بين الديمقراطية والمغالبة

تابعنا على:   14:19 2014-06-22

معين الطاهر

منذ نشوء الدولة القطرية , وموضوعات الديمقراطية والحريات وتداول السلطة تراوح في مكانها في بلادنا العربية . سواء كان ذلك في ظل أنظمة رجعية , أو تحت سطوة الانقلابات العسكرية , او نتيجة لحكم الحزب الواحد . وتحت مبررات شتى تمتد من ضرورة صياغة نموذج خاص بنا لم نتمكن بعد من ابتكاره , الى استخدام التبرير الأيديولوجي , والشعارات القومية ,والقضايا الوطنية , والصراع مع العدو . اما النتيجة فواحده , حكم للنخبة فقط , سواء كانت حزبا ام عسكر ام عائلة , وتغييب كامل لقطاعات واسعة من الجماهير عن المشاركة في صياغة مستقبلها , والدفاع عن قضاياها وأوطانها , يتساوى في ذلك الرجعيون والتقدميون , والملكيات الوراثية أوالجمهوريات التي يجدد لحاكمها طالما هو على قيد الحياة , ويحدد الحاكم غالبا خليفته من بعده , في استفتاءات صورية , تناهز نسب المشاركة االمزورة فيها اجماع الأحياء والموتى .

واذا كان يسجل لانتفاضات الربيع العربي ( بما له وما عليه) , أنه قد رسخ في الوجدان العربي عددا من الاطروحات , مثل تداول السلطة , والتوقف عن تحويل الجمهوريات الى ملكيات , ومكافحة الفساد , والاحتكام الى صناديق الاقتراع , ومشاركة فعالة للمرأة في الحراك الشعبي . الا أن ثمة دروس ينبغي التعلم منها , وثمة مفاهيم متداولة ما زالت غير مكتمله في الوعي السياسي الجمعي , وتؤخد على علاتها , وبما فيها من قصور , او عدم ملائمة للظروف المحلية , مقتفين في ذلك النموذج الديمقراطي الغربي , دون ادراك انه عندما واجهت الديمقراطيات الغربية أزمات وطنية كبيره , او معارك حاسمه , فانها لجأت لصياغة ائتلاف واسع , او تشكيل ما يعرف بحكومات الوحدة الوطنية من كافة ألوان الطيف السياسي , في تعبير عن وحدة الأمة في مواجهة اخطارها . وحسبنا أن نذكر هنا حكومات العدو الصهيوني خلال الحروب العربية الاسرائيلية, او حكومة تشرشل في الحرب العالمية الثانية , او حتى اللجوء المستمر للرئيس اوباما في مشاورة رؤساء حزب المعارضه في الكونغرس للاتفاق على آليات مواجهة الأزمات .

ان ما نسعى اليه في هذا السياق هو التمييز بين الديمقراطية والمغالبة , ومحاولة رؤية ما تتطلبة الظروف الموضوعية لبلادنا العربية , في سعيها نحو التحرر والحرية والتقدم والوحدة . وينطبق هذا على كل اشكال الاحتكام الى صناديق الاقتراع , سواء كان عبر انتخابات لاختيار ممثلي الأمة , او في النقابات والجمعيات الأهلية , أو حتى لدي صياغة التحالفات السياسية في شتى مواقع العمل السياسي والاجتماعي والنقابي .

من نافل القول أن الفوز بأي انتخابات تتم بالأغلبية النسبية , اي أن التفوق على المنافسين بعدد قليل من اصوات الناخبين . قد يكفي للحصول على الشرعية القانونية , الا أنه قد لا يكفي لضمان قيادة المؤسسة او البلد بطريقة ناجعة , تؤدي الى تحشيد غالبية القوى من أجل تحقيق الأهداف المعلنه . حسبنا ان تتذكر كم تبلغ نسبة الذين قاموا بالانتخاب من اجمالي من يحق لهم ذلك , وهي في احسن النماذج لا تتعدى الخمسين بالمائة , وكم تبلغ نسبة الأصوات التي يحصل عليها الفائز, خصوصا في ظل تعدد المرشحين من المجموع الكلي . ان نتائج اي استقصاء محايد تقول ان الفائزين عادة تتراوح نسبهم من اجمالي من يحق لهم التصويت ما بين عشره الى ثلاثين بالمائة . وبمجرد اعلان النتيجة يغدو الفائز قائدا للامة او الجمعية او النقابة وممثلا لها . قد يكون اكثر عدلا لو كان النظام الانتخابي مبنيا على نظام القوائم النسبية المبني على حصول كل قائمة على مقاعد تماثل ما جنته من نسبة أصوات المقترعين , وبذلك تتم مشاركة الجميع في القيادة والمسؤولية . لكن هذا النظام الانتخابي ما زال غائبا عن غالبية مؤساساتنا . بل أن القوى المسيطرة لا تكل ولا تمل في كل دورة انتخابية ,عن اختراع وتشريع قوانين جديده , تكاد تنسف النزاهة والعملية الديمقراطية برمتها .

على أن اهمية هذا الموضوع يتجاوز الأرقام والاحصاءات والأطر القانونية , ليشمل الرؤى السياسية لظروف بلادنا العربية , وواقعها الاجتماعي والسياسي , وقوى الثورة والثورة المضاده , وتناقضها الرئيس مع أعدائها الخارجيين , وفي مقدمتهم العدو الصهيوني . كما تمتد لتشمل التكوينات القومية والعشائرية والطائفية والجهوية , بما فيها الأقليات , وحقها في تمثيل عادل ومنصف .

ان بلادا قسمها الاستعمار , وأنشأ فيها دولة الكيان الصهيوني , وتكالبت القوى الامبريالية على نهب خيراتها , ورعاية بؤر الفساد فيها , وزرع بذور الانقسام والفتن بين ارجائها , تحتاج الى معادلة صحيحه , تجمع بين الممارسات الديمقراطية , وتنبذ فكرة المغالبة والاستئثار بالسلطة , وبناء اوسع تحالف وطني في جبهة وطنية عريضة , تتكفل بالمحافظة على أهداف الثورة وحماية عملية التغيير .

في السنوات الأخيرة , وباستثناء التجربة التونسية , وفي ظلال الربيع العربي , فشلت العديد من التجارب في استخلاص الدروس , حين رفضت قوى الأقلية الاعتراف بنتائج الانتخابات, وفشلت القوى الفائزة في استيعاب قوى الثورة الأخرى ,وبناء جبهة وطنية متحده معها , منحازة بذلك لسياسة المغالبة والاقصاء بدلا من الوحدة والتكاتف .

غني عن القول ان سياسة المغالبة لا تتجاهل فقط النسب المتدنية من حيث التمثيل الشعبي التي حازت عليها , واهلتها لاستلام مواقع القيادة والسيطرة , وانما وباقصائها الآخرين , تكون قد غلبت التناقضات الثانوية على التناقض الرئيسي للشعب والأمة . بل ان الأمر يتعدى ذلك حين تفتح هذه السياسة الباب واسعا امام الانقسام , وتصبح وصفة جاهزة للتفتت , واضعاف الأمة ,واجهاض الثورة , بل وفي بعض الأحيان تكاد تكون مقدمة لصراعات طويلة , وحروب أهلية .

ويبقى القول ان القوى الفائزة , او الأكثر جماهيريه ,هي بمثابة ام الولد في الرواية الشعبية الدارجة , وبالتالي فانها تتحمل المسؤولية الأكبر, في الحفاظ على وحدة قوى الشعب المؤيدة للثورة والتغيير, وفي بناء الجبهةالوطنية المتحدة في شتى مواقع العمل والنضال .

اخر الأخبار