هل انتصرت المؤامرة؟!!

18:35 2019-05-26

صالح عوض

لم تكن الخطة الاستعمارية خافية على اي عاقل بان هناك عملية منهجية لتشتيت الشعب الفلسطيني وتوطينه حيث يصل به اللجوء ولقد كانت هذه الخطة قيد التنفيذ منذ الخمسينات وتصدى لها الحاج امين الحسيني وفضح اطرافها ولم يكن نفيه وملاحقة اخوانه بقادر ان يثنيه عن موقفه وانتفضت طلائع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بقيادة معين بسيسو وابويوسف النجار الامر الذي اوصلهم الى السجن الحربي في مصر..

كانت منظمة التحرير الفلسطينية في البداية انتاجا عربيا ليتحرر النظام العربي من ثقل القضية الفلسطينية وتبعاتها من جهة وضبط ايقاع تحرك الفلسطينيين من جهة اخرى.. الا ان النكبة الكبيرة التي لحقت بالعرب في 1967 تركت هامشا لانبعاث الثورة الفلسطينية بعد ان كانت فتح قد اطلقت طلقتها الاولى وقامت بتنظيم خلابا وتفعيلها في اكثر من مكان.. حدوث النكبة والخزي والعار الذي لحق بالنظام العربي الذي ابان عن خواره وهوانه وافتقاده للحد الادني من المسئولية تجاه معركة الوجود وتفريطه بواجبات المعركة.. حصلت النكبة فسمح النظام العربي مرغما على تحرك المقاومة الفلسطينية متحررة من سطوته لفترة معينة ريثما يستعيد التقاط انفاسه وامتصاص الصدمة وانساء الناس كارثة ما فعل.. وفي هذه الفترة المعينة تمكنت حركة فتح من رسم معالم العمل الوطني وتحديد اطاره الوطني ضمن مشروع وطني ناضج وانبعثت الى منظمة التحرير لتنقذها من مهمات وضعها لها النظام العربي واذا بمنظمة التحرير تصبح الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني بمعنى انها لن تكون ضمن اطار مكاتب المخابرات العربية ووزارات الخارجية ولتسقط خطة المشروع الاستعماري بتشتيت الفلسطييين وتوطينهم حيث انتهى بهم اللجوء.

خاضت المنظمة وفتح عمودها الفقري معركة الوجود عشرات السنين واستطاعت من خلال معارك ضد الجميع.. ضد الكيان الصهيوني وضد النظام الرسمي العربي وضد حركات طائفية واحزاب انعزالية وتيارات مرتبطة مع هذا النظام او ذاك.. استطاعت رغم تلك العواصف المتتالية من الاعصار الاستعماري ان تثبت على الخريطة السياسية وجود الكيانية السياسية الفلسطينية.

لم يستسلم الاعداء لهذا الواقع فانشغلوا بكل اشكال المؤامرات والزج بالمنظمة في معارك جانبية بالاغراء حينا والاوهام والسراب احيانا..

لقد قرر الامريكان في سنة 1980 انهاء منظمة التحرير الفلسطينية بلسان مستشار الامن القومي الامريكي بريجنسكي بمقولته الشهيرة:" باي باي م ت ف" حينها رد عليه عرفات: "باي باي مصالح الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة" .. لم يطول الوقت حتى اضطرت الولايات المتحدة الامريكية الى الطلب من م ت ف التوسط في موضوع الرهائن الامريكان في ايران التي استجابت للمنظمة وافرجت عن النساء والسود من الامريكان الامر الذي كشف للامريكان اقتدار المنظمة على ان تكون عنصر خطير في رسم خريطة المنطقة وانها قادرة على انشاء تحالفات قد تفاجيء الولايات المتحدة في مواقع حساسة.. لقد اصبح واضحا ان المنظمة لن تسمح بمرور التسوية في المنطقة دون نيل الشعب الفلسطيني حقوقه وانها عازمة على ابراز الخطر الحقيقي على امن الكيان الصهيوني وجعل حياته جحيما فمنذ 1977 وحتى 1982 تصاعد العمل الفدائي كما ونوعية لهذا كان لابد من انهاء منظمة التحرير والتخلص من الخطر المحتمل فكانت تفاهمات النظام العربي والولايات المتحدة الامريكية ان انهاء المنظمة من شانه الاستقرار والسلام في المنطقة ومنح النظام العربي فرصة الاستمرار في الحكم والاستقرار.. تورط الجميع في اخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان وكانت هذه الضربة العنيفة والاستراتيجية كفيلة بانهاء المنظمة بعد ان ابعدوها عن حدود الوطن.

كانت الثمانينات مرحلة الترميم للعملية الثورية فانخرط جهاز ابوجهاد "القطاع الغربي" لاعادة التنظيم بالداخل بمنهجية دقيقة وبعث بكل قوة في احياء الخلايا وتشكيل اللجان وبعث العمل العسكري والتنظيمي الى اقصى حد وكان ابوجهاد في هذه المرحلة على قرب من الوطن في الاردن والعراق.. واستطاع من خلال لجنة الدعم والصمود انعاش الاقتصاد الفلسطيني وبناء مؤسسات اعلامية وثقافية واجتماعية تعزز روح الصمود في الضفة الغربية وقطاع غزة وتقضي على محاولة روابط القرى ومحاولات صنع تيارات انفصالية في الشعب الفلسطيني.

جاءت الانتفاضة بهذا الزخم نتيجة عدة عوامل كان اهمها بلا شك جاهزية تنظيم فتح للانطلاق بانتفاضة مسنودة سياسيا واعلاميا وماديا وكان شعار ابوجهاد في ذلك "لاصوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" وانبعث ابواياد معه يعزز هذا الموقف بانه "ينبغي عدم القاء السلاح ولا باي سبب اثناء المفاوضات".. لم يكن شرا كله الذي فعلوه بالمنظمة عند اخراجها من لبنان بل كان في الشر خيرا لها عندما تعمقت في الوطن وتصاعد فعل الثورة بالداخل.

ثم الالتفاف الامريكي الاستعماري على المنظمة وحاولوا ان يجعلوا لها مزلاق افناء وخروج من حالتها الثورية باتفاقية اوسلو التي يتم حسب مخططهم نقل كل صلاحيات منظمة التحرير الى سلطة تولد تحت شروط معينة على وهم تحقيق الاستقلال.. الا ان الفلسطينيين لم يصبهم الوهم فلقد حاول ياسر عرفات منذ اللحظة الاولى فرض التفسير الفلسطيني للاتفاقية وفرض الخطة الفلسطينية للسلام وبنى مؤسسات للشعب تحميه وتؤطره وتفرض واقعا سياسيا رغم الاحتلال ولم يستسلم لمنطق المستعمرين فواجههم في حادثة جبل ابوغنيم وفي انتفاضة الاقصى وكانت السنوات العشرة الاولى1994 الى 2004 مرحلة مواجهات واشتباك مسلح لم تكن مرحلة خنوع واستسلام كما يحلو للمنهزمين القول لقد قدمت فتح فيها خيرة قادتها شهداء وعلى راسهم ياسر عرفات.

وفي محاولة التفات واختراق للوعي الفلسطيني مرة اخرى اكد الامريكان للفلسطينيين ان اقامة الدولة الفلسطينية سيكون خلال خمس سنوات وانهم عازمون على ذلك فكانت فترة من التسويفات والاشتراطات يتم تفريغ المشروع الوطني الى مؤسسات تحقق استقرار وامن الدولة العبرية وكما قال ابومازن: اصبح الاحتلال الاسرائيلي هو الاقل تكلفة من اي احتلال عبر التاريخ، وكما قال ايضا: ان اسرائيل تريد مفاوضات ومفاوضات ومفاوضات فقط.. واكد ابومازن انه: قد تم الضحك علينا.

المهم ان اوسلو حاولت تفريغ المنظمة وتكبير بشكل سرطاني السلطة على حساب المنظمة واصبحت السلطة هي الكيان السياسي وفي ظل اوسلو تم انشقاق حماس عن الكيان السياسي الجديد وهي خطوة خطيرة تم الاعداد لها صهيونيا باتقان لفتيت التمثيل السياسي الفلسطيني والكيانية السياسية الفلسطينية.

فهل انتصرت المؤامرة على منظمة التحرير؟

والسؤال الاخر هل تصمد المنظمة اذا انهارت فتح او ضعفت او تمزقت؟

السؤال الثالث هل تستطيع فتح الان النهوض بالمنظمة من جديد؟

ماذا على فتح للنهوض من جديد لاستعادة منظمة التحرير الفلسطينية وتجنيب الشعب الفلسطيني مرحلة التيه والانشقاقات؟

اسئلة اعتقد انها في غاية الاهمية في هذه المرحلة الاستثنائية وللاجابة عليها لابد من الانطلاق في التفكير من الابجديات والثوابت.. ففكرة فتح هي الامينة على فلسطين مع ضرورة تحريرها مما ران عليها من مماريات الرحلة الطويلة التي شهدت تعثرات وتجاوزات اضطرارية كثيرة وتجاوزات فردية كثيرة.. فكرة فتح تضع كلتا قدميها في الارض الفلسطينية اما سواها فهو يضع قدم في فلسطين واخرى في مشروع اخر وايديولوجيا اخرى.. لذلك فليس سوى فكرة فتح قادر ان يستنهض الشعب الفلسطيني وبسرعة فائقة وان يحصن العمل السياسي الفلسطيني من العبث والوهم.

لذا فان التحدي مجددا مطروح على حركة فتح ان تؤكد تمسكها بفكرة فتح لكي تنقذ منظمة التحرير وتنقذ شعبنا من التيه والتشتت والتوزع على مشاريع اقليمية ودولية تبدد حقوقنا المشروعة..

لي ثقة عظيمة بروح فتح وبفكرتها وقدرتها على التحرك بالمؤمنين بها لفرض واقع سياسي جديد وقد انتجت طاقات فكرية وثقافية وسياسية وخبرة نضالية طويلة وتجربة في التعامل مع الشعب والاقليم تتسم بالرحمة مع الشعب والنباهة مع الاخرين.

اثبتت التجربة ان فتح قادرة على الخروج من المازق ومن المطبات .. والعودة بسرعة الى الموقع الصح لذلك فان الامل في انقاذ الحالة الوطنية ينصب الان على كوادر وقيادات في فتح لازالت مؤمنة بفكرتها ومؤمنة بان النصر يمكن تحقيقه على ضوء ما استفادت منه تجربتهم النضالية.

وهكذا سيعود الرشد للجميع في الساحة لتؤدي حماس والجهاد والشعبية ما عليها من مهمات نضالية في اطار الكل الفلسطيني في اطار سياسي ليس من وجهة له الا فلسطين ويتجنب المعارك الجانبية والامتدادات الخارجية.

وفي الاطار الوطني النضالي يتنافس المتنافسون على طريقة الاستلام والتسليم هنا على الارض الفلسطينية وليس عن طريق الانشقاق والبعثرة والتمزيق وتدمير الكيان السياسي الفلسطيني.

اخر الأخبار