روسيا الدور والمكانة

تابعنا على:   22:49 2013-10-29

محمد محمود دياب

لقد اثار نجاح الدبلوماسية الروسية في إدارة الازمة السورية وارغام الولايات المتحدة على اسقاط خيار التدخل العسكري والذي كان وشيكاً لصالح الحلول السلمية ، جملة من التساؤلات حول طبيعة وحجم الدور الذي ستمارسه روسيا على مستوى العالم في المستقبل، وهل التدخل الروسي القوي في سوريا جاء حفاظاً على الحليف التقليدي المتبقي في المنطقة ام كان تحركاً يهدف الى اعادة الاعتبار لروسيا وانذاراً بعودة قوية للعب ادوار قيادية في الساحة الدولية بعد غياب عقود وخاصة بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفيتي . وهل المناخ الدولي الراهن في ظل النفوذ الكبير والمؤثر للولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في الاتحاد الاوروبي سيسمح لروسيا بممارسة ادوار قيادية على مستوى النظام الدولي ..

في الحقيقية هذه تساؤلات مهمة وغيرها الكثير خاصة عندما نناقش موضوع معقد ومتعدد الجوانب والابعاد ومرتبط بمنظومة من المصالح الاستراتيجية والتحالفات الدولية والهيمنة ليس على المؤسسات الدولية فحسب بل على مستوى القرار السياسي لعدد كبير من الدولة وهذا ما تفردت به الولايات المتحدة طول الثلاث عقود الماضية.

كما ان الاجابة عن هذه التساؤلات يظل محط خلاف بين الساسة والمحللين بين فريق يقر بأن روسيا تتجه نحو لعب مزيد من الدور في السياسة الدولية وتسعى بشكل حثيث لإعادة مكانتها كدولة عظمى في العالم ،وفريق يرى فيما حققته روسيا مؤخراً من نجاحات على المستوى الدبلوماسي وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية لا يتعدى موقف طبيعي لدولة فقدت كل حلفائها في المنطقة بعد ما أطيح بهم في ثورات "الربيع العربي" ولم يتبقى لها سوى القلعة الاخيرة المتمثلة في سوريا ، ومنهم من يرى أيضاً بان الولايات المتحدة لم تكن جادة في استخدام القوة لحسم الوضع في سوريا خوفاً من تكرار سناريوهات العراق وأفغانستان.

وليس ببعيد عن حالة الجدل ، فثمت معطيات على الساحة الدولية والساحات الاقليمية المختلفة تجعلنا نقترب اكثر من فكرة نية روسيا ورغبتنها في ممارسة دور بارز على مستوى النظام الدولية ولعل مجريات الاحداث التي يشهدها العالم ومنطقة الشرق الاوسط تحديداً شكلت عوامل تحفيز مهمة نحو توجه روسي حقيقي لاستعادة مكانتها ودورها المفقود .

واهم هذه المحفزات الفشل الذريع الذي منيت فيه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية في الشرق الاوسط والتغيير الجذري الذي رسمته للأنظمة العربية التقليدية من خلال ثورات الربيع العربي والتحالف مع حركة الاخوان المسلمين لتكون بديلاً للأنظمة المتهالكة التي حكت المنطقة العربية لعقود ، فلم تنتج هذه الثورات إلا الصراعات والاقتتال ونماذج الحكم الفاشلة التي قدمها الإخوان في مصر وليبيا وتونس ، فهذه الحالة المأساوية للأقطار العربية بعد هذه الثورات اثبتت فشل المخطط الامريكي في تغيير وجهة المنطقة، ودفع المواطن العربي ثمناً لهذه الثورات التي باركتها ودعمتها أمريكا، وهو الان يرى بأن كل ما حدث لا يخرج عن كونه مؤامرة امريكية لتقسيم الاقطار العربية ونشر الفوضى والصراعات بين مكونات المجتمع ، وبالتالي لم تعد أمريكيا مقبولة لدى المواطن العربي ولا حتى لدى النخب السياسية التي تستعد لتقلد السلطة بعد الاطاحة بالإخوان حيث باتت تدرك هذه النخب بأن نموذج التحالف مع الولايات المتحدة الذي قدمته الانظمة السابقة لا يمكن ان يطبق بعد أن ثبت للجميع ان أمريكيا تقف أولا ً وأخيراً مع مصالحها لا مع أصدقائها ولأنه بالتجربة لا يوجد لها أصدقاء .

وبالتالي لم تعد أمريكيا لاعباً مقبولاً لا جماهيرياً ولا رسمياً في المنطقة العربية وهذا من شأنه ان يفتح الباب أمام روسيا كلاعب أكثر نزاهة وله أرث قديم من العلاقات المتوازنة مع العديد من الأقطار في المنطقة كما ان رغبة بعض الاقطار الفاعلة في المنطقة لاسيما مصر في التحرر من احتكار الولايات المتحدة كمصد لتسليح الجيش المصري ومعظم الجيوش العربية ؛ والاتجاه نحو مصادر اخرى للتسليح وبالتأكيد ستطرح روسيا نفسها كبديل للولايات المتحدة لاسيما وانها تمتلك سوقاً منافساً لأمريكيا في مجالات التسليح والصناعات العسكرية وبشروط قد لا تحمل تعهدات والتزامات وابتزازات كما كانت عليه الصفقات والمنح الامريكية ، وخاصة بعد ان اوقفت أمريكيا معونتها السنوية المقدمة للجيش المصري.

وعلى صعيد آخر فالولايات المتحدة قد فقدت في الآونة الاخيرة قدرتها على حسم التأييد الاوروبي لصالح سياساتها في العالم حيث رفضت دولة أوروبية حليفة لها كبريطانيا واسبانيا والمانيا توجيه ضربة عسكرية لسوريا دون قرار من مجلس الامن، حيث وضع هذا الرفض للخيار العسكري التحاف الامريكي الاوروبي في دائرة من الشكوك حول مستقبل وحدود وطبيعة هذا التحالف ومستقبل التعاون والتنسيق فيما يخص القضايا الدولية ، وتأتي هذه المواقف الاوروبية في ظل التغيرات التي تشهدها اوروبا سواء على صعيد الرأي العام الذي بات يطيق ذرعاً بحالة الانجرار الاوروبي نحو المغامرات الامريكية وخاصة بعد حربي العراق وأفغانستان ، وكذلك التغيرات التي شهدتها الخارطة الحزبية في هذه الدولة واجندات الاحزاب الحاكمة والمعارضة واولوياتها الداخلية والخارجية .

ويزيد من حدة التوتر في المواقف ما اكتشف مؤخراً حول تنصت دوائر الأمن الامريكية على زعماء عدد من الدول الأوروبية في فرنسا والمانيا وإسبانيا وبعلم الرئيس الامريكي باراك أوباما وما لهذه الحادثة من تداعيات على الرأي العام الاوروبي الذي بدى دوره حيوياً في توجيه السياسات للسلطات الحاكمة.

فهذا الاهتزاز في التحالف الامريكي الاوروبي وإن كان محدود نوعاً ما إلا أن من شأنه ان يسهل الطرق امام روسيا لممارسة دور اكثر فاعلية سواء على مستوى المنظمات الدولية أو على الساحة الدولية بشكل عام.

كما ان المواقف والمبادرات التي تتخذها روسيا مؤخراً تؤكد رغبتها الجادة في استعادة مكانة روسيا ودورها في العالم ، فقد انتقدت روسيا تفرد الولايات المتحدة الامريكية في رعاية المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية مطالبةً بدور لها في هذه المفاوضات كطرف ممكن ان يكون أكثر نزاهةً من الموقف الأمريكي .

ولعل تصريحان بوتن الأخيرة التي قال فيها: "الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا ونحن متمسكون بموقفنا الثابت لتعزيز وحدة العالم الاسلامي" وتأكيده خلال لقائه مع مفتي الإدارات الروحية للمسلمين في روسيا على ازدياد الحاجة إلى الحضور الروسي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، كما وقال: "يجب أن نعمل بمزيد من النشاط لإفشال المشاريع الفتاكة الرامية للتلاعب بالبلدان والشعوب والإعلام والوعي الاجتماعي". وأكد بوتين أيضاً أن روسيا ليست معنية بانقسام أو إعادة هيكلة العالم الإسلامي، بل تتمسك بموقف ثابت لتعزيز وحدته.

تحمل رسائل تطمين للعالم العربي والاسلامي حول حقيقة النوايا الروسية في علاقتها مع العالم العربي والاسلامي حيث تطرق بوتين إلى مشروعات تقسيم العالم الاسلامي في اشارة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة ومخططاتها التقسيمة والتي باءت بالفشل بعد تعثر ما يسمى "بالربيع العربي" ، فقد حاول بوتين من خلال هذه التصريحات ان يرسم معالم طريق العودة للمنطقة العربية من خلال التأكيد على وحدة العالم الاسلامي كهدف تتبناه روسيا .

صحيح اننا قد لا نتوقع عودة مشهد ثنائية القطبية التي حكمت النظام الدولي لعقود ابان الحرب الباردة ولكن ربما نشهد مجتمع دولي أقل احتكاراً وهيمنة من قبل قطب واحد وهو الولايات المتحدة ، ونظام دولي تحكمه التوازنات في اطار تعدد مراكز القوى والتأثير.