دروس من انتفاضتي السودان والجزائر

18:33 2019-04-21

علي جرادات

مقارنة بـ«الموجة الأولى» من الحراك الشعبي العربي، ثمة جديد في الموجة الثانية، الدائرة في كل من السودان والجزائر، لا بل جديد كبير يحرّض على التفكير، وينطوي على دلالات ودروس، لعل أهمها:
*أولاً، يبدو أن الشعب الجزائري، بأحزابه السياسية وحركاته الاجتماعية وأجياله الجديدة، قد تعلّم من مأساته الخاصة، أي مأساة «العشرية السوداء»، ومن مآسي الموجة الأولى للحراك الشعبي في أكثر من قطر عربي، فاختار سبيل الاحتشاد بالملايين في الميادين، إنما في إطار ثوابت لم يتزحزح، ولا يبدو أنه سيتزحزح عنها، هي، والرفض الكاسح للتدخلات الخارجية، وعدم الفصل بين الديمقراطي والوطني من المطالب، والتأكيد على الموقف القومي من قضية العرب المركزية، بآية رفْع العلم الفلسطيني إلى جانب العلم الجزائري. ويلفت الانتباه هنا أن هذه الثوابت هي محط إجماع وطني بين أغلب قوى وأحزاب المعارضة والموالاة، والشعب الجزائري عموماً، الأمر الذي قاد إلى عدم إسالة قطرة دم واحدة، وإلى تعاضد الشعب الجزائري وجيشه الوطني، وإلى اتفاقهما على التغيير، وحصر الخلاف بينهما حول هل يتحقق التغيير المنشود عبر المسار الدستوري، فقط، كما تحاول قيادة الجيش حتى الآن، أم عبر المزج بين المسارين الدستوري والسياسي، كما يطالب أغلب الشعب؟ ويلفت الانتباه، أيضاً، أن حركات «الإسلام السياسي»، وجماعة «الإخوان المسلمين» تحديداً، لا تتصدر المشهد في الميادين، بل تشارك كحزب سياسي بين أحزاب، خلافاً لما حصل في الموجة الأولى للحراك الشعبي العربي.
ويلفت الانتباه، أيضاً وأيضاً، المشاركة الواسعة للمرأة والجيل الشبابي، واستمرار المحتجين في التدفق إلى الميادين بعد استقالة الرئيس السابق بوتفليقة، خلافاً لما كان عليه الحال في الحراك الشعبي في كل من تونس ومصر، مثلاً، ما يعني أن الحراك الجزائري يصر على تغيير بنية النظام، وليس رأسه، فقط.
*ثانياً، أما الشعب السوداني فحافظ على استمرار وسلمية حراكه، رغم ما تعرض له من قمع أسفر عن استشهاد العشرات، وجرح المئات، واعتقال عدد كبير من النشطاء الميدانيين والقيادات السياسية من مختلف قوى وأحزاب المعارضة. وكان لافتاً أن يتصدر المشهد «تجمع النقابات المهنية»، وإطار «إعلان قوى الحرية والتغيير»، واتفاق جميع أطراف المعارضة على شعار ناظم للفعل الميداني، هو: «حرية، سلام، عدالة»، ما يعني توافر قوى سياسية مُنظمة، توافقت على قواسم مشتركة، وتصدت لمهمة قيادة الحراك الشعبي، وبلورت برنامجاً بديلاً لبرنامج الحزب الحاكم، «المؤتمر الوطني»، ورديفه، «الحركة الإسلامية»، كطرفين ينتميان لجماعة «الإخوان المسلمين»، وحكما السودان، رغم ما وقع بينهما من خلافات، مدة ثلاثين عاماً، بكل ما تخللها من «تجريف سياسي»، وغياب للحريات، وتزييف للانتخابات، وتقلبات دراماتيكية في التحالفات الخارجية، وانفصال لجنوب السودان، و«أسلمة» للمجتمع والدولة، وتدمير لمقدرات البلاد وتفتيت وحدتها السياسية والمجتمعية والوطنية والجغرافية، وفساد وإفساد، ونهب واحتكار لخيراتها، وإدخالها في حروب داخلية وصراعات خارجية زائدة، لا ناقة ولا جمل فيها للشعب السوداني. وكان لافتاً، أيضاً كما في الحراك الشعبي الجزائري المشاركة الواسعة للمرأة والجيل الشبابي، والحفاظ على استمرار الحراك والاعتصام الحاشد في ساحة مباني قيادة القوات المسلحة، سواء بعد إطاحة الرئيس السابق عمر البشير، أو بعد تشكيل «المجلس العسكري الانتقالي»، بقيادة وزير الدفاع ونائب الرئيس، عوض بن عوف، أو حتى بعد تشكيل «مجلس عسكري» جديد، بقيادة الفريق الركن عبد الفتاح البرهان، رغم ما اتخذه الأخير من خطوات إيجابية لمصلحة التغيير المنشود، بل ولا يبدو أن الحراك الشعبي والاعتصام الحاشد سيتوقفان قبل اقتلاع بنية النظام، وانتقال السلطة لمجلس مدني انتقالي تشارك فيه القوات المسلحة في وزارتيْ الدفاع والداخلية.
الشعوب العربية، ككل الشعوب، تتعلم من تجاربها، فيما لا شيء يلد في التاريخ ويخرج منه كلياً، آخذين في الحسبان أن المسألة هنا صراعية ونسبية، وتختلف، بالمعنى النسبي، من دولة إلى دولة، أما نتائجها النهائية فتحددها، (خلافاً لما اعتقد الكثيرون، وأولهم جماعة «الإخوان المسلمين»)، إرادة الشعوب وطبيعة ميزان القوى القائم، بالمعنيين الداخلي والخارجي.