قيس سعيّد.. رئيس تونس الجديد

تابعنا على:   14:03 2019-10-20

فؤاد محجوب

أمد/ «ليطمئن الجميع. سأحمل الرسالة والأمانة بكل صدق وإخلاص، وسأعمل على أن يُطبق القانون على الجميع، وأولهم أنا». هذا ما خاطب به قيس سعيّد التونسيين، فور الإعلان عن نتائج انتخابات الرئاسة، قبل أن يُعبّر كذلك عن احترامه لكل الناخبين؛ سواءً الذين صوتوا له أو لم يصوتوا.

وقد حقق سعيّد فوزاً كاسحاً في الدورة الثانية لانتخابات الرئاسة التونسية، في مواجهة رجل الأعمال وقطب الإعلام، نبيل القروي، الذي لم يخرج من السجن سوى قبل أيام قليلة من الاقتراع. وقد دفع فوزه بفارق كبير القروي للاعتراف فوراً بهزيمته، والقيام بتهنئة منافسه، مؤكداً دعمه ودعم حزبه (قلب تونس) له «في كل ما فيه مصلحة البلاد»، وهو ما استشف منه أنه لن يتقدم بطعون في نتائج الانتخابات.

وأعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المشرفة على العملية الانتخابية برمتها، النتائج الأولية الرسمية (14/10)، وأشارت إلى أن قيس سعيّد حصل على 72,71 % من الأصوات، والقروي على 27,29 % من أصوات الناخبين، أيّ بفارق لا يقل عن 1,8 مليون ناخب.
«ظاهرة قيس سعيّد»!

وأثار الفوز الساحق لسعيّد (61 عاماً)، الذي بات يمثل «ظاهرة سياسية»، تساؤلات لدى كثير من المحللين والسياسيين حول أسبابه وخلفياته. وأجمع كثيرون على أنّ فوزه يُعدّ بمثابة «توبيخ حاد» للنخبة الحاكمة بمختلف تلاوينها نظراً إلى فشلها في حلّ أي من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها أغلب التونسيين خلال السنوات الماضية، وخصوصاً لجهة تحسين مستوى المعيشة، واستئصال الفساد المتراكم.

ورأى بعضهم أنّ من أهم الأسباب التي جعلت الناخبين التونسيين يفضلون سعيّد عن غيره من المترشحين، ما تميز به من نظافة اليد والبساطة والزهد والتعالي عن الصراعات الحزبية، إضافة إلى عدم تقديم مواقف حاسمة في النقاط الخلافية. وفي المقابل، قال مراقبون إن سجن القروي وإثارة ملفات متعلقة بالفساد والتهرب الضريبي ضده ساهمت إلى حدٍّ كبير في تراجع شعبيته، بعد أن كان يتقدّم على جميع منافسيه حتى شهر حزيران/ يونيو الماضي وفقاً لاستطلاعات الرأي.

ولفت المراقبون إلى أنّ ترشّح سعيّد كان سبباً في مشاركة جزء كبير من فئة الشباب في الانتخابات التي وصفها مراقبون بأنها كانت معركة بين الشباب والشيوخ، (وصلت نسبة التصويت إلى 57.8% حسب الأرقام المعلنة)؛ فالجيل الشاب بدا معوّلاً على سعيّد لتحقيق جزءٍ من أهداف «الثورة»، المتمثلة أساساً في التشغيل والنهوض بالوضع الاقتصادي، في حين تعاطف الشيوخ مع القروي، وخاصة في الأرياف والمناطق الداخلية المهمّشة التي استهدفها القروي خلال السنوات الماضية عن طريق حملات خيرية.

«تحديات بالجملة»

وبخصوص برنامج سعيّد الانتخابي، رأى كثيرون أن ثمة صعوبة كبيرة في تنفيذه على أرض الواقع، فهو يقوم على لامركزية القرار السياسي وتوزيع السلطة على الجهات، ولا يتضمن تفاصيل رؤية محدّدة لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الصدد، لم يتوانَ سعيّد عن القول إن «دوره ليس تقديم الحلول، ولكن مساعدة الشباب على عرض أفكارهم ومشاريعهم ومرافقتهم في تحقيقها»!.

وكان سعيّد أكد أنه لا يمتلك برنامجاً بالمعنى التقليدي، أي الذي «يبيع من خلاله الأوهام والأحلام الكاذبة والوعود الانتخابية الزائفة»، على حد قوله، بل إنه يقوم على أفكار وتصورات يستشير فيها التونسيين قبل تنفيذها على أرض الواقع، معتمداً ما أطلق عليه اسم «التأسيس الجديد».

وإلى ذلك، فإنّ الرئيس الجديد سيواجه تحديات بالجملة، منها ارتفاع معدل التضخم والبطالة، ولوبيات (جماعات ضغط) الفساد المنتشرة مثل الأخطبوط، وبوضع سياسي معقد، وآخر اقتصادي صعب جداً، ومطالب اجتماعية لا تتوقف، واحتجاجات في مناطق عدة، ووضع أمني معقد.

وعلى رغم فوز سعيّد بدعم الإسلاميين وبعض اليساريين على حدٍّ سواء، فإن نهجه المتشدد سياسياً والمحافظ اجتماعياً قد لا يتناغم بشكل كامل مع الفئتين. علماً أنه اختار منذ إعلان ترشّحه مغازلة الخزان الانتخابي المحافظ، بعدما أعلن معارضته لمشروع قانون المساواة في الإرث الذي اقترحه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي على البرلمان.

وقد ركّز القروي وأنصاره حملتهم الانتخابية على التقارب المعلن بين سعيّد وحركة النهضة التي أعلنت دعمها له، فضلاً عن بعض الشخصيات المعروفة بمواقفها المتطرفة داخل تونس وخارجها. ورأى هؤلاء أن سعيّد سيكون عبارة عن مرزوقي (الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي) جديد في قصر قرطاج، سيسهّل سيطرة النهضة على البلاد، كما كان الأمر خلال حكم «الترويكا».

فوز ساحق وصلاحيات محدودة؟

ولاحظ المتابعون أن سعيّد حقق فوزاً بمجموع أصوات فاق أصوات جميع الأحزاب في الانتخابات التشريعية (نحو ثلاثة ملايين صوت). ويبدو الفارق شاسعاً بالمقارنة مع عدد الأصوات التي حصل عليها حزب «النهضة»، مثلاً، والذي لا يتعدى 500 ألف صوت، وهو أكبر الأحزاب الفائزة!.

ولفت المراقبون إلى أن النظام السياسي في تونس برلماني معدل، إذ يفوّض الدستور سلطات واسعة لرئيس الحكومة التي تشكلها الأغلبية الفائزة في البرلمان، مقابل صلاحيات محدودة، لكنها مهمة، لرئيس الجمهورية. وتشمل تلك الصلاحيات حصراً مجالات الدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية، إلى جانب مشاريع القوانين التي يمكن أن يتقدم بها إلى البرلمان.

وأشار المراقبون إلى أن المخاوف التي سبقت فوز سعيّد تتمثل في افتقاره لغطاء سياسي واضح، ما قد يجعله في عزلة في القصر الرئاسي. ويسوّق سعيد لفكرة التمثيل عبر المجالس المباشرة أو «الديمقراطية الشعبية»!. وبعيداً عن الشكل المشوّه لهذه الرؤية الذي طبقه العقيد القذافي، مثلاً، في ليبيا، فهي تستعيد تجارب ماركسية قديمة، على صلة بفكرة «المجالس العمالية» التي طرحت وطبّقت في غير مكان، والتي طوّرها فيما بعد مفكر تونسي معروف، هو العفيف الأخضر، إلى فكرة «المجالسية»، أو المجالس الممثلة لمختلف الطبقات الشعبية.

لكنّ مراقبين يرون أن هذه الفكرة، التي يبدو أنها أثارت حماس الشباب الداعم لسعيّد، لا يمكن تطبيقها في ظل افتقاره لكتلة برلمانية داخل مجلس النواب، إلا إذا حازت على دعم الكتل البرلمانية الكبرى، وهو أمر مستبعد.

بجدر بالذكر هنا أنّ سعيّد ترشّح مستقلاً، ولا يملك كتلة نيابية خاصة به، وسيكون مضطراً إلى الاعتماد على حلفاء ساندوه في الدورة الثانية من الانتخابات، وعلى رأسهم إسلاميو حركة «النهضة» التي ستوكل لها مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.

كلمات دلالية