الإعلام الفلسطيني خلال انتفاضة الحجارة 1987

تابعنا على:   16:04 2019-12-07

هشام عبد الرحمن

أمد/ إثر خروج المقاومة من بيروت، خسرت منظمة التحرير القاعدة الجغرافية التي أقامت عليها مؤسساتها في المنفي، وفقدت المنظمة قدرتها على الاتصال المباشر مع القسم الأعظم من الشعب الفلسطيني، وتلاشت الهياكل الاجتماعية والثقافية والإعلامية لها. وقد بدت المنظمة غير قادرة على إدارة مهامها؛ فالمؤسسات والأجهزة السياسية والإعلامية والاجتماعية التي أنشأتها منذ السبعينات في لبنان أصبحت عبئًا عليها، وتراجعت مكانة العمل المسلح، وتراجعت قدراتها التعبوية وتصدعت بنيتها الداخلية؛ مما كان له تداعيات واضحة على الهوية الوطنية باعتبار المنظمة التعبير الكياني والمعنوي لها.
ومثلث الانتفاضة الشعبية عام 1987، حدثًا فريدًا للوطنية الفلسطينية، وحد الشعب إلى حد لم يسبق من قبل، وشكلت تجليًّا واضحًا للوحدة الوطنية والشراكة السياسية بالإضافة إلى الهوية الوطنية لأول مرة بكل طبقاته وفئاته وشرائحه .
كان لاندلاع الانتفاضة دور بارز في تجديد شرعية منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن كادت تتلاشي، كما كان لها دور بارز في نقل الصراع الفلسطيني من المنفي إلى داخل الأراضي المحتلة، وقد مثلث الانتفاضة أوسع عملية تدخل جماعي يشهده التاريخ المعاصر، ويأتي تأليف القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة من ممثلي الفصائل الوطنية كتعبير عن هذا التوجه الوحدوي .
وفي المقابل انطلقت حماس مع بدايات الانتفاضة لتتعرض لأزمة ذاتية في سلم أولوياتها، بحيث كانت أولوياتها إصلاح الفرد وأسلمة المجتمع لإنشاء الدولة الإسلامية، لكنها وجدت عمليًّا أن الانخراط في المقاومة هو الذي يستنهض الشعب الفلسطيني ويحقق الالتفاف حول الحركة.
وبعد اندلاع الانتفاضة عام 1987، وازدياد نشاط الجماعات الإسلامية في ظل وجود الكثير من عوامل الاختلاف بين (م.ت.ف) وتحديدًا حركة فتح مع الإخوان المسلمين، وحاولت وسائل الإعلام التابعة لـ (م.ت.ف)، إزالة خلافات الرأي القائمة، والتنسيق مع حركة حماس (حركة المقاومة الإسلامية التي كانت الفرع الفلسطيني لـ "الإخوان المسلمين" لتوحيد المواقف والبيانات الإعلامية المشتركة، إلا أن قيادة حركة حماس امتنعت بمنشوراتها الإعلامية وبياناتها من التنسيق مع الحركة الوطنية؛ مما زاد من حدة الخلاف في الرأي ، ووزعت الحركة المنشورات والتعليمات المستقلة الخاصة بها .
يشير د. كمال علاونة أستاذ العلوم السياسية والإعلام في جامعة النجاح، إلى أن الإعلام الفلسطيني خلال انتفاضة الحجارة أبلى بلاءً حسنًا في ظل ضعف الإمكانات والظروف السياسية التي كانت تمر بها الأراضي الفلسطينية.
وذكر علاونة في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن أي حالة نضالية عبر التاريخ كان لا بد لها من أن تبادر لاستخدام الأدوات الإعلامية المتاحة، والبناء عليها من أجل التواصل مع المجتمع المحلي من جهة، وعرض الرسالة التي يحملها أصحاب النضال لعرضها على المجتمع الخارجي من جهة أخرى .
وبالرغم من هذا التعارض، إلا أنهما كانا ضد شق الصف الوطني، وكانت المصالح المشتركة في المجال العملي تطغى على أي خلاف، وكان الصراع اليومي ضد الاحتلال هو العامل البارز في الوحدة والعمل، إضافة إلى وجود عاملين رئيسيين عملا على كبح الخلاف بين حماس و(م.ت.ف) ممثلة في حركة فتح، أولهما: تسارع عجلة الانتفاضة واشتداد وتيرة المواجهات مع الاحتلال، وهو ما جعلهم عمليًّا يتخندقون في صف واحد، ثانيهما: أن الإعلام الحزبي الفلسطيني تلقى العديد من الضربات القاسية، مما جعله يستحدث طرقًا جديدة للتعامل مع الواقع الإعلامي الذي فرضه الاحتلال، فابتكرت البيانات السرية وكتابة الشعارات على الجدران، بالإضافة إلى المجلات والنشرات التي كانت توزع بشكل سري والتي كانت تدعو للوحدة والتكافل والشراكة السياسية في مواجهة المحتل.
بعد عشرات اللقاءات والمؤتمرات العلنية والسرية حول السلام، وما صاحبها من أحداث جسام كالانتفاضة الأولى، وحرب الخليج الثانية وانهيار النظام الإقليمي العربي والاتحاد السوفييتي... أجبرت أمريكا الخصوم على الجلوس علنًا على طاولة المفاوضات في مدريد أولًا ثم في أوسلو، وتم توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو الاتفاق الذي قامت على أساسه منذ 1994 السلطة الفلسطينية التي وجدت في إطار تسوية وضمن اتفاقية تكبل تحركها وتجعل كل خطوة من خطواتها وخصوصًا ذات الطابع السيادي مرهونة بالموافقة الإسرائيلية والأمريكية، فيما الشعب الفلسطيني يريدها أن تقوم بمهمة مزدوجة مهمة سلطة وطنية تحريرية وسلطة سياسية تأسيسية، وهي مهمة جدًّا صعبة إذا أخذنا بعين الاعتبار التحديات الداخلية والخارجية التي تعترض عمل السلطة ..
إن تجربة الاعلام الفلسطيني في ظل السلطة الفلسطينية تجربة وليدة وفي نفس الوقت تجربة غنية بكل المقاييس فارتبط تطور الاعلام الفلسطيني منذ قيام السلطة وكان لهذا أن نشأت العديد من الصحف ووسائل الاعلام المسموعة والمرئية ووكالات الانباء، لقد تطورت وسائل الاعلام سريعا وأحدثت تغيرات مجتمعية هامة ساهمت في بناء اعلام تنموي ووطني هادف , وخلقت تنافساً بين وسائل الاعلام المملوكة لها وبين وسائل الاعلام الفصائلية او الحزبية العاملة في اراضى السلطة الوطنية الفلسطينية .

اخر الأخبار