مبدع من زمن الاشتباك"لذكرى الشاعر و الكاتب الكبير علي الخليلي"

22:43 2013-10-04

يحيى رباح

يرحم الله شاعرنا و مبدعنا الفلسطيني الكبير علي الخليلي الذي غادرنا إلى دار الحق، و صعدت روحه إلى بارئها راضية مرضية، و خلف فينا إرثاً موصولاً و ذكرى عميقة من خلال إبداعاته الشعرية و كتبه التي دافع فيها عن العمق الثقافي لشعبه الفلسطيني الذي يخوض اشتباكاً على مدار اليوم و الساعة و الدقيقة مع عدو نحن في حالة اشتباك قصوى معه على كل شيء ابتداءاً من هوية الأرض وصولاً إلى هوية الذاكرة، و كان علي الخليلي واحداً من فرسان ذلك الاشتباك، و أمراء ذلك الاشتباك حتى اللحظة الأخيرة في حياته.

تعرفت على شاعرنا و مبدعنا علي الخليلي لأول مرَة عن بعد، فقد كان هو من طيور الوطن بينما كنت أنا من طيور المنفى، كان هو في نابلس، المدينة الجميلة العريقة، عاصمة جبل النار، و كنت أنا الغزاوي في بيروت و في جنوب لبنان، و يبدو أنه كلف من الأخ أبو جهاد خليل الوزير الذي كان يشرف على ما كان يطلق عليه القطاع الغربي، أي العمل داخل فلسطين المحتلة، بتأسيس البنية الثقافية، على صعيد تأسيس نقابة للكتاب و الأدباء و نقابة الصحفيين، و لم يكن الأمر سهلاً بطبيعة الحال، و أذكر أن الأخ أبو جهاد أبو الشهداء، كانت له طريقته الخاصة في إثارة إهتمامنا نحن المثقفين بكتابنا و أدبائنا في الداخل في الضفة و القطاع و القدس، فقد كان مبدعونا داخل الأخضر قد تم التعرف عليهم، و انتشر انتاجهم، و تضاعفت شهرتهم قبل ذلك من خلال جهود مثابرة قام بها على وجه الخصوص غسان كنفاني المبدع الفلسطيني المبهر، و صديقه في مصر الناقد الشهير رجاء النقاش!!!

أما الحركة الثقافية في الضفة و القطاع و القدس التي احتلت عام 1967 فكان لها إيقاع خاص بحكم الاشتباك اليومي مع الاحتلال، و كان من أبرز المعنيين بهذه الحركة الثقافية القائد البارز أبو جهاد خليل الوزير ضمن مسئولياته الكبرى!!!

و كنت في العام 1978 مفوضاً سياسياً لقواتنا في جنوب لبنان، و عضواً في إتحاد الكتاب و الصحفيين الذي تشكل منذ العام 1972، و أكتب في الصحف و المجلات و الدوريات الفلسطينية و العربية، و قد أعطاني أبو جهاد ذات مرة رواية عنوانها "الطوق" لغريب عسقلاني الذي عرفت فيما بعد أنه إبراهيم الزنط من مدينة المجدل، فكتبت عنها في الصحافة الفلسطينية ، و بعدها أعطاني ديوان شعر لعلي الخليلي الذي اكتشفت بعد ذلك أنه قامة كبيرة من قامات الإبداع داخل فلسطين المحتلة، و كان شاعراً و كاتباً مرموقاً، و قد فاقت مؤلفاته الأربعين مؤلفاً، و ظل في آخر أيامه كما في أول شبابه مستغرقاً في مهمته التي انتدب نفسه لها منهمكاً في الاشتباك دفاعاً عن شعبه، دفاعاً عن هوية الأرض و الإنسان، دفاعاً عن عمق الوجود، و عن مآلات المصير، لا تهمه التبدلات التي تظهر على السطح، لأن جوهر القضية يسكنه باستغراق!!!

حاضر بكليته في الفعل الثقافي و غائب بكليته عن مواسم الألقاب و المكافآت، متصالح مع نفسه إلى حد يشبه الاستغراق الصوفي، يزدحم المزدحمون حول القصعة، هذا ينهش لقباً، أو وساماً، أو جائزة، أو وظيفة لامعة، بينما هو منهمك في الاشتباك دفاعاً عن جوهر القضية، و جوهر القضية هو الوجود، و استمرار إنتاج هذا الوجود دون انقطاع، فهذا ما يمكث في الأرض فأما الزبد فيذهب جفاءً.

و على هذا المنهج، الثبات و الوفاء و الرؤيا المستشرقة السابقة للرؤية المتعثرة، ظل علي الخليلي إلى آخر نفس، يحصل على مكافأة من نوع فريد و هي محبة للناس، الفقراء، الأغلبية، أهل الأرض و أهل القضية، فهل هناك جوهرة أغلى من هذه المحبة؟؟؟

اخر الأخبار