمح بسقوط النظام السوري. فهل ثمة حساب لهذا الاحتمال "؟ قالت:"لا بدّ أن يكون ذلك وارداً في الحساب". بالطبع، أخذت المعلومات، ولكنني لم أراهن على صدقية أصحابها الأميركيين، إضافة إلى أن اللعبة أكثر تعقيداً من ذلك، وكنت ولا أزال أتطلع إلى ضوابط الموقفين الأميركي والروسي، والمائلين إلى التفاهم.
في الشهر الأول من هذا العام التقيت شخصية عراقية برفقة صديق مشترك، وهي على إطلاع عميق على السياسة الإيرانية والتداخل الإيراني- العراقي. بالطبع كان قد انتهى العام الماضي ولم يتحقق شيء بعد مما سبق ذكره. سألتها عن الوضع في سوريا وعن العقوبات على إيران قالت: "لا يراهنن أحد على هذا الأمر، أولاً العقوبات تزعج، تربك، وتقلق، لكنها لا تسقط أنظمة. إيران دولة قوية، تحملت الكثير وهي تتحمل، وهي الآن لا تحمل عبئها فقط بل تحمل معها سوريا، ولا يبدو أنها ستسقط، بل إن إيران تمكنت من خرق الحصار وتجاوز العقوبات، يجب أن تعلموا أن ثمة شركات أوروبية تعمل رسمياً في إيران. وتتعامل مع إيران وبتغطية من دولها، وأن هذه الدول تقوم من وراء ذلك بأدوار سياسية كبيرة لمعالجة الأزمة النووية الإيرانية. والتدخل الإيراني في سوريا، بعيداً عن الأضواء".
وشرحت لي هذه الشخصية بالتفصيل العلاقات الإيرانية الأوروبية ودور الشركات المذكورة في كسر الحصار. كذلك تحدثت عن الدور الإيراني في العراق، والتأثير الإيراني الكبير في سوريا، مؤكدة أن "المعارضة السورية لن تتمكن من كسر الأسد وأن إيران ستضع كل إمكاناتها لتبقي نظامه قائماً".
في هذه الأثناء، بدأت التسريبات عن الاقتراحات الأميركية المقدمة لإيران بالظهور. وهي كانت مذهلة في فترة معينة، بدء رفع العقوبات، السماح بالمتاجرة بالذهب والمعادن ورسم حدود الدور الإيراني في المنطقة. وإطار العلاقات التجارية الإيرانية- الأوروبية الغربية وما يحيط بها ويستوجب تنفيذها من إجراءات في البحر وعلى الأرض.. وابتعاد عن العمل العسكري لضرب إيران، وعمل لإقناع إسرائيل بعدم القيام بعمل أحادي منفرد في هذا الاتجاه.
ماذا حصل؟ التطورات الميدانية على الأرض جعلتنا نرى إيران مباشرة، ثم "حزب الله" مباشرة على الأرض السورية! وكانت مواقف دولية لا سيما من روسيا تتحدث بوضوح أنه "سيكون تدخل وتجاوز للقوانين والحدود الدولية في سوريا". وبات الأمر واقعاً وغيـّر في موازين القوى وجعلتنا نرى عكس كل ما أشار إليه الأميركيون وحلفاؤهم من خطط لإسقاط النظام، بل أصبحنا أمام فصائل "متطرفة " ثم صنف بعضها "إرهابياً"، وانحرف التوجه الأميركي عن "مساره" الوهمي لإسقاط النظام إلى مسار جدي: "مواجهة الإرهاب". لم يعد ثمة حديث جدي عن مقاتلة النظام لإسقاطه، بل بات التركيز على ضرب الفصائل الإرهابية. وهذا ما يبرّر عدم الإقدام على التسليح خوفاً من وقوع السلاح في ايدي هذه الفصائل، ثم تطور الموقف إلى دعوة النظام والمعارضة المعتدلة معاً إلى مواجهة المتطرفين ومنعهم من السيطرة على الأرض في مناطق سورية كثيرة.
في هذا الوقت التقيت شخصية عربية مهمة كانت عائدة من لقاءات مع عدد من المسؤولين الأميركيين، وكتبت سابقاً معلومات عن هذا اللقاء. أكرر بعض ما كتبت. الشخصية قالت: "من المعيب جداً أن نكون رأينا ما رأيناه على الأرض السورية لنتأكد من الدور الأميركي الفضيحة. لقد كشفت الأزمة السورية أميركا. موقفها فضيحة". ولكن، أضافت الشخصية "أميركا باتت محرجة خصوصاً وأن لديها معلومات موثقة عن استخدام النظام أسلحة كيماوية - وهذا قبل ضرب الغوطة بالكيماوي، ولا يمكنها السكوت عليها. ستكون أمام سياسة أميركية أكثر حزماً ! وكان حديث عن استعدادات عملانية لدعم المعارضة السورية.
ماذا كانت النتيجة؟ اتفاق روسي- أميركي فأجأ الجميع بعد استخدام الكيماوي في الغوطة، وانتظار ساعة الصفر لتوجيه الضربة الأميركية للنظام السوري. ثم قرار بالإجماع في مجلس الأمن وهو الأول منذ بداية الأزمة السورية ليؤكد الشراكة الأميركية الروسية. ثم مباشرة لقاءات أميركية- إيرانية في إطار لقاء الـ 5+1 لمعالجة أزمة الملف النووي الإيراني، ثم اتصال هاتفي بين أوباما وروحاني وحديث عن بداية حوار جدي مباشر لمعالجة كل الأزمات وإحباط في صفوف المعارضة والعرب... واستقواء للأسد، إذ لا إشارة إلى مسؤولية النظام في بيان مجلس الأمن.
بدأت عملية تفكيك السلاح الكيماوي، وهو ملف انتهى سياسياً، والعمل الآن جار لإنهائه تقنياً تنفيذاً لقرار مجلس الأمن.
وبدأت عملية تفكيك المعارضة، فجأة بدأت المعارك الطاحنة بين القوى المؤيدة "للقاعدة" والقوى الأخرى. وأصيب الائتلاف السوري بخيبات وصدمات كبيرة. في وقت تمّ التأكيد فيه على الحرص على وحدة المؤسسات في سوريا، وعلى رأسها الجيش والابتعاد عن أي محاولة لتفكيكها! والسعي الحثيث لعقد جنيف -2 لاستكمال مسار الحل السياسي.
الوقت يمر، وغداً قد ينتخب الأسد مجدداً، والرابح الأبرز سورياً إسرائيل التي تحاول من خلال ضغوطاتها أن تربح إيرانياً بعد فتح العلاقات الأميركية -الإيرانية فتنهال عليها "التطمينات" الأميركية وتقف هي راصدة كل حركة، ومتحركة في كل الاتجاهات لحصد ما أمكن من النتائج والنجاحات.
أكرر القول: شاطر من يعرف كيف يربح والأشطر من يعرف كيف يخسر. المشكلة أن العرب لا يعرفون كيف يربحون ولا يعرفون كيف يخسرون. ولا يزالون ينتظرون "الحليف الأميركي". كانوا ينتظرونه آتياً من أميركا، لا ندري متى سيعود من إيران وكيف؟
ولا يدري أحد متى يعود "حزب الله" من سوريا.. في انتظار ذلك وبعد المساعدات المالية والغذائية، والإقلاع عن تسليم "الأسلحة الفتاكة" كي لا تقع في أيدي المتطرفين الذين يفتكون بكل شيء في سوريا اليوم، كان اللجوء إلى محطة إذاعية لدعم المعارضة ومحطة تلفزيونية لمخاطبة الأقليات.
الإعلام مهم، والغذاء مهم، والسلاح مهم، لكن الأهم: الرؤية المشروع والقرار وخطة العمل وأدوات التنفيذ والحركة الدائمة، والحضور الفاعل والسرعة في مواكبة التطورات والمتغيرات!
عن الاتحاد الاماراتية