زمن القضايا الوهمية في غزة ".. شو رماك ع المر !"

14:30 2019-06-26

أمد/ غزة - ليلى رشيد: لم تترك الظروف الاقتصادية المأساوية في أقل تعبير يمكن أن يحيط بتفاصيلها، للمواطن المسحوق في غزة خيارات كثيرة أمام التعامل معها، وكون الموظف هو الحلقة الأضعف في المنظومة الاقتصادية، كان لابد من حيل يلجأ لها كثير من الموظفين في قطاع غزة، من أجل الالتفاف على الواقع المادي الذي يعيشه سكان قطاع غزة منذ 12 عاماً، هي سنوات الحصار والانقسام.

وكون الموظف سواءً في "حكومة غزة" أو في "حكومة رام الله" سواسية في المعاناة، حيث تدني قيمة الراتب في "حكومة غزة"، والذي يصل إلى 40% من قيمة الراتب يحصل عليها الموظف كل 45 يوم، أو حيث الخصومات التي طالت رواتب موظفي السلطة من "حكومة رام الله" منذ مارس 2017، وبالتالي كان لابد من حيلة تكفل لهذا الموظف، "ربما" حياة تغنيه ذل السؤال وهنا تبدأ الحكاية.

من هذه الحيل "قضايا وهمية" يقمن زوجات الموظفين برفعها ودياً ضد الأزواج في المحاكم الشرعية، كالنفقة أو ما يسمى "عفش البيت" بهدف تحصيل ما يمكن تحصيله من الراتب، اعتماداً على حقيقة أن هذه الحقوق المالية للزوجة تعد "ديوناً ممتازة"، أي لها الأولوية في السداد، وبالتالي يضمن الزوج عبر هذه القضايا، أن يحصل على القدر الأكبر من قيمة الراتب المودع في حسابه لدى البنك. 

وكقضايا ذات خصومة "وهمية"، لا تستطيع المحكمة الشرعية في غزة التمييز فيها، أو التحقق من مدى صحتها طالما أنها مكتملة الأركان، إلا أنها، وحيث أنها بازدياد مضطر مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، أضحت مؤخراً محل استياء على المستوى الرسمي في "حكومة غزة".

حالات ونوعية القضايا

وتتباين القضايا "المزعومة" في هذا الإطار، ما بين نفقة زوجة ونفقة أطفال و"عفش بيت" مسجل في عقد الزواج، وقد امتد هذا النوع من الالتفاف القانوني القضائي إلى حالات، ليست بالكثيرة، من الطلاق الوهمي من أجل الاستفادة مما يسمى "بشيك الشؤون الاجتماعية"!

أم حسن (47 عاماً)، ربة بيت تعيش في منزل بالإيجار، حصلت على "طلاق ودي" تم بينها وبين زوجها، من أجل الحصول على شيك مخصصات الشؤون الاجتماعية، قالت لـ "أمد للإعلام"، "نعم تم الأمر قبل 4 سنوات كوننا نعيش وضعاً مالياً مزرياً، فبيت الإيجار وزوج مريض وأربعة أطفال واقع اضطرنا لمحاولة التحايل وقد نجحت هذه المحاولة...".

وتضيف مبتسمة: "عدت مرة أخرى إلى ذمة زوجي بعد فترة قصيرة، وقد كلفنا الأمر ما يقارب 600 شيكل كرسوم طلاق، وعقد زواج جديد".

وبعد تواصل "أمد للإعلام"، مع المحكمة الشرعية في غزة، تبين أن ما حدث مع "أم حسن" قد انتهى، بعد أن انتبهت المحكمة لهذا النوع من القضايا، وحالياً "لا تحصل المطلقة على شيك مخصصات الشؤون إلا بعد انقضاء مدة العدة (3 شهور)، بالإضافة إلى شرط آخر، بأن يكون الطلاق قد تم مقابل الإبراء العام، أي عدم حصول المطلقة على أي من حقوقها الشرعية المالية (عفش بيت أو مؤخر صداق).

وتعلق مصادر مطلعة في المحكمة الشرعية لـ "أمد للإعلام" بالقول، "يقع هذا النوع من الطلاق، ولكن تحسب طلقة وتسجل في المحكمة الشرعية".

الثلاثينية ربا سالم (اسم مستعار) تحدثت هي الأخرى لـ "أمد"، عما قامت به للتحايل على الظروف الصعبة، التي تعيشها أسرتها كون زوجها موظف "حكومة رام الله"، ولديه طليقة تحصل شهرياً على قيمة ربع راتب الزوج فقالت، "زوجي موظف في حكومة رام الله، وبعد الخصومات التي طالت رواتب هذه الفئة، فكرنا أنا وزوجي في حيلة للحصول على أكبر قدر من الراتب المحول من البنك".

وتضيف: "كون طليقته تحصل على قسط قدره ربع الراتب (150 دينار أردني)، بعد أن طلقها طلاق المقتدر عبر المحكمة، وبعد الخصومات الأخيرة على الراتب لم يعد يتبق هناك أصلاً راتب، وهنا فعلنا كما يفعل الكثيرون من الموظفين في غزة، وقمت برفع نفقة ضد زوجي كي أتقاسم ربع الراتب المخصوم مع طليقة زوجي".

"لكن للأسف لم تأت الرياح كما تشتهي السفن، إذ توجهت طليقة زوجي للقاضي، وأثبتت له بأن قضيتي ضد زوجي "كيدية" للحصول على ما يمكن الحصول عليه من راتب ... تم رفض الدعوى المقدمة من طرفي"، وفقاً لحديثها.

وتختم شكواها بالقول: "وضعنا المادي صعب جداً ولا يعد هنا الاستسلام خياراً فقد توجهت بقصتي إلى أحد المحامين، والذي بدوره نصحني برفع دعوى "عفش بيت" بشكل رسمي، حيث لا يمكن للقاضي أو غيره أن يوقف أو يبطل هذا النوع من القضايا، حتى وإن كنت في بيت الزوجية، فرفعت قضية وحصلت على حكم في محكمة غزة، وبدأت بمخاطبة البنك ليبدأ بخصم لصالحي".  

وفي هذه الحالة يصبح ربع الراتب هو حق مشترك بين هذه الحالة وطليقة الزوج، وهنا يصبح بإمكان هذه الزوجة الحصول على مبلغ ضمن معدل ربع راتب الزوج.

وتؤكد المصادر لـ "أمد للإعلام"، بأن "هذه الحالات كثيرة، وحتى وإن تم كشفها، لكن المحكمة الشرعية لا تستطيع الحد منها، كون المحكمة لا تستطيع التحري عن كل زوجة تقوم برفع قضية ضد الزوج، فيما إن كانت القضية جدية أم "التفافية".

ولم يكن أبو محمد (37 عاماً) موظف حكومة رام الله هو الآخر بأفضل حال إذ يقول: "تم إحالتي للتقاعد المبكر في موجة التقاعد الأخيرة، التي طالت موظفي السلطة في غزة، فكان الحل أن طلبت من زوجتي أن ترفع دعوى وهمية كنفقة لها وللأولاد".

ويضيف: "يتبقى من راتب التقاعد 400 شيكل كوني أستفيد من قرض ذو قسط شهري، الأمر الذي شكل كارثة بالنسبة لي، فأنا أعيش في منزل بالإيجار ولدي ثلاثة أبناء".

"لهذا كله اضطرت لرفع القضية الوهمية، وقد حكمت لي المحكمة بمبلغ خمسين دينار أدرني (ما يعادل 250 شيكل)، أستطيع بهم أن أنفق على بيتي ولو بأقل القليل، ولكنني حتى الآن لم أتقاض فلساً واحداً، نتيجة بطء الإجراءات ما بين المحكمة الشرعية وهيئة التأمين والمعاشات".

وفيما يتعلق بأسباب هذا التوجه لدى بعض الزوجات، أكد المحامي عبد الله شرشرة لـ "أمد": "أسباب القيام بهذا النوع من التحايل هو، غالباً، وجود مديونية أخرى على الزوج، مثل قرض أو دين شرعي عادي، وهكذا يستطيع الزوج تخفيض قيمة القسط الذي يدفعه، وتأمين سيولة مالية أكبر له عبر نفقة الزوجة".

الجوجو: التحقق من هذه القضايا متروك لوزارة المالية  

وحول موقف المحكمة الشرعية، فإنها في وضع لا تحسد عليه، وقال الشيخ الدكتور حسن الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي رئيس المحكمة العليا الشرعية في غزة: "لا يوجد قضايا وهمية وغير وهمية، كوننا محكمة لا نبحث في نوايا الناس، لأن القضاء هو حكم مبني على الظاهر وعلى أدلة واثباتات".

ويضيف: "أما التحقق من هذا الأمر فيترك للجهات التنفيذية، والأولى أن تقوم وزارة المالية في غزة بالتحقق من هذه القضايا، أما نحن فطالما أن الدعوى لدينا استكملت أركانها وشروطها فنحكم بها، ولا يتم رفضها إلا إن كانت غير مكتملة الأركان".

"فيما يتعلق بالنفقة فليس ليس شرطاً من شروط الدعوى أن تكون الزوجة لدى بيت أهلها، وإنما يحق لها أن ترفع القضية في بيت زوجها إذا كان لا ينفق عليها فمكان وجود الزوجة ليس شرطاً من شروط الدعوى ولكن يبقى الأمر، كون الزوج موظف، لدى وزارة المالية إذ عليها اتخاذ إجراءاتها ضد من يتبين أنه يقيم دعوى كيدية أو غير جدية".

ويختم حديثه بالقول: "وقد خاطبتنا وزارة المالية للحصول على أسماء الموظفين المتوجهين نحو هكذا قضايا، وطلبت منا تزوديها بالأسماء، وقد رفضنا الاستجابة لطلبها كون هذه الدعاوى شرعية قضائية مستوفية لكل أركانها، ولا نسمح لوزارة المالية أو غيرها بالتدخل في القضاء الشرعي كونه مستقل".

هذا وقد علم "أمد"، بأن المحكمة الشرعية قد أصدرت تعميماً قضائياً جديداً منذ شهرين، يتعلق بالموظف المتزوج من اثنتين بالنسبة للتنفيذ مفاده، "أنه في حال تم إثبات أن النفقة المرفوعة هي نفقة كيدية الهدف منها المشاركة في الراتب، يتم وقف أي قضية من هذا النوع تتعلق بالحقوق المالية، سواء عفش بيت أو نفقة، وهو تعميم للتنفيذ بشرط أن يكون هناك شهود، أو ما يثبت أن الهدف وهمي كيدي".  

محامون: الحكومة هي السبب

هذا ويجمع المحامون في غزة، أن إجراءات حكومتي غزة ورام الله، هي السبب في هذا النوع من التوجه لدى الموظفين، حيث تدني قيمة ما يتبق من الراتب.

المحامي الشرعي يوسف عاشور قال لـ "أمد للإعلام"، "لدي شهرياً 2-3 قضايا من هذا النوع في محاولة للاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به من راتب الزوج الموظف، وللأسف الحكومة هي من أجبرت هؤلاء الموظفين على انتهاج هذا النوع من القضايا".

ويضيف: "كون رواتب موظفي غزة متدنية فيتم الخصم من المستحقات، أما موظف رام الله فيتم الخصم من قيمة الراتب نفسه".  

ويتفق سليمان أبو حطب (69 عاماً) محامي شرعي مع المحامي عاشور، وبقول: "يلجأ الأزواج من موظفي غزة إلى دفع زوجاتهم لرفع دعوى نفقة أو مهر مؤجل، حتى يحصل على جزء من المستحقات المخصصة له لدى الحكومة، وهي قضايا دارجة جداً".  

ويضيف: "أيضاً قضايا طلاق "الشؤون" موجودة، ولكن ضمن شروط معينة وتبلغ نسبتها 5% من حالات الطلاق".

يذكر أن حكومة رام الله قد نفذت سلسلة من الإجراءات المالية ضد موظفي قطاع غزة، تمثلت في خصومات على رواتب الموظفين بدءاً من راتب شهر مارس 2017 وحتى الآن، وقد تسلسلت هذه الخصومات إذ بدأت بقيمة 30% في الأشهر الثلاثة الأولى، وصولاً إلى ما نسبته 50% من قيمة الراتب الأساسي للموظف، بذريعة الضغط على حركة حماس اقتصادياً، ضمن نظرية "التمكين" التي تعني تسليم قطاع غزة الى "حكومة رام الله".

وهكذا دفعت الظروف الاقتصادية "الطاحنة" الموظف إلى تطبيق القاعدة التي تقول "الغاية تبرر الوسيلة"، في محاولة يائسة للتغلب على الأزمة المالية الصعبة لسكان قطاع غزة، والتي تفتح الباب واسعاً أمام التساؤل المنطقي "إلى متى؟".   

اخر الأخبار