وعد بلفور وعلاقته بالطائفية ...! (3 -3)

تابعنا على:   23:41 2019-11-08

مصطفى إنشاصي

أمد/ نهاية سبعينات القرن الماضي وبداية الثمانينات وضع العدو اليهودي – الغربي مخططات جديدة لتجزئة المجزء، وبعد خروج العراق من الكويت وبدء صعود نجم الولايات المتحدة كإمبراطورية عظمى ووحيدة تقود العالم، وبعد سنوات طويلة من انتهاء رئاسته لم يستطع الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) الصمت أمام تصاعد المد الإسلامي الجهادي في وطننا، فأصدر كتابه "الفرصة السانحة"، وضع فيه تفاصيل السياسة التي يجب أن تتبعها الإدارات الأمريكية في المرحلة القادمة لفرض هيمنتها على العالم، بدء من تصنيف دول محور الشر التي تحدث عنها بوش، وضرورة القضاء على الخطر الأكبر الذي يهدد الحضارة الغربية، المتمثل في "العروبة والدين الإسلامي"، مروراً بالصراع العربي الصهيوني والأسس التي يجب أن يتم على أساسها التسوية، انتهاء بالتعامل مع المؤسسات الدولية.
كما تضمن الكتاب خطة لكيفية فرض الولايات المتحدة هيمنتها على العالم بالقوة، وفرض قيمها الحضارية، وسحق قيم الحضارة الإسلامية التي لم تعد تصلح لهذا الزمن، والتأكيد على ضرورة إعلاء شأن "البعد الحضاري القيمي" في الحياة الأمريكية، الذي يعتمد على القيم المادية والرأسمالية، وقيم الاستهلاك، لتدمير القيم الإنسانية المتعارف عليها، ونشره وتعميمه على العالم فيما غدى يعرف "بالعولمة". كما أكد على "البعد الاقتصادي النفعي" الأمريكي الذي يركز على الرغبة الجامحة لدى الولايات المتحدة للسيطرة على ثروات العالم.
ولم ينسَ يدعو كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى نسيان ما بينهما من خلافات أو تأجيلها على الأقل، والاتحاد لمواجهة ما أسماه "الخطر الإسلامي"، الذي سيظهر في المستقبل القريب في شكل ثورة إسلامية. في مقال كتبه لمجلة "الشؤون الخارجية" الأمريكية: "إن على الاتحاد السوفييتي أن يساعد الولايات المتحدة في هذا الأمر، خاصة وأن ثلث سكانه من المسلمين، ولأن الثورة الإسلامية يمكن أن تشكل خطراً على مصالحه في العالم الثالث"! وأضاف: "أن على الدولتين أن تواجها القوة الإسلامية بدلاً من بيع الأسلحة إلى دول العالم الثالث. وضرب مثلاً بالأسلحة المباعة إلى باكستان، وقال: عن نتائجها ستكون مأساة لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي"!
ذلك يؤكد أن الغرب شرقيه وغربيه يمثل نموذجاً حضارياً واحداً نقيضاً للنموذج الحضاري الإسلامي، ويخشوا من وحدة شعوب الأمة ونهضتها وتشكيل نظام سياسي موحد، ويقدموا نموذجاً حضارياً يجمع مستضعفي العالم وأحراره حوله ضد النموذج الحضاري الغربي وهيمنة وسيادة الرجل الأبيض العالمية ويقضي عليه!

النظام الإقليمي الجديد (الشرق الأوسط الجديد)
وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 أعلن (شيمون بيريز) مهندس الاتفاق عن الجانب الصهيوني محذراً بأن الإسلام هو الوحيد القادر على إفشال أي اتفاق سلام: "لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهراً سيفه ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يُغمد الإسلام سيفه إلى الأبد". داعياً لتأجيج الحرب بين القومية والإسلام، مجدداً مخطط اليهودي كادمي كوهين: "علينا أن نتذكر الآن أن العالم العربي يمر بمرحلة التغيير من الهوية العربية إلى الهوية الإسلامية، فالحرب اليوم في منطقة الشرق الأوسط هي حرب أيديولوجية عقيدية". لكن هذه المرة ستتحالف فيه قبائل سايكس – بيكو مع العدو الصهيوني والغرب بزعم (محاربة الإرهاب)!
وتتلخص أهم معالم النظام الإقليمي الجديد الذي بشر به بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" لحفظ أمن الكيان الصهيوني وحمايته من أية أخطار تهدده أو تهدد مصالحه في المنطقة. يقوم على أسس اقتصادية نفعية ومصلحية وجغرافية، ويتجاهل أهم مكونات المنطقة الدينية واللغوية والتاريخية والروابط المشتركة. ويهدف لإقامة نظام "فوق قومي" يقفز عن الروابط الدينية والتاريخية في المنطقة، ويفتح الآفاق واسعة أمام العدو الصهيوني للاستفادة من الترتيبات الجديدة في المنطقة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وفي الوقت نفسه يحد من الخطر الذي يهدده، والمتمثل في الأفكار الدينية والقومية: "إن السلام ما بين "إسرائيل" وجيرانها العرب سيخلق البيئة الموائمة لإعادة تنظيم مؤسسات (الشرق الأوسط) بصورة أساسية، إن التوافق، وقبول العرب بـ(إسرائيل) كاملة ذات حقوق ومسؤوليات متساوية، سينجب نوعاً جديداً من التعاون لا بين (إسرائيل) وجيرانها فحسب، بل بين البلدان العربية أيضاً، فذلك سيغير وجه المنطقة ومناخها الأيديولوجي"! ذلك يعني أنه ستنشأ هوية جديدة لشعوب المنطقة تسمى (الشرق أوسطية)، يكون من شأنها طمس الهوية العربية – الإسلامية للمنطقة، وتحويل الكيان الصهيوني إلى عضو فاعل فيها وفق صياغة جديدة.
التقطت أمريكا الرسالة فأعلن (وارن كريستوفر) وزير الخارجية الذي أعلن: "إن من أهم أهداف الولايات المتحدة تسوية الصراع العربي - "الإسرائيلي) وخلق (شرق أوسط جديد) من مجموعة من الأمم بحيث تتشارك المصلحة العامة وتعيش بسلام وتتمتع بالاستقرار والتقدم الاقتصادي وتقدم جميع الشعوب في المنطقة" ... وأن: "تسوية الصراع في المنطقة وإقامة نظام إقليمي فوق قومي، سيحد من تنامي التيارات السياسية المتطرفة"!
وفي اللحظة التي سيتم فيها اندماج العدو الصهيوني في نسيج شعوب دول المنطقة سيكون قد تم إسقاط النظام الإقليمي العربي والإسلامي وغيره من الأنظمة الإقليمية. وأنشئ بدلاً منها النظام الإقليمي الجديد (الشرق الأوسط الجديد)، الذي ستنشأ فيه شبكة مصالح اقتصادية جديد في وطننا يكون المستفيد الأول منها العدو الصهيوني، وستموت وتقتل كل الآمال العربية التي بقيت لأجيال تنتظر قيام سوق عربية وإسلامية مشتركة. لأنه سيتم استبدالها بـ(السوق الشرق أوسطية) الذي مركزه الكيان الصهيوني! وسيتحول الوطن العربي: "من المحيط إلى الخليج" إلى مجرد منطقة جغرافية مركزها (إسرائيل) ولأن ذلك يتطلب إعادة تنظيم الوضع فإن (السوق الشرق أوسطية) يعني إفراغ المنطقة من تاريخها القديم وإرثها الحضاري وتحويل الدول العربية إلى مجرد كيانات هشة تتنازل عن هويتها القومية لصالح تأكيد هيمنة (إسرائيل) وسيادتها على المنطقة ... تحاول (إسرائيل) والولايات المتحدة الترويج لـ(لسوق الشرق أوسطية) على أنها إطار للتعاون الإقليمي، بينما هي في حقيقة الأمر إعادة رسم لخريطة المنطقة بأكملها ضد مصالح وطموحات وأشواق شعوبها!!!
واستمرت المخططات اليهودية والأمريكية تتطور وتتجدد ويتم تعديلها واعتمادها من المؤسسات الأمنية والسياسية، وتتدحرج من مشروع شيمون بيريز (الشرق الأوسط الجديد والسوق الشرق أوسطية) إلى مشروع الرئيس الأمريكي بوش دبليو (الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا)، الذي تلاه احتلال العراق، للبدء في تنفيذ مخطط التفكيك له ولكل الأقطار الذي أشرنا له بداية المقالة السابقة، وبدأت التهيئة لها باختلاق داعش والحرب الأهلية الطائفية التي أشعلها العدو اليهودي – الغربي بزعم أنها بين (الشيعة والسنة)، وذلك لتفكيك الروابط الاجتماعية بين سنة وشيعة العراق، بعد أن انفك الأكراد بحكمهم الذاتي والدستور والبشمرقة و... تمهيداً للانفصال التام!
ثم العدوان الصهيوني على لبنان تموز/يوليو 2006 وإعلان وزيرة الخارجية الأمريكية:
• يجب إعادة رسم خريطة (الشرق الأوسط) من جديد، لأن أنظمة سايكس – بيكو لم تؤدي مهمتها (حفظ أمن العدو الصهيوني)!
• يجب أن يتم توجيه سلاح المقاومة إلى الداخل وليس للخارج (العدو الصهيوني)!
وبحكم أن الغاية النهائية لجميع المخططات تبدأ من فلسطين وتنهِ إليها؛ وخلاصتها هو تصفية القضية ودمج العدو الصهيوني في نسيجنا الاجتماعي، فقد بدأ التنفيذ العملي لمخطط تجزئة المجزء منها، وبدأ الربيع العربي بفك العدو الصهيوني ارتباطه مع غزة من طرف واحد، وإعاد انتشاره حولها ومحاصرته لها من الخارج، ثم كذبة الديمقراطية والمشاركة السياسية ولعبة الانتخابات التي أثمرت الانقسام بين الضفة وغزة، وانتهت المقاومة في غزة إلى شنطة العمادي، وصواريخ مدفوعة الأجر من البعض!
أما الربيع الحقيقي لتمزيق القبائل إلى شيع وطوائف وتدمير الأوطان وسحق الإسلام الحضاري واستبداله بقيم الحضارة الغربية، فقد بدأ بالثورة في تونس والمنادى بالديمقراطية والدولة المدنية، وقد رأينا آثارها في الدستور التونسي الذي شرعن باسم الديمقراطية كل المحرمات في ديننا وعرفنا وتراثنا! واتسعت دائرته إلى أقطار الأخرى، تحول فيها إلى ربيع دامي وسحق للوطن إنساناً وجغرافيا. والعدو يصب الزيت على النار ويتلاعب بالمتصارعين ليهيئ تلك الأقطار بما يتناسب ومخططاته، ونجح في تحويل سلاح المقاومة (حزب الله) في سوريا إلى الداخل، وأثار فتنة الشيعة والسنة، قادها دعاة المحاور، محور مقاومة وممانعة يتهمون كل مخالفيهم أنهم دواعش وسلفيين ووهابيين، وأصبح عنوانها سنة وشيعة، ولا أعلم كيف يمكن أن تكون المقاومة طائفية؟! وفي ليبيا بين وطنيين وعملاء أمريكا والعدو الصهيوني، و... وكاد الأكراد يستقلوا بشمال سوريا ليشكلوا أول كنتون اثني لينفك عقد الوحدة الجغرافية لبقية الأقطار ...
ونسأل الله أن تكون الانطلاقة المضادة التي تفجرت في لبنان والعراق ضد الطائفية وتمزيق الوطن الواحد جغرافيا وسكان بداية إفشال حرب الطوائف التي أنهكت الأمة ومكنت للعدو من أقدس مقدساتها ...!
فوعد بلفور لم يكن مجرد رسالة من بلفور إلى روتشيلد يعده فيها بوطن قومي لليهود في فلسطيننا، ولكنها جمعت في طياتها كل المخططات الغربية واليهودية ضد وطننا، وكانت الخطوة العملية الأولى لـ: ضرب القومية بالإسلام للقضاء عليه، لأنه هو القوة الوحيدة القادرة على إجهاض كل أطماعه في وطننا، وتهديد وجوده أيضاً، من خلال تمزيق الأمة إنساناً وجغرافيا ...!