العنصرية الصهيونية إلى أين ؟

تابعنا على:   18:02 2019-05-22

صالح عوض

لقد بذل المشروع الصهيوني وسعه ولم تدخر القوى الاستعمارية جهدا في دعمه لتثبيت الكيان الصهيوني على ارض فلسطين التاريخية على حساب حق الشعب العربي الفلسطيني..إلا انه وبعيدا عن محاولات البعض الخسيسة لانتشاله من التيه والقلق الوجودي ورغم ضعف رسمي فلسطيني عن مواصلة الكفاح من اجل تقويض الكيان الصهيوني وتفكيكه فقد اصبح فشل الحروب المستمرة على الشعب الفلسطيني وفشل المحاولات الدءوبة  لاقتلاع أهل فلسطين ، وعدم قدرة الكيان إن ينشئ واقعا صهيونيا منسجما داخليا على مستوى تركيبه الاجتماعي وعلى مستوى حاجاته الضرورية أوفي المنطقة حيث العزلة تخنقه وإذا به قد انتهى إلى المجهول على أكثر من مستوى استراتيجي ليعود الحديث مجددا داخل قياداته ونخبه عن السؤال الوجودي ..

  وعلى الصعيد الموضوعي لم يعد مقبولا على مستوى العقل والضمير الإنساني أن تدعي مجموعة بشرية تميزها عن بقية البشر لاعتبارات ما ، أوان لديها حقا إلهيا بالسيطرة في مكان ما، وليس لأي مجموعة بشرية أن تقرر واقعا حسب معتقداتها هي، فتفرضه قهرا على البشرية..بل لعل قادة صهاينة بدأت الزلازل تصيب أفكارهم العنصرية وقد كانوا من قبل غلاة الصهيونية وقادتها..

      وعلى سبيل المثال، وصف رئيس البرلمان الإسرائيلي الأسبق الذي اعتزل الحياة السياسية عام 2004 (أبراهام بورغ)وصف إسرائيل في كتاب بعنوان( الانتصار على هتلر) بأنها تسير على درب (هتلر) وتنتظر المصير نفسه، وأنها دولة فاشية تقودها زمرة من الفاسدين الخارجين على القانون طالما تتمسك بالأفكار الصهيونية، وتستخدم العنف لإخضاع الفلسطينيين وسحقهم.‏

الأستاذ بجامعة تل أبيب (شلوموساند) تحدث في كتابه ( كيف تم اختراع الشعب اليهودي- من التوراة إلى الصهيونية) عن اختراع أسطورة الشعب اليهودي المختار من قلب الخرافات والأساطير التي حفلت بها التوراة.‏ .وخلص إلى القول : (أنا لا أخشى من أن أكون من الخزر ولا أخشى من تقويض وجودنا ولكن الذي يقوض وجودنا أكثر هو طبيعة دولة إسرائيل التي يجب أن تصبح دولة مفتوحة متعددة الثقافات، وأن تكون دولة لكل سكانها. إننا يجب أن نعمل بجد لتحويل بلدنا هذا إلى جمهورية إسرائيلية حيث العرق والدين ليس لهما دور في نظر القانون. وإذا كنت فلسطينيا فإنني سأثور على دولة مثل هذي ومع أنني لست عربيا بل إسرائيلي.. فإنني أثور عليها)

(إبلان بابي) الأستاذ في جامعة حيفا تحدث في كتابه (التطهير العرقي لفلسطين) عن الجرائم والمذابح التي ارتكبها الصهاينة بحق شعب فلسطين، والتي تكذب ادعاءات أن الفلسطينيين هم من تركوا أرضهم وباعوها.‏ وانتهى به الأمر إلى الهرب إلى بريطانيا للعمل في إحدى جامعاتها. هذه أمثلة عن باحثين إسرائيليين تحدثوا عن وجه إسرائيل القبيح وتاريخها الملطخ بالدم الفلسطيني والعربي وأمثالهم كثير من صحفيين ومفكرين و حاخاميين.

وقد احتل هذا الجدل الإسرائيلي مساحات في الصحف الإسرائيلية،فقد نشرت صحيفة (هآرتس) في 14/4/2008 حواراً مع البروفسور والوزير السابق وأستاذ القانون في جامعة تل أبيب (روبنشتاين)  أكد فيه أن إسرائيل لايمكن أن تستمر في البقاء لسببين اثنين: أحدهما التهديد الخارجي من قبل العرب، والثاني هو التهديد الداخلي الذي يتجسد في الفساد وتآكل ما أسماه ( منظومة القيم الصهيونية) إضافة إلى أن ممارساتها جعلت الصراع معها يأخذ بُعداً إسلامياً وليس عربياً فقط، الأمر الذي وسع رقعة العداء لها، كما تطرق (روبنشتاين) هذا إلى مظاهر تحلل التجمع الإسرائيلي، مثل ميل الشباب إلى عدم التضحية، وتراجع الحماسة للانضمام إلى الجيش، وهذه النقطة أشار إليها أيضاً مدير مدرسة (إعداد القادة) في تل أبيب (ايرز يشل) في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في 3/4/2008 قال فيه : إن قادة الدولة لم يعودوا مثالاً يحتذى به للشباب الإسرائيلي, ففي الوقت الذي يشنون الحروبيستثنون أولادهم من تحمل عبئها مدللاً على ذلك بأن ابني (أولمرت) سافرا إلى الخارج تهرباً من الخدمة العسكرية.‏

الجنرال(شلوموغازيت) الرئيس الأسبق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية انتقد في مقال صحفي نشر في 9/4/2008 رفض إسرائيل التجاوب مع رغبة العرب في السلام, معتبراً أن الوضع القائم هو الذي سيؤدي إلى تصفية إسرائيل، طالما أنها لا تعود إلى حدود عام 1967.‏

كبير المعلقين في صحيفة ( يديعوت أحرونوت) المدعو( نحوم برنيع) الذي توقع فشل إسرائيل في حربها على لبنان صيف عام 2006 من أول يوم فيها, أشار في مقال له في 19/,4 الماضي إلى أن الناس في إسرائيل يفقدون الثقة ببقائها ومستقبلها، وأن هناك نوعاً من اليأس بين مواطني إسرائيل ليس من الحروب التي وقعت أو القادمة منها، بل بسبب عدم القدرة على توفير الأمن لليهود الذين يعيشون فيها رغم مظاهر القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية التي تتمتع بها.‏

وذكر ( برنيع) أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لايزال حتى مجرد وجودها مثيراً للجدل،في حين لا يشك أحد في العالم بحق الفلسطينيين في إقامة دولة. ويعدد الباحثون والمفكرون الإسرائيليون المظاهر التي تدعم تنبؤاتهم بالمستقبل المظلم لإسرائيل، فما هذه المظاهر؟‏

1- قرار الوكالة اليهودية بالتوقف عن محاولات إقناع يهود العالم بالهجرة إلى إسرائيل, ما يعني فشل قوة الدفع التي اعتمدت عليها الصهيونية العالمية طويلاً, ويؤكد( أبراهام تيروش) سكرتير ثاني حكومة شكلها( مناحيم بيغن) في مقال له نشر في 28/2/2008 أن اليهود في أرجاء العالم باتوا يرون بأم أعينهم مخاطر العيش في إسرائيل بأنها تفوق مخاطر( اللاسامية) في أوروبا، ويدلّل على ذلك أن دراسة أجريت بين اليهود الأميركيين أكدت أن 70% منهم لم يزوروا إسرائيل ولا يرغبون بذلك، وأن 50% منهم لا يعيرون اهتماماً لزوال إسرائيل من الوجود!.‏

 2- المظهر الآخر الذي يدل على تغلغل اليأس في نفوس الإسرائيليين من مستقبل كيانهم هو السعي المتزايد للحصول على جوازات سفر أوروبية لمغادرة إسرائيل عند توفر الفرصة المناسبة, إلى جانب ما ينتج عن هذه الظاهرة من انقسامات في المجتمع, وتباينات فكرية واجتماعية، لأن البعض يحصل على مثل هذه الجوازات، والبعض الآخر لا يتمكن من ذلك.‏

3- إن عزوف يهود العالم عن الهجرة إلى إسرائيل يعود لكفرهم بالأساطير التي قامت عليها إسرائيل, وهذا ما أكده (يولي غولد شتاين) من قادة الجالية اليهودية في (كندا) في مقال نشرته جريدة( هآرتس) بتاريخ 22/3/,2008عندما أشار إلى أن الأساطير التي كانت تحاك لإقناع يهود العالم بالهجرة إلى إسرائيل لم تعد تنطلي على أحد، وذكرت في الوقت نفسه أن85% من اليهود في مدينة(مونتريال) التي تضم أكبر تجمع في (كندا) قد هاجروا أصلاً من إسرائيل التي بذلت جهداً كبيراً لجلبهم من الاتحاد السوفييتي السابق.‏

نحن لانريد أن نكرر هنا ما يعتقده الكثيرون من علماء الإسلام بان إسرائيل لن تشهد عام 2020 إلا وهي مفككة ..إن الموضوع لا يقف إلى هذا الحد بل إن دراسات علمية اقتصادية واجتماعية قامت بها لجان مختصة ورسمية في إسرائيل وكذلك في عواصم أوروبية أخرى لاسيما في موسكو ولندن تفيد بان إسرائيل لن يكون لها وجود بعد عام 2025  وذلك من وجهة نظر اجتماعية اقتصادية واقترحت الدراسات المقدمة حلولا لتجنب تداعيات هذا الوضع وهي حلول لايمكن تحقيقها بحال من الأحوال.

  إننا ننظر بعين الاهتمام وبايجابية إلى مئات المواقف الناضجة وذات المكانة السياسية والفكرية الفاعلة داخل التجمعات اليهودية من سياسيين ومفكرين وصحفيين وأكاديميين وقطاعات شعبية في العالم وإسرائيل والتي بدأت تتكشف وتخرج للسطح تنادي بتفكيك الكيان الصهيوني العنصري وذلك حفاظا على مستقبل  اليهود وإنقاذا لهم قبل كل شئ وبعض هذه الفعاليات تواجه تضييقات واعتداءات من قبل العنصريين الصهاينة وأصدقائهم في المؤسسات الاستعمارية الغربية تصل إلى حد السجن والاعتداء بالسلاح..

كما أننا ننظر بعين الاحترام للأصوات العلمية التي تنبعث من مراكز العلم والثقافة في بعض العواصم الأوروبية لاسيما جامعة أكسفورد والتي تصر على أن لا حل للقضية الفلسطينية إلا حل الدولة الواحدة لكل مواطنيها من مسلمين ويهود ومسيحيين..ولكن رغم ذلك كله ومع أهميته القصوى ، فانه مهما توفرت الشواهد والأدلة على وجود تيار بدأ يتشكل داخل التجمعات اليهودية يخدم قضية التعايش وحل الدولة الواحدة، وأن دولة الغيتو العنصرية آيلة إلى التفكك والانهيار فإن هذا يجب ألا يكون موضع رهان ودافع إلى انتظار ماهو آتٍ من الطرف الآخر.إننا ندرك أن الطرف الآخر لن يجد بداً من الاقتناع بالانسحاب من عنصريته المسلحة بالجريمة وإنهاء مشروعه العنصري لأنه سيقتنع أن هذا السبيل الذي ينهجه الآن قادة الكيان العنصريين لن يوصله إلا إلى مزيد من الصراع والدم والقتل قال تعالى: ( إن كنتم تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لايرجون) ،وان حلا إنسانيا للجميع يأخذ بعين الاعتبار المستجدات على الأرض هو فرصة الخروج من مسلسل العنف والدم و اللا استقرار.. لذا على الفلسطينيين و العرب استمرار اليقظة والحذر، والسعي لامتلاك عوامل المنطق الصحيح والتأثير الضاغط والقوة والمنعة والهجوم بروح الإنسان ضد العنصرية المجرمة.. لأن هذا هو وحده الذي  ينجز الوضع الطبيعي الإنساني وينشئ الاستقرار والسلم والتعايش الحضاري في المنطقة.‏

لقد أدرك قادة الحملة الاستعمارية الاستيطانية العنصرية على فلسطين أن استمرار وجود الكيان الصهيوني حيا وفاعلا يتطلب عدة شروط ذاتية وموضوعية ، أما الشروط الذاتية فتتمثل في المعامل الاستعماري ومدى حشده لقواه وتفعيلها بما يحقق لها التفوق الاستراتيجي الدائم على أكثر من صعيد ضد المنطقة الأمر الذي يزود هذا التركيب الجديد المتمثل بالكيان الصهيوني العنصري بالشعور بالأمن الوجودي ويهيئ له مناخات للعمل والنماء وفرض التفوق على المحيط..أما الشروط الموضوعية فتتمثل في أوضاع القابلية للاستعمار في المنطقة وتوفير شروط الإرهاق المستمر والنزف والتدمير لمكونات الصمود والقوة في المجتمع الفلسطيني والعربي ..وبالتقاء هذين المعاملين متكاملين يضمن الوجود الصهيوني إمكانية استمراره في المنطقة ولن تصبح كل القرارات الدولية ذات بال فيما يخص الحق الفلسطيني.

كلمات دلالية