"الدبلوماسية الرقمية".. الساحة الأحدث في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

23:59 2019-07-01

أمد/ غزة - خاص: بذكاء شديد، لم تترك إسرائيل مساحةً أو تقنية أو مناسبة محلية كانت أو دولية، دون أن تعمل جاهدة لاستغلالها لتحسين صورتها أمام العالم، في محاولة وقحة لفرض واقع جديد من التزييف لكل ما هو حقيقي، وفي ظل هذا الواقع لم يعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي مقتصراً على أحداث ميدانية تشنها إسرائيل يومياً ضد الفلسطينيين، سواء بقتل المئات أو باعتقال العشرات أو بهدم البيوت وتهويد الأرض، بل امتد الصراع إلى ساحة أخرى من ساحات الصراع هي الأحدث بما يسمى "الدبلوماسية الرقمية".  

ولفهم أيدلوجية الإعلام الإسرائيلي في تغطية الشأن الفلسطيني، يبدو صعبًا إدراك أبعاد العمل الإعلامي الإسرائيلي دون فهم الأهداف "القومية الإسرائيلية" العامة، والتلازم الكامل بين الإعلام الإسرائيلي وتلك الأهداف.

إذ تبذل الحكومة الإسرائيلية جهودًا حثيثة على المستوى الإعلامي تحقيقًا لأهدافها السياسية، عبر الإدارات المتخصصة، لاسيما وزارة الخارجية التي تعتبر جهازًا إعلاميًّا متكامل النشاطات، بهدف الحصول على تأييد دولي عالمي فيما يتعلق بالسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

ويرى المحرِّرون في وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الهدف الأسمى وراء تجنيد وسائل الإعلام هو تجسيد مشروع "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين.

وهنا كان لابد من "دبلوماسية رقمية" تستعين بها إسرائيل لتنفيذ كل ما سبق.

فما هي الدبلوماسية الرقمية، وكيف جندتها إسرائيل لخدمة أهدافها الأمنية من وراء أهدافها الإعلامية؟  

الدبلوماسية الرقمية..

هي ببساطة امتداد للدبلوماسية بمفهومها التقليدي وتنطوي على استخدام التكنولوجيات الرقيمة، ومنصات وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي للتواصل مع الجمهور الأجنبي، وتشمل الدبلوماسية الرقمية الرهانات الدولية للمجال الرقمي، دبلوماسية التأثير، وهو الجزء الأكثر أهمية، إذ تهدف هذه الدبلوماسية إلى ترويج صورة ما، ومن ثم الدفاع عن مصالح هذه الصورة سواء كانت اقتصادية أو لغوية أو ثقافية.

وهكذا أصبحت الشبكة الاجتماعية عنصراً لا غنى عنه في هذه الدبلوماسية كمنصة من منصات التأثير المرجو من وراء ذلك.

يقول تقرير الاستراتيجية الرقمية الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث للمملكة المتحدة لعام 2017، "من خلال شبكة الانترنت يمكننا الاستماع والنشر والمشاركة...والأهم من ذلك يمكننا أيضا توسيع نطاق وصولنا والتواصل مباشرة مع المجتمع المدني والحكومات والأفراد المؤثرين. لماذا نفعل ذلك؟ لأن أولئك الذين يحملون المبادئ التي نعارضها يستخدمون الشبكة بشكل ناشط وفعال وإذا لم نمارس دورنا في المناقشة الرقمية فإننا نفقد حججنا افتراضياً ... وإن كنا لا نعمل معهم فإننا سنكون في عداد المفقودين.

جاء ذلك في مقالة بعنوان الدبلوماسية الرقمية ومكانتها في السياسة الخارجية. المصدر مركز تطوير الإعلام بير زيت

.  

إسرائيل في المركز الثامن

تعتبر إسرائيل من الدول المتقدمة في مجال الدبلوماسية الرقمية، وقد احتلت المركز الثامن عالمياً في تقرير الدبلوماسية الرقمية لعام 2016، وتفوقت على دول متقدمة مثل سويسرا وألمانيا واليابان وكندا والنمسا وإسبانيا والسويد. وتعتبر إسرائيل الفضاء الرقمي ساحة مواجهة جديدة مع الفلسطينيين، سخرت لها الملايين حتى الآن.

 يذكر أن تقريرDigital diplomacy review ، والذي يصدر سنوياً عن مركز إسطنبول للشؤون الرقمية، يستخدم لقياس أداء الدبلوماسية الرقمية لـ 210 وزارات خارجية حول العالم، وتأتي بريطانيا في المركز الأول بينما سويسرا في المركز العاشر.  

وفقاً لمصادر إعلامية إسرائيلية، "منذ عام 2015 وظفت وزارة الخارجية الإسرائيلية أكثر من 75 موظفاً ومتطوعاً و8 مستشارين في قسم الدبلوماسية الجماهيرية، إضافة إلى 30 موظف في القسم نفسه وهم منتشرون حول العالم في مكاتب التمثيل الدبلوماسي، وتشرف وزارة الخارجية الإسرائيلية عبر قسم الدبلوماسية الرقمية على أكثر من 350 قناة رقمية واجتماعية على شبكة الأنترنت، وما يقارب العشرين موقع الكترونياً باللغة العربية والعبرية والانجليزية والفارسية والروسية، هذا إلى جانب أكثر من 80 موقع تابعاً لمكاتب التمثيل الدبلوماسي حول العالم".  

وفقاً لمقالة متخصصة أصدرها مركز تطوير الإعلام بير زيت عام 2018، "فقد بلغ عدد متابعي صفحة "إسرائيل بالعربية"، التي يديرها قسم اللغة العربية في دائرة الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية حوالي 1.3 مليون متابع، غالبهم من جيل الشباب ما بين 18-24، ويعيش معظمهم في الدول العربية مثل الأردن ومصر وفلسطين".

 الدبلوماسية الرقمية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

ومن خلال مسح سريع لمحتوى الصفحات والمنصات التابعة للدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية، فإن مـن الواضـح أنها تهدف بالأساس إلى تحسين صـورة إسرائيل خصوصـاً أمـام الجمهور العربـي، بدليل أن الكثيـر مـن المحتوى ذو طابع إنساني وثقافي وفني.

ويقــول الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية للمجتمع العربي حســن كعبيــة: "هدفنـا هـو عـرض صـورة إسـرائيل الحقيقية، حتـى لـو كان الواقـع أحيانـاً صعبـاً وليـس لطيفـاً، مثلاً عندما تمــت محاكمة رئيـس إسرائيلي وسـجن بتهمـة الاغتصاب، وسـجن رئيـس حكومـة إسـرائيلي آخـر بتهمـة تلقي رشـوة، نشـرنا أخبـاراً عـن تلـك الأحداث، وكانـت التعليقـات مفاجئـة إذ أعجـب الكثيـر مـن النـاس بالديمقراطية في إسـرائيل، وعبـروا عـن احترامهـم لنـا”.

ويضيـف كعبيـة، أنـه الآن يمكن الوصـول إلـى كل مواطـن بفضـل التكنولوجيـا الرقميـة، ومــن الواضــح أن عــدداً مــن تلــك الصفحات التابعــة للدبلوماســية الرقميــة الإسرائيلية تلقــى رواجـاً بـين الكثيـر مـن الجمهور الـذي يتابـع صفحات ممثلـي إسـرائيل ويقـدر عددهـم بالملايين.   

هذا وتسـتحق تجربة إسـرائيل في مجـال الدبلوماسـية الرقميـة التوقـف عندهـا ودراسـتها بعمــق، كونها تعمــل وفــق رؤيــة واضحة وخطة استراتيجية ذات أهــداف محـددة، وتسـتخدم كل وســائل التكنولوجيــا الحديثة بشكل احترافي.

ومن أمثلة هذه الصفحات صفحة ما يعرف بـ (المنسق)، الذي جاء انتشار الترويج لصفحته متزامنًا مع حصول دولة فلسطين على عضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، وتغير مسماها من سلطة وطنية إلى دولة، فقد عمل، وما زال، على تقويض مفهومي "الدولة" و"السلطة الوطنية"، لصالح ما يعرف بـ(المنسق)، الذي يعمد إلى خلق علاقات افتراضية مع الفلسطينيين تتحول إلى علاقات حقيقية على أرض الواقع عبر طلب تقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية وغيرها، التي تهدف إلى تجاوز دور دولة فلسطين ومؤسساتها.

كما وينشر منسق أعمال حكومة الاحتلال في الضفة وغزة فيديوهات وصور مع تعليقات باللغة العربية، يستدل بها على ما يقول إنها "أخلاق جيش إسرائيل"، أو "التسهيلات" التي تمنحها إسرائيل للفلسطينيين.

يذكر أن صفحة المنسق هي صفحة إسرائيلية أُطلقت في مارس 2016 تعرف عن نفسها بالقول: "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق".

بالإضافة إلى صفحة المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي "أفيخاي أدرعي"، التي تهدف إلى اختراق الرأي العام الفلسطيني والعربي، والتأثير في معتقداته وقيمه لإحداث حوار حول قضايا كانت قبل وجود هذا النوع من النشاطات الدبلوماسية أمورًا لا مجال لنقاشها، في محاولة لكي الوعي الفلسطيني حول "الدور الإنساني" لجيش الاحتلال.  

كما، أنه لم يعد غريبًا أن تشاهد أدرعي، يقرأ آيات من القرآن محاولًا الاستدلال بها على خطأ مقاومة الاحتلال، بل إن هذا النشاط باللغة العربية على مواقع التواصل تجاوز شخصيات رسمية إلى أخرى أكاديمية وإعلامية، ولقي تفاعلاً عربيًا.

وحتى لحظة نشر هذا التقرير، يتابع صفحة أفخاي أدرعي بالعربية على "فيسبوك" ‏أكثر من 1,367,577 شخص، فيما يتابع صفحة المنسق ‏558,111 شخص.

الدبلوماسية الرقمية فلسطينيًا:

لا تبـدو الدبلوماسـية الفلســطينية، بما فيهـا الدبلوماسـية الرقميـة، في أحســن أحوالهــا، ولا يمكـن مقارنـة الحالة الفلسـطينية مـع دول كبيـرة مسـتقرة وقويـة اقتصاديــاً وتكنولوجيــاً، بسبب السـياق العـام للقضيـة الفلسـطينية والتحديـات التـي يفرضهـا وجـود الاحتلال بالإضافة إلى كون السلطة، حتى الآن، في طــور بنــاء مؤسســات الدولــة، والنتيجة أن تحتل فلســطين المركز ال 72 عالمياً وهو مركز متأخــر وفقاً لمقياس أداء سـلم الدبلوماسـية الرقمية.

هـذا ما أكده الباحـث المتخصص في العالم الرقمـي عمـار جمهـور، حيـث اعتبـر أن الدبلوماسـية الرقميـة في العمـل الدبلوماسـي الفلسـطيني لـم تتبلـور بصورتهـا الأولى حتـى الآن، مضيفاً: "كثيـر مـن الدبلوماسيين الفلسطينيين لا يعرفـون الدبلوماسـية الرقميـة، ولا أهميتهـا ولا حتى مغزاهـا ومرادهــا الحقيقي".

كما ومـن الواضـح أنـه لا توجـد استراتيجية محـددة لـدى الدبلوماسـية الفلسـطينية حـول الدبلوماسـية الرقميـة، حيــث تبــين أنــه لا توجـد أصـلاً دائــرة أو قســم في وزارة الخارجية الفلســطينية يحمــل اســم "الدبلوماســية الرقميــة"، بصــرف النظــر عــن وجــود دائــرة إعلامية ولديهــا أنشــطة في مجــال العالم الجديد.

وفي مقارنة قام بها موقع "ألترا فلسطين" في 2018 حول الصفحات الرسمية الفلسطينية ومثيلاتها الإسرائيلية الناطقة بالعربية، يتضح وجود فرق كبير في مستوى الحضور الفلسطيني، وضعفٍ في المحتوى المقدّم إذ أظهر البحث غياب أشكال المحتوى الرقمي الحديث كمقاطع الفيديو أو الانفوجرافيك، إلى جانب غياب الإحصائيات عن الخسائر الفلسطينية الناتجة عن الصراع مع الاحتلال.

وتضم كل وزارة إسرائيلية قسمًا للدبلوماسية الرقمية، كما يملك معظم السياسيين والوزراء حسابات بأكثر من لغة على أكثر من منصة، أما فلسطينيًا فإن بعض المسؤولين لا يملكون حسابات فعالة، وآخرون يستخدمون مواقع التواصل بصفة شخصية، بما لا يؤسس لبناء منظومة مهنية ذات استراتيجية محددة.

يقول جمهور، أن هذه الدائرة "تنظم حملات وتنشر باستمرار تغريدات وتدوينات عن إسرائيل"، مؤكداً وجود "موازنات ضخمة تصرفها إسرائيل للتغريد والانتشار عبر وسائل التواصل العالمية".

محاولات فلسطينية فردية

ورغم التفوق الإسرائيلي في هذا المجال، تظهر محاولات ناجحة من قبل أفراد فلسطينيين، يسعون لتفنيد الدعاية الإسرائيلية، وكشف جرائم الاحتلال الإسرائيلي، متوجهين بخطابهم للرأي العام الغربي.

ومن هذه النماذج الفلسطينية عيسى عمرو، من مدينة الخليل، رئيس جمعية شباب ضد الاستيطان، ومنال التميمي، من قرية النبي صالح شمال رام الله، عضو اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار بالإضافة إلى الطفلة الفلسطينية جنى التميمي (11 عاماً) من قرية النبي صالح، التي قال تقرير لوزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، إنها تشكل خطراً استراتيجياً على إسرائيل كونها تعمل على توثيق الاعتداءات الإسرائيلية على قريتها، ونشرها، عبر صفحتها على موقع تويتر، حيث يتابعها مئات الآلاف.

وتحظى التقارير المصورة التي تنشرها جنى بمشاهدات تزيد على 20 ألف مشاهدة للمقطع الواحد.

ومن النماذج الناجحة كذلك، الفتاة مرح بكر، من مدينة غزة، التي تم تصنيفها من قبل مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، أنها من أكثر الأشخاص تأثيرًا في العالم لعام 2014 إذ تعمل بكر على توثيق الأحداث والجرائم الإسرائيلية، ونشرها على موقع "تويتر"، باللغة الإنجليزية.     

"اهبد".. الحملة الأحدث فلسطينياً

أما الحملة الأحدث فلسطينياً فهي حملة "اهبد"، التي أطلقها الناشط أحمد جودة من غزة، بصحبة مجموعة من الشبان، بهدف فضح الرواية الإسرائيلية أينما كانت، والتي لاقت رواجاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتتلخص هذه الحملة في ملاحقة المنشورات والتغريدات، التي تخدم رواية الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، على مواقع التواصل الاجتماعي فيقوم الشبان بالانهيال بآلاف التعليقات على تلك المنشورات بلغات مختلفة مدعومة بروابط وصور للجرائم الإسرائيلية التي تحدث بحق الفلسطينيين، على حد قول أحد نشطاء الحملة حسن الداوودي الذي يعمل باحثاً في الدبلوماسية الرقمية.

وحول إنجازات هذه الحملة يوضح الداوودي، أن الحملة جاءت بشكل عفوي، بعد أن أجبر هؤلاء النشطاء من خلال عشرات آلاف التعليقات المكثفة قناة ناشونال جيوغرافيك أبو ظبي على حذف منشور تحدث عن صحراء فلسطينية بالخليل باسمها الإسرائيلي "صحراء جوديان" بدلاً من صحراء "عين جدي"، فما كان من القناة سوى إعادة نشر محتوى جديد بالاسم الفلسطيني الصحيح للصحراء.

ومن إنجازات هذا الجيش الإلكتروني يقول جودة في ذكرى النكبة 15 مايو: "في ثلاث ساعات وصل نشاطنا إلى أكثر من 21 ألف تغريدة على "تويتر" عن تمسكنا بحق العودة، نخوض معركة دبلوماسية شرسة مع الاحتلال وانتهاكاته"، بالإضافة إلى ما حدث يوم 12 مايو حين اضطر الرئيس الأمريكي ترامب لحذف منشورين بعد الهجوم الكاسح الذي تعرض له المنشور من قبل الشبان الفلسطينيين، ويقول ترامب على صفحته عبر تويتر "هجوم كبير على الديمقراطيين والمحافظين من السوشيال ميديا وهذا ليس بالجيد!

يشار إلى أن المصطلح "اهبد" يعني "فضح الكذب"، وقد قام الشبان بتدويل الحملة إذ ضمنوا التعليقات الوشم #اهبد194، لربطه بالقرار الأممي رقم 194 المتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لديارهم التي شردوا منها عام 1948، إلى جانب أنه رقم عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة.

 

اخر الأخبار