تقرير: خطر التطرف يتزايد مع تراجع جماعة الاخوان المسلمين في مصر

23:58 2013-10-29

أمد / القاهرة : في ثاني اكبر مدينة في مصر، يعيش طالب الطب، احمد نبيل في خوف من احتمال القبض عليه، بصفته عضوا في جماعة الاخوان المسلمين، التي تتعرض لحملة من قوات الامن، بعد عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي.

وقال نبيل وهو ابن عضوين في جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها مرسي: "في هذه الايام يمكن أن يقبض علينا في اي وقت".

وساعد انضباط جماعة الاخوان في إطار هيكل تنظيمي هرمي في فوزها بالانتخابات، بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011، وهو ما دفع بمرسي الى سدة الرئاسة في نهاية المطاف.

وتقول جماعة الاخوان إنها تنبذ العنف وتلتزم بالاحتجاج السلمي. لكن مع اختباء أعضائها تتعرض وحداتها الأساسية المسماة بـ "الأسر" وتضم الواحدة منها سبعة أعضاء لضغوط.

وقال نبيل: "أهم شخص بالنسبة إلي هو قائد أسرتي... أتلقى منه كل شيء".

ويرى نبيل أن "الأسر" التي توفر كل شيء، من دراسة القرآن الى الاستشارات الزوجية، تتداعى، وهذا يزيد خطر تفكك الجماعة وتخلى بعض اعضائها عن الأنشطة السلمية ليحملوا السلاح.

وفي علامة على تراجع جماعة الاخوان، اشترى نبيل خط هاتف محمول غير مسجل، ويكتب رسائل نصية مشفرة، ويتوخى الحذر فيما يكتبه على موقع فيسبوك، خوفا من ان تكون السلطات تراقب الاتصالات.

ويقول نبيل، إنه فقد خمسة من أصدقائه قتلوا في مظاهرات، وإنه كاد يعتقل خلال مشاركته في احد الاحتجاجات. وهو مشغول بالبقاء وتفادي السجن. ويقول إن الحملة الامنية قد تدفع بعض الأعضاء الى طريق التشدد.

وفي الشهر الحالي قتل مسلحون يشتبه بأنهم متشددون، ستة جنود مصريين قرب قناة السويس، وأطلقوا قذائف صاروخية على محطة للأقمار الصناعية بالقاهرة، وفجروا سيارة ملغومة قرب مبنى للمخابرات الحربية في مدينة الاسماعيلية.

وقتل اكثر من 50 شخصا وأصيب ما يزيد عن 270 في الآونة الأخيرة في اشتباكات خلال احتجاجات لأنصار جماعة الاخوان المسلمين.

وبرغم استمرار التساؤلات عن منفذي هذه الهجمات، يبدو واضحا أن فرص تجنيد المتشددين زادت كثيرا منذ عزل مرسي.

وقال نبيل: "لن يستطيع كل من في المعارضة مواصلة المقاومة سلميا اذا استمر هذا الضغط غير المعقول، وخصوصا اعتقال القيادات التي دفعت الحركة الى أن تظل سلمية". وكان كبار قادة الاخوان قبل سجنهم يقولون لأتباعهم، إن تجنب العنف يمنح الجماعة الأفضلية الأخلاقية على الحكومة.

وأضاف: "كل هذه الأعمال العسكرية ضدنا بما في ذلك القتل والتعذيب والاعتقال تدفعنا الى الرد بالقوة. أدعو الله أن ينهي هذه الازمة قبل أن نصل الى وضع سوريا" مضيفا: "كما قال مرشدنا سلميتنا أقوى من الرصاص".

ولا تميز الحكومة بين جماعة الاخوان والمتشددين الذين يتبنون فكر "القاعدة" في سيناء، والذين زادوا هجماتهم بشدة منذ عزل مرسي. وتقول السلطات إن الإخوان المسلمين إرهابيون يعملون إلى إقامة خلافة إسلامية في المنطقة ولا يبالون بخير مصر ورخائها.

وقال مسؤول أمني كبير يتابع جماعة الاخوان منذ عشرات السنين لرويترز: "الأسرة دمرت الى حد بعيد، فعضو الاخوان يلقن ألا يفكر لنفسه بل يتلقى الأوامر فحسب، هذه هي الطريقة التي تعمل بها الجماعة، لهذا اذا لم يكن هناك من يعطيهم الأوامر فهذا يعني أن الجماعة في مأزق".

أسرة الزنزانة

أنشأ حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين، نظام الأسرة، لتربية الأتباع وحشدهم. وتجتمع الأسرة عادة مرة أسبوعيا، لثلاث ساعات على الاقل، ويكون اللقاء عادة في منزل أحد الأعضاء. ولقائد الأسرة دور محوري إلى حد أن الأعضاء يستأذنونه في السفر من مدينة إلى أخرى.

وخلال حملات سابقة، كانت الأسر، تستمر من خلال التكيف، ويقلص حجمها الى ثلاثة أعضاء عندما تشتد القيود. وكانت هذه الوحدات الصغيرة تتفادى الاعتقال، بالحديث اثناء السير في الشوارع او اللقاء في المقاهي وليس المنازل. وفي السجن تصبح الأسرة هي المحبوسين في زنزانة واحدة، أيا كان عددهم.

وردت قوات الأمن بقوة على احتجاجات الإخوان بعد سقوط مرسي، ففضت اعتصاما لأنصاره في منطقة رابعة العدوية بشرق القاهرة، في 14 آب/اغسطس، وقتل المئات منهم، وقبضت قوات الأمن على كثير من قيادات الاخوان، وأحيل كثير منهم للمحاكمة، ومن بينهم مرسي بتهمة التحريض على العنف او ممارسته.

ويقول قائد أسرة وأعضاء آخرون بالجماعة، إنه قبل القبض على القادة بعثوا برسائل لمسؤولي الاخوان، حثوهم فيها على ضمان استمرار الأسر، لكن الأعضاء يجدون صعوبة في ذلك.

وفي الاسكندرية يقود ابو بكر المصري أسرة، ويصلي في مسجد صغير أسفل احد المباني السكنية يسمى زاوية، وقد استخدمت الجماعة مثل هذه الزوايا في الاحياء الفقيرة في شتى أنحاء البلاد على مدى عشرات السنين، في تعميق نفوذها وجمع المال.

ولم تجتمع الاسرة التي يقودها المصري منذ سقوط مرسي، وهو يفخر بموقعه، لكن يقلقه أنه لم يعد بوسعه إرشاد الشباب.

وقال في شقته القريبة من الزاوية: "كنت أنصح الناس في كل شيء، حتى من عنده مشكلة مع زوجته كان يأتيني". وأضاف: "الأسرة تتعرض لضغط شديد الآن. أتحدث مع أعضاء الأسرة هاتفيا، لكن الحديث يكون دائما قصيرا، ولا تتاح لنا الفرصة أبدا للحديث في أمور مهمة".

وللنساء أسرهن، وترأس ام عبدالله، زوجة المصري، واحدة منها، ولم تجتمع اسرتها ايضا منذ تموز/يوليو كما أنها عضو في أسرة أخرى، توقفت عن الاجتماع أيضا.

وقالت ام عبدالله: "أجلس هنا ولا أفعل شيئا" شاكية من عزلة الاخوان المسلمين. وكانت ام عبد الله مكلفة بنشر رؤية جماعة الاخوان لنمط حياة الأسرة المسلمة، ولا مجال لذلك الآن. وقالت: "كنت أخرج الى الشوارع وأتحدث مع النساء الأخريات عن رؤيتنا وعن الأسرة المسلمة الحقة... الآن لا أستطيع الا التجول في عمارتنا والحديث مع جاراتي".

ولا خيارات تذكر لجماعة الاخوان الآن، فقد انقلب كثير من المصريين عليها خلال حكم مرسي، الذي اتهم بالاستئثار بسلطات كاسحة والتمكين للإخوان في مؤسسات الدولة وإساءة إدارة الاقتصاد. وتنفي الجماعة هذه الاتهامات.

وأعلن الفريق اول عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة، خارطة طريق للانتقال السياسي، تعد بإجراء انتخابات جديدة. وتشمل الخطة تعديل الدستور الذي وضعته لجنة يهيمن عليها الإسلاميون. وقد تكون المادة الاكثر إثارة للخلاف في الدستور الجديد، هي تلك التي تحظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني.

وترفض جماعة الاخوان المشاركة في العملية الانتقالية ويتراجع أنصارها.

وفي منطقة سكنية في الإسكندرية، بها تجمع متماسك من العائلات الإخوانية، فرت أربع أسر، خشية الاعتقال، بعد أن بدأت قوات الأمن عمليات تفتيش ليلية للمباني السكنية، حسبما ذكر بعض أنصار الاخوان في المنطقة.

خطر التطرف

في مكتب احمد فهيم، وهو محام بالاسكندرية، يدافع عن اعضاء الجماعة، توجد صورة لزعيم سابق لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) المبنثقة عن الاخوان المسلمين. انها علامة صغيرة على التحدي الذي يبديه فهيم.

ويبدأ فهيم يومه عادة بتمشية قصيرة الى المحكمة التي يعتقد أنها تعامل الاخوان معاملة جائرة، ويتساءل: "لماذا تسمح السلطات للمتهمين في القضايا الجنائية بالحضور الى المحكمة، بينما يعتبر المقبوض عليهم من جماعة الاخوان خطرا أمنيا، ولا تعقد جلسات نظر قضاياهم الا في السجن؟"

وقال مسؤول في وزارة العدل، إن قوات الأمن تنصح الوزارة بأن نقل أعضاء الاخوان الى المحكمة يمثل خطرا أمنيا، لاحتمال احتشاد المحتجين وغير ذلك من المشاكل.

ويشير فهيم الى أن كل الظواهر المحيطة تذكر بسقوط الاخوان المدوي من السلطة. في الشارع يبيع فتى صورا للفريق السيسي، وزعماء دول الخليج التي أمدت مصر بمليارات الدولارات بعد سقوط مرسي، وعند المحكمة علقت على شاحنة للشرطة صورة للسيسي، بجوار صورة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

ويبدو فهيم مستسلما لفكرة أن الاخوان سيمرون بفترة عصيبة، وقال: "كنا نعلم من البداية أن طريقنا لن يكون مفروشا بالورد وإنما بالشوك". وهو لم يعد يعتقد أن من الواقعي المطالبة بعودة مرسي.

ويخشى على مصير نظام الأسرة، وايضا من احتمال أن يلجأ الاخوان المسلمون إلى حمل السلاح، وقال: "لن يستطيع الناس السيطرة على أنفسهم" برغم أنه يدعو الى ضبط النفس.

ومثل فهيم يخشى بعض الخبراء من خارج الجماعة أن تؤدي الحملة الى نتائج عكسية. وقال خليل العناني، كبير الباحثين في معهد الشرق الاوسط في واشنطن: "اجتماع الاسرة الأسبوعي أداة مهمة جدا لتشكيل عقول أعضاء الاخوان وسلوكهم. البديل قد يكون طريق التطرف".

وأضاف: "قد يؤدي هذا الى تكرار ما حدث في الخمسينات والستينات، حين قطعت الحكومة الصلات بين القيادة والقواعد، وهو ما أدى في النهاية الى انحراف الشباب، وتكوين جماعات تستخدم العنف".

ولم تجد رويترز أدلة على انضمام أعضاء الاخوان الى جماعات متطرفة، لكن السلطات تصور معظم الإسلاميين الآن على أنهم مجموعة واحدة واسعة من الإرهابيين.

وحين التقى المراسلون بنبيل، طالب الطب بالاسكندرية، للمرة الاولى، كان متفائلا بخصوص إمكان عودة الاخوان للحكم، وقد أمضى وقتا طويلا يقرأ تعليقات المسؤولين بالاخوان عن الانقلابات العسكرية التي فشلت في نهاية المطاف.

واهتم على وجه الخصوص بالقراءة عن الجزائر. وكان قرار الجيش هناك إلغاء نتيجة انتخابات عام 1991 التي فاز بها الإسلاميون، دفع البلاد إلى هاوية حرب أهلية، قتل فيها ما لا يقل عن 150 الف شخص.

لكن نبيل فقد تفاؤله شيئا فشيئا، وبعد إلقاء القبض على قيادات الاخوان، وفرار مسؤول أسرته، لا يجد نبيل من يساعده على تجاوز هذا الوقت العصيب. وخوفا من التعرض للاعتقال اضطر الاسلاميون لتقليل احتجاجاتهم. وحفاظا على السرية لا يعرف بمواقع التظاهر مسبقا الا قلة، وفي بعض الاحيان تعلن مواقع زائفة من خلال موقع فيسبوك لإرباك السلطات.

ويقول نبيل إنه اذا قابل قائد أسرته بالصدفة خلال احتجاج، لا يكون هناك وقت للحديث. وكثيرا ما تختصر المظاهرات تجنبا للاشتباك مع قوات الامن التي قد يبلغها بها وشاة.

ويقول متظاهرون، إن البلطجية عادة ما يهاجمون المظاهرات من الخلف، باستخدام كل شيء، من الحجارة إلى السيوف والمسدسات. وأشار نبيل الى أعلام مصر التي يرفعها اعضاء الاخوان وقال: "هذه الاعلام لها في واقع الأمر غرض آخر، حين نهاجم، يقلبها من يحملونها، ويستخدمونها عصيا للدفاع عن المحتجين".

ولا يستطيع نبيل التعويل على الدعم الشعبي كما كان الاخوان يفعلون في وقت من الأوقات، فقد نظر هو وصديق له الى شرفات المباني المحيطة، ليجد الناس يسبونهم ويلقون المياه عليهم. وقال: "كل أسبوع نحصي أعداد من هم ضدنا".

ولا شك أن الحكومة المدعومة من الجيش لها اليد العليا، ويشبه أعضاء الاخوان الحملة الحالية بحملة عبد الناصر عليهم في الخمسينات والستينات.

وفي الاسكندرية يتذكر عبد اللطيف محمد، الذي لم يعد يقوى على السجود، لتقدمه في السن، كيف كان سجانوه يجلدونه على قدميه، ثم يطلقون الكلاب عليه، خلال حملة عبد الناصر على الجماعة. ويذكر ايضا إلقاء القبض على 15 الف شخص في ليلة واحدة. لكن محمد يرى أن الوضع الراهن اسوأ.

وامتنع المتحدثون باسم الحكومة عن التعليق على نطاق الحملة، لكن مسؤولا أمنيا كبيرا قال لرويترز: "هذه الجماعة يجب وقفها. إنهم إرهابيون، لهم اجندة دولية. لا يكترثون لأمر مصر".

وحتى المحامين الذين يدافعون عن أعضاء الاخوان يقولون إنهم لا يشعرون بالأمان، ويتنقلون من منزل الى آخر لتجنب الاعتقال. وكان خلف بيومي وهو محام بارز من جماعة الاخوان بالاسكندرية توقع في مقابلة مع رويترز في آب/اغسطس أن يقبض عليه، وهو محتجز الآن مع إسلاميين آخرين في سجن برج العرب على مشارف الاسكندرية.

ويقول زوار للسجن، إن الزنزانة التي تتسع لعشرة سجناء، يقيم فيها 35 من أنصار مرسي. وتحرس دبابات الجيش السجن.

وقال بيومي قبل سجنه، إن على جماعة الاخوان، كي تستمر الحفاظ على نظام الأسر، لأنها إن فقدته سقطت.