تقرير خاص

العمليات الفردية في غزة بين التأييد والرفض.. وكبتها سيؤدي إلى تفجير الأوضاع

تابعنا على:   20:01 2019-08-25

أمد/ غزة - نسرين موسى: لم يختلف الفلسطينيون فيما بينهم على ضرورات مكافحة الاحتلال، ولم يستثنوا وسيلة نضالية من خياراتهم يوماً، لكنهم اجتهدوا في بعض الحقب تفضيلاً لخيارٍ على آخر، وتعزيزاً لأداةٍ على حساب أخرى، وكان من بين هذه الأدوات الاشتباك المباشر مع المحتل، فكانت العمليات الفدائية المنظمة والمخططة، كما عملية الساحل التي قادتها دلال المغربي في نهاية سبعينات القرن الماضي، وهناك عمليات فردية أبدع فيها أصحابها.

 ولكن، في ظل ظروف قطاع غزة المعقدة، فإن للعمليات الفردية أو (الارتجالية) كما يسميها البعض، تداعيات يترتب عليها فواتير باهظة في البنية التحتية، وأضرار بالغة على مستوى الأفراد والممتلكات، فكيف ينظر المحللون والمواطنون لهذه العمليات؟ سؤال يسعى هذا التقرير إلى الإجابة عنه.

يقول المحلل السياسي د. ناصر اليافاوي لــ "أمد": "إن تلك العمليات باتت تظهر بسبب حالة غليان داخلي لدى جيل الشباب، وأصبحت عوامل الانفجار حاضرة، مثل تغول الإسرائيليين وتنكرهم المتعمد للحقوق الفلسطينية، وتسلطهم على الاقتصاد الفلسطيني، فعكس ذلك غضب كبير لدى الشباب المقاوم عدى عن التعبير العملي لعدم الرضا عن تفاهمات التهدئة التي لم تحقق أدني متطلبات الفلسطينيين، فكان تعبير الرافضين داخل الأجنحة العسكرية لإعلان رفصهم عن التفاهمات من جانب او تحريك مياهها الراكدة من جهة أخرى لتحقيق واقع أفضل نسبيا.

يضيف اليافاوي:" والعمليات الأخيرة ليست فردية بحتة، بل محاولات تقف ورائها بعض غرف عمليات في فصائل المقاومة بهدف تعزيز سيناريو" قواعد اشتباك" جديدة مع الاحتلال قد تختلف عن السيناريوهات الماضية، ونتائجها والمواقف منها من الصعب التنبؤ بها آنيا، ولكن من المحتم انها تحمل في طياتها رسائل متعددة للاحتلال في ضوء الاستعدادات الصهيونية على جبهة غزة.

يتابع اليافاوي: "توقيت تلك العمليات محرج لنتنياهو، خاصة بعد رده الفاتر على العملية الأخيرة في بيت حانون.

 جاءت في توقيت وصل به التأهب الأمني الصهيونية أعلى درجاته، إدخال الأموال القطرية ووصول العمادي إلى غزة، تزامنا مع إفراج الصهاينة عن 2 مليار شيكل للسلطة.

وعن ردود الفعل المتوقعة يقول اليافاوي: "بالطبع ستضرس غزة الحصرم، ومن المتوقع أن تقوم إسرائيل بضربات لبعض نقاط الفصائل في غزة إضافة إلى محاولة اقتناص شخصية مقاومة ميدانية، يتحقق من خلاله هدفين (انتقامي / انتخابي).

لا يوجد شيء اسمه عملية فردية

من جهته يقول د. رامي الأستاذ، أحد كوادر حركة فتح" لـ "أمد":" بتقديري لا يوجد شيء اسمه عملية فردية على الأقل هنا في قطاع غزة، لأن التحضير لأي عملية أمر مكلف لا يقوى عليه المشاركون بالشكل الفردي، فالأمر لا يتوقف على شراء سكين للطعن، أو سيارة للدهس كما في الضفة المحتلة.

يضيف الأستاذ: "هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، وهو أسلوب تلجأ إليه التنظيمات للهروب من تبعات التبني، خاصة عندما يتعلق الأمر بتدخل وسطاء لتمرير اتفاق يلزم الجميع بضبط النفس.

ويرى الأستاذ، إن بعض الحالات التي تتجه إلى الفردية تكون الامكانيات المستخدمة تتبع للفصيل الذي ينتمي إليه المنفذ بينما القرار يكون فردياً.

يختم الأستاذ: "هذا التقدير ليس عبثيا، خاصة أن قوات الضبط الميداني (الحمساوية) المنتشرة على طول شريط التماس، لديها القدرة على منع من يعتزم التسلل قبل الوصول الى مناطق التسلل.

وفرص نجاح العمليات الفردية قليلة على الأقل في قطاع غزة، وما يدفع الشباب للارتجال إما حالة عدم الرضى عن أداء قيادتهم، أو الواقع السيء الذي يعيشه القطاع، فيهرب الشباب من الموت الى الموت.

كبت هذه الطاقة سيؤدي إلى انفجار

وفي تدوينة له يرى سعيد زياد، يعمل  في سلك التعليم، أن الأسباب التي ساهمت في تعزيز العمليات تتمثل في  عدم شعور المواطنين بأن التفاهمات مع العدو ماضية في اتجاهها الصحيح، وإدراكهم أن الوقت يمضي في صالح العدو،  وأن تهدئة وتيرة المسيرات وإيقاف الوسائل الخشنة شيء غير منطقي.
إضافة الى رفع مستوى التصعيد مع العدو لفترة لا بأس بها، وتدشين مسار ثوري جديد بمعايير ساخنة جدا، من إرباك وقص سلك وغيره جعل مهمة كبت هذا الحماس المتّقد مهمة شبه مستحيلة ، خاصة وأن التيار الثوري هذا لا يمكن التحكم به بكبسة زر.
يضيف زياد: "العمليات والجرأة منقطعة النظير من هؤلاء الشباب هي نتيجة طبيعية لحالة استباحة السلك التي أيدناها وشجعناها طيلة عام من المسيرات، والأصل أن نتعامل معها كمشكلة طبيعية أو فرصة حتى وليس أزمة أو كارثة، خاصة أن ثناء بعض قادة حركة حماس والفصائل على العمليات ومنفذيها (من حيث يدرون أو لا يدرون)، ولعل أبرز هذه المواقف هو تصريح القيادي في حماس  أبو إبراهيم السنوار وثناؤه على عملية الشهيد هاني أبو صلاح.

نتمنى أن تصبح هذه العمليات منظّمة لا أن يدبر لوأدها
يختم زياد: "بناء عليه أرى أن كبت هذه الطاقة لن يخلق سوى انفجاراً، والمطلوب باختصار هو توجيه هذه الانفعالات وضبط سلوكيات الشباب بالترغيب لا الترهيب واعتبارها فرصة لا تهديد، فالقسوة لن تصلح بقدر ما ستخرّب، وعناد هؤلاء الشباب لا يمكن مجاراته، بل سيجعلنا كمن يجدع أنفه ويقطع يده. 

الوقوف في وجهها يساعد على ضمورها

ويطالب الشاب الثلاثيني خالد نضال من غزة، قيادة الفصائل أن تراجع نفسها وتنظر بعين العقل وتدرس ماذا قد تستفيد من هذه الظاهرة الوليدة، والتي قد يكون فيها الحل القادم لأزمة غزة، بدلاً من إصدار فتوى يراها الشباب جائرة ولا معنى لها ".

ويرى الشاب هيثم كريم، إن المقاومة الشعبية بطبيعتها حركة عفوية يمكن مجاراتها والتأثير عليها بل وتحريكها في الميدان بالقدر الممكن، أما الوقوف بوجهها لا يجوز ويساعد على ضمورها، وعلى العكس تماما فدعمها يساعد على تطويرها ويعمل على تطور ادواتها ووسائلها

ويتمنى أستاذ موسى الترامسي، أن تنظم هذه العمليات وتصبح من الأدوات الخشنة ويتم إدراجها في مسيرة العودة، حينها يحسب العدو ألف حساب عندما يفكر أن لا ينفذ التفاهمات.
يضيف الترامسي:" أما بالنسبة للحال الذي نحن عليها لا بد أن يكون بين فترة وأخرى تشجيعا أو شيئاً جديداَ يشعر به الشباب (( بأن شيئا قد تغير )) ،لأن الشباب يتابعون المواقع الاجتماعية التي تدعوا إلى عدم الصبر والتي هي مصدر من مصادر التي تبعث الانفجار ، ولا بد للقيادة من كلمة بين الفينة والأخرى حتى تبعث في نفوسهم شيء من الأمل .

جدير ذكره أنه صدرت عن اللجنة الشرعية في القطاع  فتوى شرعية تحرم "الجهاد الفردي" ضد إسرائيل  من دون الحصول على إذن من الفصائل.

وورد في نص الدعوى: "إنّ الخارج لقتال العدو من دون إذن سابق، وهو تابع لأحد الفصائل العسكرية العاملة، لا يجوز له الخروج للقتال من دون إذن من قيادته، لأنّه محكومٌ بقواعد السمع والطاعة للقيادةِ، ومؤتمن على السلاح الذي وفّرَه له فصيلُه، وقيادتُهُ أخبرُ منه بمصلحةِ الجهادِ، وإنّ هذه الأعمال تعمل على تعريض قيادات الفصائل للخطرِ؛ فإنّ الحكم الشرعي لذلك "لا يجوزُ للمجاهدِ شرعاً الخروجُ للقتالِ من دونِ إذنٍ من قائده، وإلا كان آثماً على تركِ واجبِ الطّاعةِ.

لا تشمل الضفة الغربية

لا تشمل تلك الفتوى الضفة المحتلة فحسب الذين اصدروها، أن لكل مكان وزمان فتوى شرعية، وفي غزّة ثمة يد مطلوقة للفصائل في ممارسة أعمالهم ضد إسرائيل، بينما في الضفة الغربية الرؤية السياسية تحارب المقاومة وهناك الفصائل محاصرة، وتبقى الأعمال الفردية مجدية أكثر.

اخر الأخبار