بعيداً عن السموم

بالصور.. شاب وشقيقته من غزة ينتجان المحاصيل بـ "الزراعة المائية"

تابعنا على:   19:20 2019-05-09

أمد/غزة- أحلام عفانة: اختار المهندسان الأخوان عازم وصفية أبو دقة فكرة مشروع مميز تخدم تخصصهما، كما وتحل مشكلة كبيرة في القطاع الزراعي، فكانت "الزراعية المائية" هي الحل لبعض الأمور التي تواجه المزارعين، من مثل: مشكلة نقص المياه وملوحتها وبعض أمراض التربة.

درس المهندس عازم أبو دقة البالغ من العمر (27 عاماً) وأخته المهندسة صفية أبو دقة صاحبة الـ (25 عاماً)، في كلية الزراعة بجامعة الأزهر تخصص إنتاج نباتي ووقاية، وذلك حباً ورغبة بهذا التخصص كما أنه كان أفضل الخيارات بالنسبة لهم نظراً لوجود شواغر به في قطاع غزة.

دوافع ومميزات

أوضح المهندس أبو دقة في حديث مع "أمد للإعلام"، أن الزراعة المائية تحل مشكلة المياه بشكل كبير، إذ يصبح توفير للمياه بنسبة (90%) نظراً لوجود خط راجع للمياه بحيث يعود لنفس المكان الذي جاءت منه المياه وهو (البرميل)، أما كمية الفقد تتراوح ما بين (5% - 10%)، بعد ذلك يصبح تصريف للمياه وتعود ثانيةً للري بها مرة أخرى وتستمر العملية حتى انتهاء مدة المحصول والبدء بمرحلة الحصاد.

وأضاف لـ "أمد للإعلام": "كما نقوم بخلط خط مياه حلوة مع مياه مالحة لحل مشكلة ملوحتها، إلى جانب الابتعاد عن مشكلة أمراض التربة كما في الزراعة التقليدية التي تضطر حينها للجوء إلى رش المبيدات واستخدام "الكيماوي" على عكس الزراعة المائية، ومن مميزاتها أيضاً نزرع في مساحة 200 متر لكنها تكفي عن مساحة واحد دونم من الزراعة التقليدية، هذا ما يعني مضاعفة الإنتاجية في وحدة المساحة".

جلّ هذه الأسباب هي التي دفعت الأخوان إلى التوجّه للزراعة المائية دون التقليدية، غيرّ أنها أسرع في نمو النبات بنسبة "مرتين أو ثلاثة" أي تقليل وقت الإنتاجية، ومثّل قائلاً: "قمت بزراعة الخس في التجربة الأولى احتاج من 40 – 45 يوم فقط حتى كان جاهزاً للبيع، أما الزراعة التقليدية فيحتاج حوالي 70 – 80 يوم حتى ينمو ويكون جاهزاً للبيع".

وأكد أبو دقة على أنه بعد تجربته الأولى في المحاصيل الورقية مثل "الخس"، بصدد العمل خلال الأيام القادمة على نوع ثاني من المحاصيل وهي المحاصيل الثمريّة مثل: البندورة والخيار.

تمويل المشروع

عثر الأخوان على إعلان على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" من جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي يحتاجون أفكاراً جديدة تكون صديقةً للبيئة، فتقدّم الأخوان بفكرة مزرعة مائية "هيدروبونيك"، وحصلوا على القبول من بين "3" آلاف فكرة قُدّمت.

بعد القبول، بدأت المرحلة الثانية بتنظيم الجمعية تدريب لمن تم قبول فكرتهم مدة "10" أيام، حول كيفية إدارة المشاريع والتخطيط لها، والتكنولوجيا الخضراء، من ثم تم حصولهم على التمويل.

يشار إلى أن المشروع كان ممولاً من الـتعاون الألماني ""pmz بالشراكة مع جمعية إنقاذ الطفل الدولية، وذلك بتنفيذ جميعة إنقاذ المستقبل الشبابي، التي بدورها أشرفت على كافة مراحل المشروع حتى أتمّت الأمور.

بداية المشروع

خلال شهر يناير العام الحالي بدأ الأخوان بتنفيذ المشروع بعد حصولهم على تمويل بما نسبته "70%"، حيث عملا مخططاً لفكرتهم وتواصلا مع شركة للدفيئات للبدء بتأسيس الدفيئة الخاصة بهما، بعد ذلك حاولا التواصل مع خبراء بالخارج للحديث حول الآلية والطريقة المميزة التي يمكنهما العمل بها، فخرجا بالشكل الهرمي لـ "الاستاندات" التي يوضع عليها الحديد، من ثم أتمّا عمل نظام المياه والخط الراجع وكافة الأمور لحين موعد الزراعة.

آلية التشتيل

وأشار أبو دقة إلى أن "نظام التشتيل يكون في صواني، حيث يتم تشتيل البذور وريّها بشكل مستمر، مع المحافظة على نسبة رطوبة وملوحة معينة، بعد ذلك تُنبت هذه البذور وتصبح شتلة، بعدها يتم نقل الشتلة الصغيرة التي يصل عمرها إلى 7 أيام للكاسات المثبّتة في الحديد داخل الدفيئة".

تتم عملية الزراعة داخل الكاسات التي لا تحتوي على أي نوع من أنواع الرمل أو تربة، كل ما يوجد داخلها فقط نوع من "الـصخور البركانية" إذ يتم عملية تثبيت الشتلة بتلك الصخور التي من فائدتها أيضاً المحافظة على نسبة رطوبة معينة حول الجذع، أما عملية الري فتكون من مرتين إلى ثلاث مرات يومياً وذلك يتم بنظام مؤقت "تايمر" يتم ضبطه ليروي "5" دقائق كل ساعتين أو ثلاث ساعات مرة.

الصعوبات

من أبرز الصعوبات التي واجهت الأخوان، عدم وجود خبراء يساعدونهم في نظام هذه الزراعة بغزة، فاضطرا للتواصل مع أشخاص من الخارج لإفادتهما بالموضوع، بالإضافة إلى عدم توفر المحاليل المغذية "الأسمدة" للنبات التي يستفيد منها ويتأهل لمرحلة النمو، والعائق الأكبر هو توفير هذه المواد الكيميائية والأسمدة من الخارج في ظل المنع الأمني لبعض المواد، ما دفعهما للعثور على بدائل للخروج بالمحلول الخاص بهما وإكمال المشروع.

تكلفة عالية

نوّه أبو دقة إلى أن التكاليف التأسيسية مرتفعة جداً، في حين أن التكاليف التشغيلية بسيطة جداً مقارنة بالزراعة التقليدية، حيث يتم توفير نسبة "80" من الأسمدة، و"90%" من المياه، بخلاف الزراعة التقليدية التي تحتاج إلى مياه بشكل كبير.

نظام التسويق

المنتج له نظام تسويق معين، إذ يكون له طابعاً خاصاً يدل على أنه زراعة مائية عضوية دون مبيدات بعيدة عن أي نوع من السموم وخالية من الأمراض، كما أن هناك أماكن ومحلات مخصصة بغزة لبيع مثل هذه الزراعة العضوية.

متابعة

وبيّن أبو دقة أنه يقوم بزيارة الدفيئة بشكل يومي رفقة أخته، لمتابعة أمور الزراعة واكتشاف المشاكل التي قد يتعرض لها النبات والقيام بمعالجتها فوراً، نظراً لأن هذا المشروع يحتاج إلى متابعة مستمرة.

وشدد على الحيوية والمرونة في التعامل بينه وبين أخته في إنجاز هذا المشروع، كما كان هناك تقاسم لمهام العمل بينهما، وأضاف قائلاً: "كانت عليها مهمة البحث على الإنترنت والمواقع الإلكترونية حول مثلاً كيفية عمل محاليل مغذية للنبات ومحاولتها إفادة المشروع بالأفكار الجديدة، أما أنا فكانت لدي مهمة التنفيذ وترتب النظام عملياً وتقنياً".

عزيمة وإصرار

وتابع: "على الرغم أن تمويل ليس كاملاً إلا أننا لم نقف مكتوفي الأيدي بل استكملنا من أنفسنا باقي التكلفة، وما زلنا مستمرين وراء فكرتنا لتحقيق طموحنا والوصول إلى الهدف الذي نسعى له، وقريباً سوف نعقد التجارب على أكثر من نوع من الزراعة".

وتمنّى أبو دقة أن يتم توسيع المشروع وتطويره بشكل أفضل، بحيث يصبح لدينا معدات أكبر بتقنيات متطورة خاصة بالزراعة المائية.

تاريخ الزراعة المائية

بدوره، أوضح المختص في الشأن الزراعي نزار الوحيدي، أن الزراعة المائية ظهرت تقريباً في مرحلة (1990 – 1994) وكانت حينها تجارب بسيطة لأفراد في قطاع غزة بشكل مبسط وبدائي، وكانت أشبه بالهواية وليست ذات بعد اقتصادي.

وما بعد عام (1996) تطورت الزراعة المائية أكثر، كما وأقامت وزارة الزراعة دورات تدريبية حول آلية الزراعة وكافة الخطوات بالتدريج، وتمّ تدريب ما يزيد عن "30" مزارعاً بعضهم بدأ ممارستها وتحولت عندهم إلى مشروع قائم على أرض الواقع.

وقال لـ "أمد للإعلام": "أصبح هناك مدرسة فلسطينية للزراعة المائية لها تجربتها الخاصة، وهناك بعض النماذج التي من الممكن أن يُبنى عليها فكر مطوّر أكثر وتحويلها لإنجاز أفضل".

في حين خلال الخمس سنوات الأخيرة الماضية، ظهرت بعض المشاريع الفردية التي يفكر بها الخريجين ويقومون بتنفيذها على أرض الواقع، مضيفاً: "وقفنا وراء هذه النماذج كثيراً وقدمنا لها الدعم الفني والعلمي بشكل كبير".

فوائدها

وبيّن أن من أهم فوائد الزراعة المائية، أنها بدون تربة، ومُقلّة جداً في استخدام المبيدات والأسمدة الضارة بالصحة بشكل كبير، أي إنتاج غذاء آمن بأدنى حد من التكاليف، والأهم أنها تستهلك كميات مياه قليلة جداً في الزراعة تصل إلى (15%– 20%) مما تستهلكه الزراعة التقليدية في الأرض وهذه ميزة جيدة لقطاع غزة خصوصاً، كما أنها زراعة محكومة في حيز ديّق ورغم ذلك فإن الإنتاج فيها أضعاف الزراعة الأرضية التقليدية.

وأفاد بأنها قريبة للمستهلك، ومن الممكن أن تشكّل مشروعاً استثمارياً صغيراً على حدود شرفة أو سطح المنزل، ويمكن أيضاً أن تكون أحد أهم أدوات الزراعة الحضرية، بالإضافة إلى إمكانية تحويلها إلى زراعة رأسية بحيث توفر المساحة الأرضية، وبالتالي تقدم حلولاً لمشكلتي المياه والمساحة التي يعاني منها المزارعين في القطاع.

أسباب تأخر انتشارها

وشدد على أن الزراعة المائية كانت استراتيجية وزارة الزراعة ولا تزال، حيث كانت حريصة على عقد العديد من الدورات التدريبية للمزارعين في هذا المجال، حيث أنها تقف بكل قوة وراء زراعة حضرية موفرة للمياه، وتخلق فرص عمل في أرضية المساحات.

ولفت إلى أن أهم الأسباب التي تمنع توجه جميع المزارعين لمثل هذه الزراعة، أولاً تغيير فكري يحتاج إلى من يتبنّاه من المزارعين، إذ أن ثقافة المزارع في معظم الأحيان لا تكفي للتغيير، كما أن الزراعة تحتاج إلى تقنيات عالية وهذا ما لا يتوفر عادة للمزارع، إلى جانب أنها تحتاج إلى مزارع مثقف ومتعلم يستخدم أدوات وتقنيات عالية، مثل: ضبط الملوحة والرطوبة والحموضة والقلوية وغيرها، فهذه جميعها صعبة على المزارع التقليدي وبالتالي يبتعد عنها.

وأردف قائلاً: "المزارع لا يفهم هذه اللغة بل يحتاج إلى إنتاج كمي فقط، يريد أن يرى إنتاجه الوفير، هذه من أهم المشاكل التي تجعلنا كمختصين في مجال الزراعة أن نقف مشدوهين كيف نحوّل فكر المزارع إلى تقبل التقنيات الحديثة والتغير والتطور في العالم أجمع، من أبسط الأمثلة: الإمارات والكويت بدأت الزراعة المائية بها في السبعينيات وأصبحت لها أصولها وقواعدها التي تسهم بشكل كبير في الإنتاج المحلي".

ونوّه الوحيدي إلى أن التكلفة الأولية للزراعة المائية مرتفعة، لكن بعد تجاوز المرحلة الأولى ألا وهي "التكلفة الإنشائية" تتحول إلى زراعة أكثر ربحاً، مشيراً إلى أنه من الممكن أن تكون منتجات هذه الزراعة أغلى من المتواجدة في الأسواق في حال كانت زراعة عضوية دون استخدام الكيميائيات".

مستقبلها بغزة

وأكد على أن مستقبل هذه الزراعة المائية مرهون بالوضع الاقتصادي في قطاع غزة، ففي حال تحسن الوضع الاقتصادي فكل شيء سيكون أفضل، كما يصبح هناك فرصة لمعاملات ما بعد الحصاد أي عملية إخراج للمحصول بشكل أفضل من ناحية حفظه وتغليفه بشكل جيد، وعمل تكلفة للمنتج الزراعي أفضل من الذي يتم التعامل به حالياً.

  

اخر الأخبار