مؤتمر البحرين عوار فلسطيني

08:47 2019-05-27

د. سامي محمد الأخرس

أثرت جملة المتغيرات الدولية التي شهدها العقد الأخير من القرن الماضي في السياق الذهني العام للوعيين العربي عامة الذي شهد متقلبات دراماتيكية اقليمية بدءًا من إحتلال العراق مرورًا بأحداث الحراكات العربية، وما شهدته الفواصل الزمنية التي تلاشت خلالها القوة التأثيرية للقطب الإشتراكي، والفجوة السياسية التي أحدثتها في ميزان القوى الدولية والإقليمية، والتي كان أهم معالمها حجم التغيير في نسبة الكيف في الوعي الذهني الثنائي الممثل في أولًا: الوعي الشعبي العربي الذي سار في متجهات القطرية التي أصبحت محاصرة في جغرافيته وهمومه الآنية. والثاني: الوعي الرسمي للنخبة السياسية الحاكمة التي أسقطت خلالها الأنظمة ذات الجذور القومية، وفرز نخب قطرية أكثر تكولسًا في حدودها الجيوسياسية، أضف لذلك بُعد ثالث وهو تراجع في منسوب الثورية الشمولية لقوى المقاومة العربية التي وجدت نفسها ملاحقة، ومتهمة، ومحصورة في نطاق بُعدها الذاتي الجغرافي، منكفأة خلف خطابها التنظيري الثوري الحماسي فقط، مع غياب الفعل المشترك على النطاق الأوسع الذي كانت تتحرك به سابقًا.

هذه السياقات أحدثت تغييرًا جوهريًا في إرادة التأثير في المناخات والبيئة السياسية، وتحولت عن السياقات المؤثرة والفاعلة إلى كيانات متأثرة ومتساوقة، غير قادرة على الإنبعاث والتجديد في سياساتها وشعاراتها، وعلى وجه التحديد القوى الفلسطينية التي كانت فاعلًا عبر عقود طويلة، فتحولت إلى قوى منقادة للمؤثر الدولي والإقليمي، وتتغير في الوعي الجمعي الثوري وفق البيئة المحيطة أو الناجزة، فكانت م ت ف أكثر الكيانات انسياقًا خلف المتغيرات الجيوسياسية، وتساوقت مع الحلول الأكثر قبولًا حتى وقعت في مفاتن أوسلو والتي بدورها حولت حالة التثوير إلى حالة الترويض للوعي الجمعي الشعبي العربي عامة، والفلسطيني خاصة، ومن ثم الوعي المستولد من طبيعة الأنظمة الجديدة التي قدمت قضاياها الاقتصادية والمجتمعية الداخلية على قضاياها القومية. أضف لذلك تأثير القوة الاقتصادية العربية الممثلة في دولالخليج العربي في تشكيل الوعي، والتحول من دول داعمة للوعي الثوري سابقًا غلى دول داعمة للوعي التطبيعي مع القوى المعادية وفق الفهم السابق لتصنيفات محاور الأعداء والأنصار.

تسارعت وتيرة هذه المؤثرات – ولا زالت- لتستنزف مكامن الإرادة بعملية دوران معاكس لإتجاه بوصلة الفعل، لتشهد ساحة الصراع الإقليمي، صراعًا جانبي هي الصراعات الداخلية المحلية وتفكك جزيئيات الكل، وعلى وجه التحديد في الدول الأكثر ثورية مثل، العراق، سوريا، لبنان، اليمن، ليبيا وهنا وبكل تأكيد تم إرباك أهم قوتين في المنطقة وهما: القوة الثورية، والقوة الإقتصادية مع عدم إغفال القوة السياسية الممثلة بمصر التي تم تحييدها أكثر مما هي عليه بعد امب ديفيد، والقوة السعودية التي كانت جامع بين الدين والإقتصاد، وعليه تم تفكيك القوى والركائز الأساسية، واستولاد قوى جديدة في المشهد الحداثي مثل قطر، والإمارات وبعض البلدان الأخرى.

هذه المقدمات المتتابعة وفق المراحل الزمنية المتلاحقة لابد وأن أهم نتائجها هو بعض ما جئنا عليه مثل، تفكك الوعي المجتمعي الشعبي، وانتقاله من الهم القومي إلى الهم القُطري، وتفكك إرادة الوعي الرسمي القديم الذي كان يتميز بقوميته، وتفكيك القوى الثورية وحصرها في أضيق حدود الجغرافيا، أما فيما يتعلق بمؤتمر البحرين الإقتصادي فهو حلقة من ضمن حلقات متسلسلة مترابطة تسير في السياق العام إلى إعادة رسم إستراتيجيات الفعل كرزنامة تستهدف المشروع الكبير الذي أعلنت عنه الإدارة الأمريكية للمنطقة، والتي تستهدف من خلاله إعادة تحوير الأحلاف والسياسات في المنطقة عامة، وهي تتوائم وتسلسل الأحداث السابقة والآنية بل والمستقبلية في دوائر متشابكة تستهدف من خلالها:

أولًا: عزل القضية الفلسطينية عن محيطها وبُعدها القومي، وتحويلها من قضية عامة إلى قضية خاصة ذات أبعاد محدودة ومحصورة، تؤدي لإستسلام الوعي الشعبي لمخرجات كل مرحلة، ومساهمة الوعي الرسمي في دور فاعل ومؤثر، وربما سياسة العزل التي شهدتها المراحل السابقة هي أهم مدخلات المخرجات الحالية، حيث تم عزل قوى المقاومة عن بيئتها الأعمق وحصرها في بيئة نظامية بيروقراطية ممثلة بكيانات وسلطة وحكم ومن ثم عزل قوى المقاومة عن سياقها الأعم والأشمل وتحويلها لقوى تتصارع مع محيطها الداخلي من أجل السلطة والإمتيازات والحكم، في مرحلة أبعد عنها عن مرحلة التحرير أو التثوير كما حدث مع حركات المقاومة الفلسطينية التي تحولت لحركات مفككة تقاتل من أجل الإمتيازات المحلية والسلطة والحكم، وعدائها مع كيانات كانت بالسابق الحاضن والداعم لنهج المقاومة.

ثانيًا: توجيه القوة الإقتصادية العربية نحو سياسات تطبيعية تعايشية مع الواقع والوقائع الموجودة، والتقرب ذو التوجه الإقتصادي الظاهري مع الكيان الصهيوني، والإنخراط في علاقات تتطور على كافة المستويات وصعود أصوات التطبيع مع أفول وتراجع أصوات المقاومة، وإفراز قوى اقتصادية صغيرة تتحرك في هذا النسق بقوة وتأثير مثل قطر، عُمان، البحرين، الإمارات وتوجيه قدراتها الاقتصادية كبدائل إغاثية عن المؤسسة الدولية(الأونروا) حيث التحول من دعم اللاجئ عنوان حق العودة، إلى دعم إغاثي سكاني مجتمعي غير مرتبط بأي إلتزامات دولية أو أخلاقية، وإنما تحت غشراف إسرائيلي وبمسمى إنساني، مع تساوق من القوى الفلسطينية مع هذه المتغيرات والتحولات دون مقاومته بإرادة قتالية.

ثالثًا: إنهيار القوة السياسية التي كانت تتمثل في محور مصر، السعودية، الأردن وتراجع تأثيرها عن أدوارها الرئيسية وتحولها لقوى ثانوية حيادية تتخذ شكل الوسيط أكثر من الشريك، وهي الأدوار المطلوبة في هذه المرحلة التي تفتقد للتأثير الإقليمي مع بروز لاعبين جدد مثل تركيا وإيران.

إذن فالدلائل والمؤشرات تؤكد ترابط المراحل وتشعباتها يتمحور في قراءة الأحداث المستقبلية وتأثيراتها على الإستراتيجيات الثابتة للمنطقة عامة، وللقضية الفلسطينية خاصة والتي تتضح من خلال:

أولًا: القضية الفلسطينية: لا يمكن أن يكون مؤتمر البحرين الحلقة الأخيرة في سلسلة التحركات والحراكات التي تستهدف القضية الفلسطينية، بل هو ضمن الحراكات المتعددة، التي تستهدف الزج بالكيان الصهيوني في دائرة الوعي العام كقوة قائمة وواقع لامفر منه، وإن ان يتخذ الشكل الإقتصادي في هذه المرحلة إلا أن الشق الإقتصادي ليس بمعزل عن السياسي فكلاهما مكمل للآخر، وإن لم تتضح الواجهة السياسية فهذا أحد متطلب التكتيك، والتدرج في استكمال فصول الإستراتيجية، ويتأتى مع ما يتلائم وحالة الضبابية التي تسود الحالة الفلسطينية التي لم يتم ترتيب أوراقها بعد، وأهم هذه الأوراق حسم عملية الترويض للسيادة الفلسطينية التي لا يمكن تركها عما هي عليه الآن، فلابد أولًا من إفراز الجهة الفلسطينية القادرة على التفاعل والتعامل مع المخرجات القادمة، وهنا فالمرحلة القادمة ستشهد حراكًا على المشهد الفلسطيني الذي لابد وأن يتم عودة توحيده في سلطة واحدة تنسجم ورؤية الخطط الإستراتيجية، والتفاعل مع القوى الدولية والإقليمية التي تتحرك بتفاعلات كيمائية سياسية في دائرة الفعل العام. إذن فمؤتمر البحرين هو أحد نتائج حالة العوار التي عليها النظام السياسي الفلسطيني المشرذم، وهو أحد الشركاء سواء بشكل مباشر أو غير مباشر مع السياسات التكتيكية والتي ستكون أهم مخرجاتها صياغة حل للقضية الفلسطينية وفق حلول إنسانية – اقتصادية أقل من دولة وأكبر من حكم ذاتي.

ثانيًا: القوى الإقليمية:

قراءة الواقع الإقليمي تؤشر لقوتين مثرتين في السياسة الحالية، أحد الأطراف تركيا وغيران ورغم التباين في مواقف هاتين القوتين إلا أن كل منهما له العديد من الملفات المشتركة، ورغم حالة التباعد والتنافر الظاهرية بين القوتين إلا إنهما يشكلان محور هادف، وبينهما روابط مشتركة وإن اختلفت في الظاهر إلا إنهما متشابكتان في الباطن، وهذا الملف يتم ترويضه من خلال الضغط على إيران اقتصاديًا وسياسيًا، ومحاولة استيعابها كما حدث في ملف الأزمة الكورية الشمالية سابقًا، وهنا فإن الدور الروسي مؤثر في هذا الإتجاه وإن كان غير ظاهر إلا إنه فاعل وناجز في هذا الإتجاه، ومن المتوقع أن يتم صياغة حلول للأزمة الإيرانية كمخرجات في القريب العاجل، وعليه يتم إغلاق الباب الأخير للقوى الرافضة أو التي لا تزال في صورة القوى الممانعة. أما الطرف الآخر فهو دولة الكيان الصهيوني التي تعيش أزمة سياسية داخلية حاليًا، ورغم ذلك كل الدلائل تؤكد أن هذا الطرف أصبح شريكًا للقوى الأخرى في رسم سياسات وإستراتيجيات المستقبل، وإن كان دوره غير واضح للعيان في المرحلة الحالية، فإن دوره سيكون أكثر وضوحًا في المراحل القادمة.

إذن فالخلاصة أن مؤتمر البحرين الإقتصادي هو تعبير كيفي عن التسلسل المترابط للإستراتيجيات الدولية والإقليمية، الضالعة برؤيتين الأولى متعلقة بالشأن الفلسطيني في حدودها العامة، والثاني إعادة ترتيب أوراق المنطقة بحدودها الأوسع في دوائر الحلول الرئيسية لقضايا المنطقة، والتي يمكن إعتبار ذلك أحد تجليات العوار السياسي الفلسطيني الشريك الفاعل في هذه الإستراتيجيات من خلال انتهاجه لسياسة الهبوط مع المتغيرات والتأثر بها، وتخليه عن دوره المؤثر والمقاوم في رسم سياسات المنطقة ومستقبل القضية، ومهادنته للمتغيرات، وانخراطه في الصراع من أجل الحكم والسلطة والإنتقال من محور التثوير إلى محور الترويض.

كلمات دلالية