مخيمات الشتات وفلسطيني سوريا

تابعنا على:   00:12 2013-10-05

عباس الجمعة

خمسة وستون عاماً مضت بالكمال والتمام على نكبة الشعب الفلسطيني الأولى، كل سنة من هذه السنوات كانت سجلاً حافلاً بالمعاناة والألم، ألم التشرد والحرمان، وألم الاغتراب عن الوطن والتشتت في أصقاع الكون.

ان ما تعرض له الشعب الفلسطيني عام 1948م من نكبة لم يكن مجرد حدث عابر، لقد كان مأساة حقيقية لا تزال نتائجها ومراراتها مستمرة رغم مرور كل هذه السنوات ، اقتلاع من الوطن، وتشريد في أصقاع العالم، بينما تتقلص مساحات الأمل بالعودة يوماً بعد يوم، عبر بوابة الحل السياسي.

ورغم صدور أكثر من خمسين قراراً عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، تنصعلى حق "العودة" للاجئين الفلسطينيين، ومن أبرزها القرارالاممي 194 ، والذي نص صراحة على عودة اللاجئين في أقرب وقت ممكن إلى ديـارهم، إلا أن بقي هذا القرار حبر على ورق، بينما يجري اليوم نسج مقايضات تدعو إلى استبدال حق العودة اي عودة بعض الالاف من العائلات الى الضفة وغزة او توطين البعض الاخر في أماكن الوجود في الشتات او في سيناء، او اخراج آلاف العائلات الى دول اوروبية ، او نقلهم الى بعض دول عربية أو البحث عن صيغ للعودة لا تستجيب لحق العودة للاجئين الى ديارهم التي هجروا منها.

ليست هناك علامات خاصة تميز المخيمات الفلسطينية في سوريا عن سواها من الأحياء السكنية الشعبية التي تقطنها الشرائح السورية الفقيرة والمتوسطة، وهذا الأمر ينطبق على عموم هذه المخيمات، سواء كانت تلك القائمة على أطراف العاصمة دمشق، أو نظيرتها المتناثرة في بعض المحافظات السورية الأخرى؛ كـحلب ودرعا واللاذقية وغيرها.

ولولا بعض التفاصيل الصغيرة شديدة الخصوصية التي طبعت المخيمات حتى أواخر الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي بطابعها، كملصق للفصائل الفلسطينية هنا، أو صورة شهيد فلسطيني هناك، تمييز المخيم الفلسطيني عما سواه من الأحياء السكنية أمراً في غاية الصعوبة، ولم يشعر الفلسطيني بأي نوع من التمييز في سوريا .

وقد انخرطت المخيمات الفلسطينية في سوريا في العمل الوطني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في العام 1965م، وقدمت طوال فترة الكفاح المسلَّح أكثر من اثنى عشر ألف شهيد وجريح، كما مخيمات لبنان التي اسهمت في المشاركة الفعلية والعملية بانطلاقة الثورة الفلسطينية وقدمت عشرات الاف من الشهداء على مذابح الحرية والاستقلال والعودة .

ومع تبدُّد أحلام التحرير السريع للأراضي الفلسطينية المحتلة، وعجز العرب بعد مرور عدة سنوات على النكبة عن القيام بأية خطوات عملية فعالة تجاه عودة اللاجئين؛ صدر في سوريا بتاريخ 10/7/1956م القانون رقم (260)، الذي ساوى كليا بين العرب السوريين والفلسطينيين من حيث الحقوق والواجبات، إذ نص صراحة على أن "الفلسطينيين" المقيمين في أراضي الجمهورية العربية السورية كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة والتعليم وخدمة العلم، مع تمايز وحيد وهو احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية حفاظاً على حقوقهم المستقبلية في عودتهم إلى أرضهم المحررة كان من المفترض أن تكون وجهتهم النهائية إلى قراهم ومدنهم التي طردوا منها على أيدي العصابات الصهيونية إبان نكبة فلسطين عام 48، إلى عكا وحيفا ولوبية والدامون وسعسع وطبريا والجاعونة وسهل الحولة وغيرها.

واليوم تمر حالة قاسية ومؤلمة على الحالة الفلسطينية في سوريا خلال الأيام الماضية، بسبب الأزمة الداخلية في سوريا وفي محيط دمشق على وجه التحديد في مخيم اليرموك، والحيرة والارتباك التي تسود الموقف الفصائلي الفلسطيني، وسوء إدارة الأمور من قبل تلك القوى، وبتفاوت ملحوظ بين فصائلها.

لقد احتضن مخيم اليرموك في بداية الازمة السورية أعداد كبيرة جداً من المواطنين من الإخوة السوريين في المناطق المحيطة به، بما في ذلك تشكيلهم للجان الإغاثة لتقديم العون والمساعدات وتأمين السكن والماء والغذاء والكساء لآلاف المواطنين الذين دخلوا مخيم اليرموك.

ولكن بعد اقتحام مخيم اليرموك من قبل عناصر لا تمت بالصلة الى فلسطين يحاصر مخيم اليرموك، ولم يستطع المواطن الخروج من المخيم لأخذ العلاج وخاصة ان ابناء مخيم اليرموك يدفعون اليوم ثمنا باهظا بعد ان تم تهجير اغلبية سكان المخيم وتدمير احياء ونهب منازل من قبل عصابات السطو المحتلة للمخيم ، بينما يقف الباقي صامدا مدافعا عن منزله رافضا التهجير او النزوح ، اضافة الى المخيمات الاخرى خان الشيح و خان دنون و مخيم درعا الطوارئ والست زينب وسبينه وعين التل" حندرات " التي تعرضت ايضا للتدمير والتهجير وما زال صامدا فيها سوى الاقلية.

ان زج المخيمات الفلسطينية في أتون الصراع الدائر في سوريا ، والتي ادى الى قتل وتدمير البيوت وحرقها، حيث تسيل دماء الفلسطينيين لتعلن أن الدم واحد والمصير واحد، وتذرف الدموع على أبناء قضوا نحبهم في خضم أتون صراع كانوا يتمنون أن يكون بوصلته تحرير فلسطين.

إن محاولة بعض الأطراف الفلسطينية ( بغض النظر عن مصالح الأطراف السورية المختلفة في أزمة المخيم ) إدارة الأزمة على قاعدة احتوائها , وليس على قاعدة حلها , يقدم مفارقة حادة كالسكين تقطع عميقاً في لحمة الحالة الشعبية الفلسطينية مما يفاقم من معاناتها المختلفة والتي تقف في مقدمتها مشكلة النزوح من المخيمات والتي تشكل أحدى أبرز مظاهر أزمة النزوح وتنتج أزمات أخرى تعمق الطابع المعقد والمركب لأزمة المخيم.

إن استمرار الغرق في التباسات الفهم والمعنى في صيغة الحل والذي جرى التوصل له مع أطراف الأزمة ودون تنفيذ فعلي باعتبار مخيم اليرموك منطقة آمنة بانسحاب كل المظاهر المسلحة منه يعني استمرار معاناة عشرات الآلاف ممن هجروا منه ويقاسون التشرد والجوع والبرد وينزحون تحت ظروف إنسانية ومناخية صعبة وقاسية للغاية داخل القطر الشقيق , أم في دول الجوار .

إن قول الحقيقة وعدم السكوت عنها , لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس , وحتى لا يقع في أسر اغتيال الواقع والوقائع , ينبغي أن يلحظ تراكم حالة الاستياء المشروع عند الحالة الشعبية الفلسطينية ( من الفصائل ) بسبب عجزها الفاضح عن القيام بدورها المناط بها كقيادة سياسية للشعب الفلسطيني , خاصةً بعد تراكم تداعيات الأزمة السورية على الحالة الفلسطينية , واستمرار جدول الحلول العبثية بها , بما يعني إطالة عمر الأزمة الراهنة , وهنا ليس غريباً أن تصل الأزمة إلى هذا الحد .

ولهذا نرى انه لم يثبت عبر التاريخ أن الإرهاب كان له هدف سياسي قابل للتحقيق سوى هدف القتل والتدمير وترويع الآمنين يعبر بالمحصلة عن خواء فكري، وغياب للوعي وامتلاء بالتطرف والغلو، ولذلك فإن كل ما يشاهد الآن على أرض سوريا من اعمال إرهابية متطرفة تكفيرية تقود حملات ممنهجة لتدمير سوريا ومخيماتها وإبادة الحياة بكل مفرداتها وتنوعها وفسيفسائها، يدل على مدى غياب المستوى الفكري والوعي لدى هذه القوى التكفيرية.

وللأسف وعلى الرغم من كل هذا التدني والانحطاط الأخلاقي فيما ترتكبه هذه المجموعات التي تحتل مخيم اليرموك ومخيمات الشعب الفلسطيني في سوريا من أعمال تتنافى مع أبسط القيم والمبادئ الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني في مخيمات سوريا او بحق الشعب السوري بدعم من قوى دولية وإقليمية دائما ما تتشدق بانتصارها لحقوق الإنسان ومحاربتها للإرهاب وإدانتها ترويع الآمنين.

ومن هنا دقّت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان النفير، استعداداً لاستقبال العائلات من اللاجئين الفلسطينيين النازحين، وفتحت ابواب منازلها، وكذلك الفصائل الفلسطينية والمؤسسات الأهلية المتخصصة، تبعثرت العائلات النازحة وانتشرت في جميع الأراضي اللبنانية من مخيمات ومدن ومناطق ليستقر تعداد اللاجئين النازحين إلى نحو خمسة واربعون الف نسمة في تعداد غير رسمي، لتواجه العائلات فوضى التعاطي مع النازحين، وبشكل رئيسي وكالة الأونروا، فالتاريخ سيسجل صفحة قاتمة من صفحات تعاطيها مع اللاجئين الفلسطينيين، باقتصار تقديم خدماتها على الإحصاء وتوفير الطبابة الأولية مجاناً والتعليم في حال استمرار الأزمة، مع العلم بأن الوكالة ملتزمة تقديم خدمات الإغاثة للاجئين الفلسطينيين منذ تأسيسها عام 1949، مع إيلاء أهمية استثنائية في حالات الطوارئ والكوارث، والمثير للتساؤل أن الأونروا نفسها لم تصدر أي بيان أو تقدم تفسيراً أو توضيحاً عن سبب التأخر في تقديم الخدمات، رغم المناشدات التي أطلقها النازحون والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ولجان شعبية وأهلية. وفي الوقت الذي بادرت فيه المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إلى توفير الحماية واحتضان النازحين من السوريين وتقديم المساعدات العاجلة، لا يزال وضع "الأونروا" الأمر الذي أدى إلى حالة استياء وانتقاد قاسٍ للوكالة على لسان مختلف القوى السياسية والعمل الأهلي والشعبي في لبنان، فضلاً عن النازحين أنفسهم، مطالبين الوكالة بتقديم كل ما يلزم للنازحين من المساعدة الطارئة من الخدمات التي تشمل الأغطية والغذاء والملابس ومواد التنظيف وأدوات الطبخ، إلى جانب المساعدات المالية الطارئة ودفع بدل إيجار للعائلات التي اضطرت لاستئجار المنازل، فضلاً عن مساعدة العائلات التي تستضيف عائلات أخرى نازحة، بالإضافة إلى ضرورة تقديم برامج الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات المهجرة وخاصة الأطفال، وإيلاء الحوامل وحديثي الولادة وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة أهمية استثنائية، إضافة إلى ضرورة إعداد كشف طبي خاص لجميع العائلات والاستعداد لفتح أبواب المدارس لأطفال النازحين في حال استمرار الأزمة.

 

لا يزال الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء في لبنان يعاني الأمرين، إن كان على صعيد صعيد الحقوق المدنية والانسانية المحروم منها، أو كان على صعيد الوضع الاجتماعي من حيث المعيشة والسكن والبنى التحتية والخدمات المقدمة من الدولة اللبنانية المضيفة، رغم ما تعرض له الشعب الفلسطيني منذ النكبة وخاصة المجازر والتدمير للمخيمات ومحو وجود بعضها مثل مخيم النبطية و تل الزعتر على ايدي الاحتلال الصهيوني القوى الانعزالية وارتكاب افظع المجازر بحق الشعب الفلسطيني عقب اجتياح للعاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 وخاصة في مخيمي صبرا وشاتيلا ونادي الحولة ومجمع النجدة الاجتماعية في مخيم برج الشمالي ولا زال الشعب الفلسطيني يعاني من القوانين التي تمنعهم من العمل في عشرات الوظائف، غير استبعادهم من العديد من حقوق التأمين والضمان الاجتماعي، ولم تكن المجازرهي البداية ولم تكن النهاية، ونستذكر هنا بشكل خاص حالة التضامن الشعبي اللبناني- الفلسطيني في مختلف مراحل مسيرة النضال الفلسطيني من أجل نيل حقوقه وتحرره من الاحتلال، والذي بلغ الذروة في امتزاج الدم اللبناني والفلسطيني في مواجهة العدوان والاحتلال الصهيوني الغاشم للأرض اللبنانية، وكذلك لم ننسى بما تشكله المقاومة في لبنان من حالة دعم واسناد لفلسطين وما انتصار تموز الا دليلا على انتصار ارادة المقاومة في لبنان وفلسطين .

نحن على ثقة بان الشعب اللبناني الشقيق إنما يعبر عن أصالة انتمائه لأمته من خلال الوقوف الى جانب شعب فلسطين ودعم نضاله العادل ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم حتى نيل والحرية والاستقلال والعودة ، وما يعانية الشعب الفلسطيني يختزله التاريخ العربي ، وهنا السؤال هل فقدت الأنظمة العربية كل مقوماتها حتى تتخلى عن قضية فلسطين .

اننا نتسأل اين الانروا مما يعانيه اهل مخيم نهر البارد وخاصة ان سياسة التقليص التي تتبعها الانروا في لبنان تؤكد ان تساهم في تشريد الشعب الفلسطيني وهذا يتطلب اطلاق واستمرار الصراخة للعودة من اجل استمرار خطة الطوارىء الشاملة حتى عودة كل ابناء المخيم الى منازلهم ..

ان اللاجئين في مخيمات لبنان يتعرضون للكثير من الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ومما لا شك فيه أن القاسم المشترك بين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات هو البؤس والشقاء ، ولكن الفلسطيني بقي في لبنان داعما لمسيرة للسلم الأهلي وعدم التدخل بشؤونه الداخلية وحرصه على العلاقات الاخوية اللبنانية الفلسطينية والتمسك بحق عودته الى دياره ورفض التوطين والتهجير .

هذه الأوضاع وسواها مما يعانيه سكان المخيمات في الشتات، تعكس بعض المعاناة التي يعيشها اللاجئون على مدى ستة عقود، وهو ما يفرض إعادة النظر والعمل على تخفيف معاناة هؤلاء اللاجئين دون الإضرار بقضيتهم الوطنية وحقهم في العودة الى ديارهم ، وهي معادلة دقيقة لا يجوز مقاربتها دون ضبط للحسابات، فالمطلوب التخفيف من المعاناة وتعزيز الصمود، وليس تذويب الهوية وتنفيذ أجندات ذات ارتباط بمشاريع معادية، بحسب ما ترغب السياسة الأمريكية والصهيونية، وهذا يقتضي:

وامام كل ذلك نرى ما تعرض له اللاجئون الفلسطينيون في العراق ولم تنته آثاره حتى هذه اللحظة وهو ينذر بخطر يتهدد ما تبقى، فهنالك إرهاصات ومؤشرات ودلالات واضحة لكل من ينظر للقضية من عدة زوايا لاسيما وعجلة الأحداث تدور والرقعة تزداد وتكبر شيئا فشيئا، والمشهد اليومي ذاته بمعزل عن أصل ونقطة تمركز الوجود الفلسطيني مع تحسن عام ونسبي في النواحي الاقتصادية والأمنية وغيرها في العراق .

ان غياب متابعة وضع اللاجئين الفلسطينيين في العراق من الجهات الرسمية في منظمة التحرير الفلسطينية، فالوجود الفلسطيني على الحدود العراقية السورية في مخيم الوليد أو مخيم التنف لم يُحرج أحداً ولم يؤدِّ إلى الضغط على صانعي القرار لاتخاذ إجراءات لحل هذه الأزمة، فالمخيمات لا تزال موجودة ولا نجد حراكاً إعلامياً في حد أدنى يُظهر ما يجري بحق الشعب الفلسطيني في العراق، قد نجد تقريراً هنا وخبراً هناك، إلا أننا لا نجد المتابعة الحقيقة المنهجية التي تؤدي إلى إحراج صانعي القرار لإيجاد حل جذري لمشكلة اللاجئين العالقين على الحدود في الصحراء أو حتى من هم وسط النار في بغداد.

ولهذا نرى ضرورة العمل من اجل :

أولاً: عدم إلغاء المخيمات بوصفها شاهداً على اللجوء، ولكن ليس إدامة المعاناة وتعقيد حياة اللاجئين.

ثانياً: تعزيز الهوية الوطنية للاجئين، وإسناد مطالباتهم بحق العودة، وتعزيز صمودهم وإصرارهم على تحدي إرادة الاحتلال ومشاريعه العنصرية.

ثالثاً: إيجاد صيغ من العمل المجتمعي والسياسي داخل تجمعات اللاجئين، وبما لا يتعارض مع سيادة ومصالح الدول العربية المضيفة، وتسمح بجعل قضية الشتات الفلسطيني حاضرة وفاعلة وقادرة على التعبئة والعمل من أجل فرض حق العودة.

ختاما نقول : لا بد ان ينسجم العقل والمنطق بمقتضيات النزاهة الفكرية والأخلاقية الواجبة التي يجب أن تعلو فوق كل إعتبار.

كاتب سياسي

اخر الأخبار