سعد الحريري وأركان فريق (14) آذار أداة واشنطن لحرف الانتفاضة اللبنانية عن مسارها وأهدافها

تابعنا على:   22:40 2019-11-24

عليان عليان

أمد/ الرؤية التي قدمها جيفري فيلتمان السفير الأمريكي السابق في لبنان، عن الانتفاضة اللبنانية – التي انطلقت في السابع عشر من تشرين الأول الماضي - أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا والإرهاب الدولي، التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، تؤكد الدخول الأمريكي القوي على خط الانتفاضة من خلال أدواتها في لبنان ( فريق 14 آذار ) عبر الثلاثي ( الحريري، جنبلاط، سمير جعجع)
فيلتمان في تقريره شدد على ثلاثة أمور:
الأمر الأول : تشكيل حكومة تكنوقراط يستثنى حزب الله من المشاركة فيها.
الأمر الثاني : أن توجه الانتفاضة اللبنانية ضد حزب الله والمقاومة خدمةً لأمن الكيان الصهيوني.
الأمر الثالث : أن لبنان مصلحة أمريكية خالصة ، ولا يسمح له بالتوجه شرقاً نحو روسيا والصين وإيران......ومن ثم دعوته الأمين العام للأمم المتحدة قيادة حراك دولي ضد حزب الله.
الصورة باتت واضحة لكل ذي بصر وبصيرة، في أن الإدارة الأمريكية هي التي تعمل على إعاقة تشكيل حكومة انتقالية وطنية ، معتمدةً على أدواتها في فريق (14) آذار ، وخاصةً رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال " سعد الحريري" الذي يعمل على إطالة أمد الأزمة من خلال ما يلي :
أولاً : سعيه لاستثمار " الفراغ السياسي" على أمل إسناد رئاسة الحكومة له وفق تصوره " حكومة تكنوقراط" بدون حزب الله، وتكون طليقة اليد في مجال البحث عن حلول تسكينيه للأزمة الاقتصادية ، عبر آليات الارتهان للإدارة الأمريكية وأدواتها " صندوق النقد والبنك الدوليين" وآلية "سيدر" ، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري والحريري الابن، سبق أن ركزا على الاقتصاد غير الإنتاجي ( الريعي) ورهنا الاقتصاد اللبناني للمؤسسات المالية الدولية حتى تجاوزت المديونية مائة مليار دولار ، ليجري تسديد فوائد القروض من جيب المواطن اللبناني ، عبر فرض الضرائب المختلفة وآخرها " ضريبة الواتساب " التي كانت بمثابة شرارة الانتفاضة اللبنانية الراهنة.
والحريري باستمرار مراهنته على الولايات المتحدة ، يتغابى أو يتناسى أنها لاعب أساسي في إشعال الحريق الاقتصادي ، من خلال الإجراءات العقابية التي اتخذتها ضد النظام المصرفي اللبناني، بذريعة صلة مالية مع حزب الله ، تلك الإجراءات التي استهدفت " جمال ترست بنك" وباتت تهدد بنوكاً أخرى .
ثانياً : سعيه الدائم لحرق " الأسماء السنية " التي يمكن تكليفها لرئاسة الحكومة، وفي هذا السياق نشير إلى أن سعد الحريري في الوقت الذي وافق في لقاءاته المكثفة قبل أسبوع مع رئيس التيار الوطني الحر "جبران باسيل"، على تكليف محمد الصفدي لرئاسة الحكومة القادمة ، لجأ إلى تحريك شارع تيار المستقبل ضد تكليفه ، بهدف أن يرسي عطاء التكليف عليه مجدداً ووفق برنامجه ، وهو الذي بات يلوك عبارة " أنا قادم مجدداً لرئاسة الحكومة على حصان أبيض".
واللافت أن جماهير الانتفاضة وقواها ، تكتفي بطرح شعاراتها ومطالبها دون أن توحد موقفها بشأن رئيس الحكومة المقبل ، ونوع الحكومة القادمة ، فلم نراها تعترض بقوة على تسمية سعد الحريري كرئيس قادم للحكومة ، الذي هو جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل أحد، وأنه أبرز عناوين الأزمة .
والبعض القليل في الانتفاضة يطالب بحكومة تكنوقراط بعيداً عن السياسيين، متجاهلاً أهمية البعد السياسي، في ضوء وجود العدو الصهيوني المتربص بلبنان وثرواته ومياهه ، وفي ضوء أهمية تغيير خارطة التوجهات وطرح البدائل في العلاقات الاقتصادية الاقليمية والدولية ، بديلاً عن العلاقة الرئيسية مع الولايات المتحدة ، خاصةً وأن دولاً كبرى مثل الصين وروسيا وكذلك إيران، قدمت عروضاً اقتصادية تنتشل لبنان من دائرة الاقتصاد الريعي ومن دائرة المديونية والتبعية ، فالصين – على سبيل المثال- قدمت عروضاً للاستثمار في مختلف القطاعات في لبنان ، وأبدت استعدادا لتقديم قروض بالمليارات بفوائد زهيدة جدا ، على أن تسدد في غضون 30 عاماً.
كما أن هذا البعض يتجاهل أهمية تعميق وتطوير العلاقة مع سورية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي ، بوصفها الرئة الاقتصادية للبنان ، وبوابتها البرية للعراق وبقية دول المنطقة ، ومن أجل اتخاذ الإجراءات المطلوبة لعودة اللاجئين السوريين إلى سورية ، الذين يشكلون حالة ضاغطة على الاقتصاد اللبناني .
السفير فيلتمان في تقريره أمام الكونجرس، يتعامل مع لبنان وكأنه ملكية حصرية للولايات المتحدة ، وأنه لا يجوز للبنان أن ينوع في علاقاته الاقتصادية والسياسية الدولية ، فنراه يحذر من عودة النفوذ السوري ، ومن دور إيران الإقليمي من خلال ما أسماه تصديرها الناجح لحزب الله بقدراته المتقدمة، التي تهدد إسرائيل وغيرها من حلفاء الولايات المتحدة، متجاهلاً حقيقة أن المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله هي من حررت الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي ، ولعبت دوراً رئيسياً إلى جانب الجيش اللبناني في تصفية وجود الجماعات الإرهابية في جرود عرسال والقلمون اللبناني الشرقي .... ناهيك أنه يعلم علم اليقين ، أن مقاومة حزب الله هي الضمانة الرئيسية لمنع سيطرة العدو الصهيوني على حقول النفط والغاز الواقعة في المياه الإقليمية اللبنانية.
كما نراه يحذر من الدور الروسي والصيني بطريقة استعمارية مكشوفة بقوله :
"بأن روسيا تنظر إلى لبنان ،كمكان لمواصلة توسعها العدواني الإقليمي والمتوسطي وأن روسيا إذا استغلت موانئ لبنان الثلاثة ومخزونات الهيدروكربون البحرية (النفط والغاز)، فإن هذا سيعطي هذا انطباعاً بأنها تفوز في شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط، على حساب الولايات المتحدة".
كما نراه يحذر من الدور الصيني بقوله :" ومع وجود أكثر من 400 مواطن صيني في اليونيفيل في جنوب لبنان، قد ترغب الصين أيضاً في استغلال موانئ لبنان وموقعه، وقد يجد اللبنانيون صعوبة في مقاومة تكنولوجيا 5G الصينية، بالنظر إلى الحالة المؤسفة لشبكات الاتصالات الحالية في لبنان".
هذا التحريض والتحذير من الدورين الروسي والصيني ، يكشف حقيقة أن الإدارات الأمريكية تعتبر أن لبنان وبشكل رئيسي ملكية حصرية لها ، وفي ذلك تجاهل لحقيقة الدورين الروسي والصيني ،اللذان لم يتعاملا مع الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في سياق عمليات نهب واستغلال للثروات وإيقاع الدول في شرك المديونية والتبعية ، بل في سياقات استثمارية إنتاجية وخدمية تعود بالنفع الاقتصادي الكبير على هذه الدول .
في ضوء ما تقدم من رؤى أمريكية للوضع في لبنان ، وفي ضوء بقاء الانتفاضة اللبنانية بدون إطار موحد، وبدون قيادة وبرنامج مشترك ، وفي ضوء إصرار سعد الحريري وفريق (14) آذار على الإبقاء على ذات البرنامج السياسي الاقتصادي المرتهن للولايات المتحدة ، فإن الانتفاضة اللبنانية باتت في خطر كبير وأن الأهداف التي انطلقت من أجلها ، ستصبح في مهب الريح.
ما تقدم يستدعي من القوى الوطنية الفاعلة في الانتفاضة، أن تعي مخاطر التدخل الأمريكي وأدواته وأن تبادر إلى ما يلي :
1-الاستمرار في رفع الشعارات الاساسية ممثلة بمحاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة واسقاط نظام المحاصصة الطائفية ورفض ورقة الاصلاحات التي تعيد الاعتبار لوصفة " صندوق النقد الدولي" ممثلةً بسياسة "الخصخصة".
2- أن يكون الشعار المرحلي تشكيل حكومة وطنية انتقالية " تكنوسياسية" تحدد خيارات لبنان على الصعد الاقتصادية والسياسية ، وأن تلتزم بتنفيذ مطالب الانتفاضة.
3- تشكيل إطار موحد لقوى الانتفاضة بقيادة موحدة ببرنامج محدد ، يعزل القوى الدخيلة على الانتفاضة المرتهنة للإدارة الأمريكية وأدواتها.