خطايا إسرائيلية وأخطاء فلسطينية

00:09 2019-04-23

نبيل فهمي

أمد/ القاهرة – كتب نبيل فهمي*: تبذل جهات مختلفة جهوداً لمصالحة الأطراف الفلسطينية، باعتبار أن انقسامهم يضر ويضعف موقف المفاوض الفلسطيني أمام غريمه الإسرائيلي، ولقد تجاوزت هذه الجهود حدود الشرق الأوسط، لتشمل لقاءات في موسكو بداية شهر مارس (آذار) تقدماً.

أنشط هذه الاجتهادات وأوقعها، وعلى أعلى مستوى مع القيادات الفلسطينية تتم من خلال مصر، وقد حققت عدداً من الخطوات لتخطي تباين المواقف، إلا أنها رغم جديتها وحسن النوايا لم تنجح حتى الآن في تحقيق مصالحة فعلية، فالسلطة الفلسطينية ترى أن حماس استعصت سلطاتها، وانقلبت عليها في قطاع غزة، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على مصداقيتها، ومن جانب آخر ترفض حماس التنازل عما حققته من سيطرة على القطاع، وتتحفظ على ما تراه من محاولات بعض الحركات الفلسطينية الانفراد بالسلطة، من دون مراعاة المواقف السياسية للتيارات الفلسطينية الأخرى.

ولا تزال "الحالة الفلسطينية" على ما هي عليه من دون حل أو حسم، وهو وضع مخيب للآمال، لا يخدم الحق الفلسطيني، بل ويجعله أكثر عرضة للانتهاكات الإسرائيلية بصرف النظر عن المخطئ أو المصيب.

ورغم أسفي على الانقسامات الفلسطينية، أرفض تماماً وبكل قوة، تحميل الجانب الفلسطيني وانقساماته المسؤولية الرئيسية لفشل عملية السلام الإسرائيلية والفلسطينية، ولديّ قناعة راسخة أن العقبة الرئيسية وسبب فشل جهود السلام الفلسطيني الإسرائيلي، ما بعد مؤتمر السلام في مدريد في بداية التسعينيات، يقع على الجانب الإسرائيلي، لأنه لم يلتزم جدياً حتى الآن بحق الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية ذات السيادة على الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة. فتعثَّر وتباطأ اليسار الإسرائيلي في نهاية القرن الماضي في استثمار الزخم السياسي لعملية السلام، الذي كان متوفراً حينذاك، بل ترددت حتى في سحب الكتل الاستيطانية، التي كانت عقبة أمام إحراز تقدم، والتي خلقت الآن بعد اتساعها تحت ولايات حزب الليكود حاجزاً عاجزاً لتحقيق حل الدولتين.

لا يعني هذا بطبيعة الحال أن الجانب الفلسطيني استغل كل الفرص، التي كانت متاحة له أفضل استغلال. ويعلم أي مفاوض جيد ومتمرس أن أغلب المفاوضات، وفي مختلف الساحات والموضوعات مسألة تراكمية، تبدأ بتهيئة الظروف للتفاوض، وتحديد ما يمكن إنجازه في كل مرحلة تفاوضية، والتواصل لاستكمال المفاوضات بنجاح، بل وأيضاً بعد ذلك ضمان تنفيذ العناصر المتفق عليها بشكل سليم وأمين.

وأثبت التاريخ أن قيام طرف بفرض حل على الطرف الآخر هو الاستثناء لا القاعدة، ولا يتحقق اتفاق من جانب واحد إلا في حالة وجود منتصر قاهر ومستسلم، مثلما كان الحال بعد الحروب العالمية، وهي معادلة غير قائمة بين إسرائيل قوة الاحتلال والفلسطينيين الذين سُلبت أراضيهم، إنما لم يستسلموا عن الدفاع عن قضيتهم الوطنية.

وإنما جانب الفلسطينيون الصواب في التعامل مع عدد من العروض الأميركية الإسرائيلية، مثل مبادرة الرئيس كلينتون المسماة بالـClinton Parameters، التي طرحت قبل تركه الرئاسة الأميركية مباشرة، وكنت كسفير لمصر والأمير بندر بن سلطان سفير المملكة السعودية موجودَين مع الرئيس عرفات بفندقه في واشنطن خلال تلك المرحلة، وأكدنا أن القرار الفلسطيني بيد عرفات ورفاقه، إنما شددنا معاً على أن الرئيس الأميركي المنتخب جورج بوش لن يتحمس للتعامل مع قضية شهدت فشلاً أو أزمة مع نهاية ولاية الرئيس الذي سبقه، وقد ذكر لي عرفات خلال توديعه بمطار أندروز العسكري أنه وافق على هذه المبادرة بتحفظ، وهو موقف اعتبرته سليماً وحكيماً، إلا أنه لم يكن موقفاً مستقراً فلسطينياً، لأن الجانب الفلسطيني ركَّز في خطابه الشعبي واتصالاته فيما بعد على التحفظات وسلبياتها لا الجوانب الإيجابية من المبادرة، ولم يسع للبناء عليها.

هذا وتقتضي الأمانة التنويه إلى أن العاملين بإدارة الرئيس كلينتون لم يستغلوا العناصر الإيجابية في الموقف الفلسطيني، وفضَّلوا تحميل عرفات المسؤولية لصالح إسرائيل، وهو أسلوب للأسف اتبعته تلك الإدارة مع كل كبوة أو أزمة تفاوضية.

وثاني الحالات التي كنت أفضّل أن يستغلها الجانب الفلسطيني بشكل مختلف هي محادثات طابا المباشرة مع الإسرائيليين في نهاية ولاية رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك قبل أن يخسر الانتخابات، التي أنجزت كثيراً من التقدم حول أغلب القضايا الفلسطينية الإسرائيلية، بما فيها الحدود واللاجئون، حيث فضَّل الرئيس عرفات انتظار نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، علماً أن المبعوث الأوروبي موراتينوس قام بعد ذلك بتجميع هذه النتائج فيما تسمى وثيقة موراتينوس، ولقد أثارت هذه المفاوضات حفيظة اليمين الإسرائيلي، نتيجة للتقارب الشديد للمواقف، فذهب يشكك في صلاحية باراك في التفاوض حول الموضوعات السيادية، وهو في صلب حملته الانتخابية.

أمَّا المثال الثالث، الذي قد يكون أوقع وأهم الفرص الضائعة، فكان مفاوضات الرئيس أبي مازن ورئيس وزراء إسرائيل أولمرت قبل إدانته قانونياً مباشرة، حيث طرح فيها الأخير عدداً من الصياغات والاقتراحات حول القدس واللاجئين، لم يسبق أو يعاد طرحها، ومن حساسيتها رفض أولمرت تسليم أي خرائط أو أوراق بشأنها، فاضطر الجانب الفلسطيني إلى رسم الحدود المقترحة للقدس على أوراق غير رسمية موجودة صدفة على مائدة اجتماع المجتمعين حولها.

أسجل هذه الأخطاء للتاريخ، وليس لتأنيب الجانب الفلسطيني أو الضغط عليه، فمرة أخرى العقبة الرئيسية لتحقيق السلام العربي الإسرائيلي، خصوصاً بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني هي رفض إسرائيل إنهاء احتلالها، واحترام حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة وطنية ذات سيادة.

وأسجل أيضاً أن إسرائيل هي من رفض الحل الإقليمي للنزاع العربي الإسرائيلي، بما في ذلك مبادرة السلام العربية عام 2002، القائمة على التفسير السليم لقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338، اللذين شكلا أساساً لاتفاقيتي السلام الإسرائيليتين مع مصر والأردن، والمبدأ الحاكم فيهما هو الأرض مقابل السلام، أي إنهاء إسرائيل احتلالها الأراضي العربية منذ عام 1967، مقابل احترام حق جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل في حياة آمنة في الشرق الأوسط.

خطايا إسرائيلية جوهرية، وأخطاء فلسطينية تكتيكية، نسجلها للحاضر والتاريخ، ونحن نشهد جنوحاً أميركياً وإسرائيلياً شديداً عن أسس السلام العربي الإسرائيلي الشامل، آخرها تصريحات ترمب حول فرض السيادة الإسرائيلية على الجولان، حتى قبل طرحه لما وصفه بأنه صفقة القرن، التي ستولد ميتة إذا لم يتم التعامل فيها بمعيار واحد، وهو استقلالية الهوية الوطنية لإسرائيل وفلسطين، في دولتين مستقلتين منفصلتين، على أن تظل المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس خارج السيادة الإسرائيلية.

*وزير خارجية مصر السابق

عن اندبندنت عربية