قصة قصيرة

نافذة غيوم وهمية...

11:37 2019-07-04

نسرين موسى

تجرك عتمة مُحيطك إلى خارجه إلى أن تصل إلى ميناء غزة البحري، هناك تجده مكدساً بالهاربين مثلك.

بائعو الذرة من الشباب في كل زاوية ينادون: ذرة مشوي بشيكل واثنين وثلاثة.

يقف والدهم وينظر إلى أبناءه الخمسة ويقول، كل اثنين " بكوز ذرة" كما نسميه في غزة، وأنا وأمكم سنشبع ونحن ننظر إليكم.

تجر قدماها وخلفها صغارها يحملون وسائد وغطاء سرير، إلى أن وصلت تلة رملية وفرشتها عليها وهي تبتسم وتقول: "بهذا نكون نجونا من مناداة البائعين علينا، ويكفينا ما جلبناه من الشاي معنا مع طنجرة الفشار".

وينشغلن بأخذ صور السيلفي وخلفيتهن مياه راكدة سوداء، يبدو أن المياه العادمة أخذت مكانها للتنزه داخلها ولم تفارقها!

 من بُعد يقف فوق حجار متكومة فوق بعضها، ويلوح بعصا السيلفي ويأخذ لنفسه عدة صور بتعابير وجه مختلفة.

حدقت في السماء حيث ينظر، شاهدت الغيوم وكأنها صممت نافذة بشكل دائري، وهو ينظر إليها بحدة!

يرى نفسه يخرج من الميناء عبر نافذة الغيوم الوهمية!

انحصر تفكيري به.

ماذا يشعر وهو يأخذ تلك الصور فوق حجارة لا معالم جمالية فيها؟ وكانت صورة واحدة تكفيه!

ماذا سيكتب على صورته حينما يضعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟

أنا فوق الحجارة المتكومة؟

 يرى في تلك الصورة مختصر حياته في غزة.

ربما تختصر ذهابه إلى الميناء وعودته وهو يرى نفس المناظر لا تتغير وحتى أماكنها ثابتة.

تختصر ملامحه في الصورة، وتعجبه من رؤية الشباب يدورون حول أنفسهم ويطوفون حول المياه الراكدة.

ربما تذكره الصورة بأن شبابه يمضي وهو في نفس المكان، لا يمتلك شيكل في جيب بنطلونه حتى يقف في مكان أجمل.

يأخذك صوت الفنان محمد عساف من بعيد وهو يصدح" عليٌ الكوفية ولولح فيها".

كنت حينما أسمع هذه الأغنية في مكان ما اسمع صدى أصوات الشباب يرددون معه، لكن الآن فالكل صامت، خاصة الشباب المتجمعين حول الدكان الذي يخرج منه الصوت.

ما بالهم لا يتفاعلون؟

لكن هل سيرقصون على ألمهم من وضعهم الذي زج بهم في هذه الميناء الملوثة؟

هل يتمنون أن يخرجون منها كما خرج عساف؟

يقطع حبل أوتارك صوته وهو يقول لفة على الحنتور بشيكل، يسرعن الفتيات وكأنهن يسابقن الزمن ويغنين بأعلى صوتهن ولا أحد ينتبه من المتراميين هنا وهناك.

يقطع عليك اندهاشك من كم فرحتهن وهن في الحنتور، الذي صُمم على مقياس ظروف غزة، صوته وهو يقول: "حرام من أين لي أن أدفع ثمن أجرة الدكان اتركوني أترزق وأدفع لكم، ذهب صوته مع أصوات كثيرة صمتت وهي تتأمل الضوء المنعكس من جامع كبير، ضوؤه ينعكس على المياه العادمة في الميناء، المكان الوحيد المضيء في غزة وقتئذ.

ربما ضوؤه يبارك المكان ويباركنا، ويمنح قوارب الصيادين المركونة البركة، وهي لا تبحر.

كل شيء يسير على البركة في هذه المدينة، كما يردد مُسِن يفترش قارعة الطريق، مناديا يوميا في ذروة الحر: جدد هويتك بشيكل.

ومعه يردد بائع الفرح، الذي يضع عربته بجوار حاوية القمامة: البالونة بشيكل!

متاهات من يوم غزي عبر نافذة غيوم وهمية......

كلمات دلالية