السعودية ومجلس الأمن .. وفلسطين قميص عثمان

17:01 2013-10-31

رامز مصطفى

في السابع عشر من تشرين الأول الجاري المملكة العربية السعودية عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي ولمدة سنتين. سرعان ما رفضت المملكة هذه العضوية واعتذرت عن قبولها في سابقة غير معهودة. وكان قد سبق هذه الخطوة امتناع السعودية عن إلقاء كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثامنة والستين. الخارجية السعودية بادرت إلى إصدار بيان توضح فيه الأسباب الحقيقية التي وقفت وراء اعتذارها لقبولها مقعداً غير دائم في مجلس الأمن.

وفي استعراض لبيان وزارة خارجية المملكة ثمة ما يدغدغ المشاعر والعواطف عندما تناول في عنوانه العريض «أن بقاء القضية الفلسطينية من دون حل عادل ودائم لخمسة وستين عاماً والتي نجم عنها حروب عدة هدَّدت الأمن والسلم العالميين لدليل ساطع وبرهان دافع على عجز مجلس الأمن عن أداء واجباته وتحمل مسؤولياته».

وهنا لابد من التوقف ملياً أمام البيان في الفقرة التي تتناول القضية الفلسطينية فيه «مع العلم أن هناك فقرتين أوردهما البيان في سياق الاعتذار المفاجئ». التوقف سببه أن القضية الفلسطينية بعناوينها قد مضى عليها خمسة وستون عاماً من دون حل - الحل مثلما يرى الراعي الأميركي وليس مثلما هي الحقوق التاريخية والمشروعة والثابتة للشعب الفلسطيني . لماذا اليوم تتذرع المملكة السعودية بالقضية الفلسطينية وهي التي تقدمت ومنذ أوائل ثمانينات القرن الماضي بمبادرتين بخصوص حل القضية الفلسطينية الأولى باسم الملك فهد في آب عام 1981. وأما الثانية فباسم ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز في 17 شباط عام 2002 وهو ملك السعودية اليوم. وبغض النظر عن رفضنا للمبادرتين جملةً وتفصيلا فإننا نجد أنفسنا تلقائياً نطرح سؤالاً مشروعاً وهو: لماذا لم تنتفض المملكة وتقيم الدنيا ولا تقعدها على حالة العجز والتخلي الذي يبديه المجتمع الدولي إزاء القضية الفلسطينية وقد مرّ على مبادرتيها 32 عاماً؟. والمجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص لم تُعر أي اهتمام لهما وعلى وجه التحديد مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز وقد مرّ عليها 11 عاماً والتي تحولت إلى مبادرة عربية في قمة بيروت عام 2002. على الرغم من أن المبادرة هي في الأساس أميركية في شخص الصحافي الأميركي الشهير توماس فريدمان. بالتأكيد إن كنّا قد طرحنا السؤال إلاّ أننا نعرف الجواب. ولكن من المعيب أن تبقى القضية الفلسطينية الشمّاعة التي تُعلق عليها الدول تقاعسها وتخليها وعجزها بل وممارسة الضغوط على الفلسطينيين بشتى الطرق والوسائل من أجل تقديم المزيد من التنازلات أمام كيان الاحتلال «الإسرائيلي» وعلى حساب عناوين القصية الفلسطينية. ثم يتهمون الآخرين من مجتمع دولي ومجلس أمن بالعجز والتخلي عن أداء واجباتهم وتحمل مسؤولياتهم. وإذا ما أردنا الخوض في أساليب تخلي الدول العربية ومنها السعودية إلاّ ما ندر منهم سيلزمنا مقالات بل كتب وموسوعات تدون لهذا التخلي عن القضية جهاراً نهاراً وإن ذاكرة الشعب الفلسطيني بل وشعوب أمتنا تختزن في ذاكرتها الكثير من صور الخذلان والتخاذل على مدار خمسة وستين عاماً من عمر القضية الفلسطينية.

وفي متابعة لفقرات البيان السعودي المتعلق برفض المملكة مقعد مجلس الأمن ندرك بشكل واضح السبب الحقيقي لهذا الغنج والدلع أو الغضب السياسي السعودي. حيث تتناول بقية الفقرات وفق البيان «فشل مجلس الأمن أيضاً في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل سواء بسبب عدم قدرته على إخضاع البرامج النووية في جميع دول المنطقة من دون استثناء للمراقبة والتفتيش الدولي أو الحيلولة من دون سعي أي دولة لامتلاك الأسلحة النووية لَيُعدّ دليلاً ساطعاً وبرهاناً دافعاً على عجز مجلس الأمن عن أداء واجباته وتحمل مسؤولياته».

وهنا نسأل أو نتساءل: هل المقصود بذلك كيان الاحتلال «الإسرائيلي»؟ أم وبشكل واضح الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ وليس أغلب الظن بل اليقين المقصود هنا إيران وبرنامجها النووي السلمي. ويتابع البيان فقراته بالقول وهنا بيت القصيد في تفسير هذا الغضب السعودي. «كما أن السماح للنظام الحاكم في سورية بقتل شعبه وإحراقه بالسلاح الكيماوي على مرآى ومسمع من العالم أجمع وبدون مواجهة أي عقوبات رادعة لدليل ساطع وبرهان دافع على عجز مجلس الأمن عن أداء واجباته وتحمل مسؤولياته». والواضح أن البيان محوره هاتين الفقرتين وتحديداً السوري منه ولولا بقية من ماء في وجهٍ لقال البيان أن سبب الاعتذار هو عدم إقدام الإدارة الأميركية على توجيه ضربة عسكرية إلى سورية وفرض عقوبات عليها وفق الفصل السابع.

ولا يخفى أن الموضوع الفلسطيني وحشره في بداية البيان كعنوان له هو تغطية مكشوفة لما تلاه من فقرات تتناول إيران وسورية. فإلى متى ستبقى القضية الفلسطينية قميص عثمان وشماعة تعلق عليها أنظمة أميركا والغرب عموماً عجزها وتخليها ما شجع المجتمع الدولي بدوره على التقاعس وعدم تحمل مسؤولياته. بل وحَمى كيان الاحتلال من المساءلة والمضي قدماً نحو فرض وقائعه في التهويد والاستيطان للأرض الفلسطينية. ونخلص إلى أنه إذا كانت الإدارة الأميركية قد أدارت الظهر لكل حلفائها الدوليين والإقليميين عندما تعلق الأمر بمصالحها وفق خطاب الرئيس الأميركي أوباما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة في أيلول الماضي فإن الخلاصة لبيان الخارجية السعودية محزن بكل العناوين والمعايير من خلال الاستخدام الرخيص للعنوان الفلسطيني الذي أريد له أن يكون صندوق بريد للخارجية السعودية التي لم تثأر ولو لمرة واحدة لمبادرتها العربية للسلام التي قال عنها الإرهابي شارون «إنها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به» بمعنى أن السعودية بموقعها وثقلها الإقليمي لا تساوي شيئاً لا في نظر كيان الاحتلال «الإسرائيلي» فقط بل في نظر الولايات المتحدة الأميركية أيضاً

اخر الأخبار