المزاج الشعبي والمقاومة

تابعنا على:   00:27 2014-07-19

عمر حلمي الغول

السمة العامة لمطلق رأي عام في هذا البلد او ذاك، يكون بالضرورة منحازا لبلده في اي صراع مع دولة اخرى، حتى على مستوى الرياضة يكون عموما إلى جانب فريقه القومي او في المنافسات المختلفة بين الدول. وبالتالي الانحياز العاطفي التلقائي، وطريقة التعبير عن المشاعر في لحظات الصراع والمنافسة، لا تختلف كثيرا عن بعضها بين شعب وآخر إلآ بمعايير نسبية، وإرتباطا بسلوكيات وثقافة كل شعب في التعبير عن نفسه.

وبالعودة للمزاج الشعبي الفلسطيني، فإنه يقف في كل المحطات ولحظات الصراع الوطني والقومي مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية وعلى مر تاريخ الصراع مع مقاومته، وينحاز دون تردد مع اي قوة فلسطينية او عربية تملك قرار المواجهة مع إسرائيل حتى لو كان في نطاق الخطاب الاعلامي. ويعود ذلك لاكثر من سبب، اولا للانتصار على الهزيمة المتأصلة في الوعي الوطني والقومي؛ وثانيا لان دولة التطهير العرقي الاسرائيلية، إستباحت كل المحرمات السياسية والقانونية والاخلاقية، وأوغلت في الدم الفلسطيني والعربي؛ ثالثا لان إسرائيل ومن يقف خلفها في الغرب احبطوا كل حالة نهوض قومية، وتعمل على تفتيت شعوب المنطقة؛ رابعا لان الفلسطينيين والعرب في العقود الاخيرة قدموا كل ما هو ممكن لتحقيق تسوية سياسية مقبولة مع دولة الارهاب المنظم الاسرائيلية، ورفضتها، ليس هذا فحسب، بل واستفحلت في جرائمها وانتهاكاتها الخطيرة ضد الشعب الفلسطيني والعرب عموما؛ خامسا والاهم لان الوعي العام الفلسطيني والعربي يرفض من حيث المبدأ إغتصاب إسرائيل للحقوق الوطنية والقومية.

في ضوء ما ورد وعوامل اخرى، فإن الرأي العام الفلسطيني، يقف دون تردد مع اي شكل من اشكال المقاومة دون التفكير او التدقيق في خلفيات هذه المقاومة. ويزداد الانحياز لها في زمن الحروب، ويسقط الوعي الجمعي السلوكيات السلبية والانتهاكات الخطيرة لهذا الفصيل او ذاك في زمن الحروب مع إسرائيل، ويغمض عينيه عن اية شيء عندما يسمع وصت قذيفة او صاروخ بغض النظر عن حجمه وتأثيره في صفوف القوات المجتمع الاسرائيلي. لان المهم لدى المواطن الفلسطيني، ان يشعر للحظة، بأن فصيل من فصائل الساحة قادر على اطلاق صاروخ  او قذيفة او اي فعل للرد على وحشية دولة الابرتهايد الاسرائيلية. ويتماهى الوعي الجمعي الفلسطيني مع خطاب المقاومة الشعبوي، ويغرق في متاهتة، ويرفض بالمقابل اي خطاب سياسي عقلاني يخدم مصالحه العليا باقل الخسائر.

وعندما يقوم المرء او اي كاتب موضوعي او سياسي بطرح رؤية مغايرة لديماغوجيا بعض الفصائل، كما خطاب حركة حماس، ويعرض حقائق ومعلومات عن تساوقها مع قوى عربية واقليمية ودولية لاهداف وحسابات فئوية خاصة وعلى حساب مصالح الشعب الفلسطيني، يصبح اصحاب هذا الرأي الموضوعي والوطني في موقع المتناقض مع المقاومة، ويتهموا بابشع التهم اللاوطنية. لان الوعي الفردي والجمعي، غير قادر على رؤية شيء آخر سوى، ان المقاومة اطلقت \"صواريخ\"واربكت العدو الاسرائيلي. أما الخلفيات والنتائج، التي ستتمخض عن تلك المواقف الديماغوجية والشعبوية، فلا يتوقف امامها المواطن البسيط والوعي الجمعي للشعب.

لا احد يتنكر للمقاومة ومكانتها واهميتها الوطنية، ولا احد يعترض او يرفض المنطق، الذي يقول ان اسرائيل دولة مارقة ومجرمة ومعادية للشعب العربي الفلسطيني ولشعوب الامة العربية، وهي الدولة المحتلة للارض والمصادرة والمهودة لها، وهي التي تقتل بدم بارد الاطفال والنساء والشيوخ، وتهدم البيوت على رؤوس ساكنيها من المدنيين العزل... إلخ من القائمة الطويلة، التي تؤكد على اولوية الصراع مع إسرائيل، وهي التي رفضت وترفض السلام. ولكن القراءة الموضوعية لخلفيات بعض القوى المنخرطة في الحرب باسم \"المقاومة\"تفرض على الوعي الجمعي للشعب، ان يستيقظ من سباته، ويدقق في الحسابات الفئوية الرخيصة لبعض القوى وخاصة حركة حماس على حساب الدم الفلسطيني، لان تلك القوى تتساوق مع إسرائيل بغض النظر عما تقوله وتنادي به من خطاب غوغائي كما داعش وتنظيم القاعدة وكل الجماعات الارهابية، التي انتجتها اميركا واسرائيل، وتعمل لخدمة اهدافها الاستراتيجية في تفتيت شعوب الامة العربية.

لا يوجد مواطن مدافع عن مشروعه السياسي، يقبل الاساءة لفصيل وطني في لحظة احتدام الصراع مع إسرائيل. لكن إن كان ذلك الفصيل جزء من اللعبة الهادفة لمضاعفة الجريمة والاتجار بالدم الفلسطيني لحسابات ضيقة، وخدمة اهداف اميركا واسرائيل، فالواجب يحتم قول الحقيقة، حتى لو اعتبرها البعض جارحة، وغير مقبولة في لحظة ساخنة، لان مصالح الشعب العليا اهم من كل الاعتبارات والمشاعر العاطفية الانية، لان النتائج اللاحقة سيدفعها الشعب كله وليس فصيل بعينه.

لذا على فئة الانتلجنسيا التنبه لاخطار الخشية من البوح بالحقيقة مهما كانت مُّرة وجارحة، وذلك لانقاذ الوعي الجمعي من حالة التوهان، التي يعيش فيها راهنا ولاحقا. ولانقاذ المشروع الوطني من الضياع والتبديد.

[email protected]

[email protected]              

اخر الأخبار