فلنتضامن مع أنفسنا قبل التضامن مع الأسرى

تابعنا على:   03:22 2014-06-22

أمير فايد حراره

هُناك فرق شاسع بين التضامن مع الأسرى داخل المُعتقلات الصهيونية وبين حفلة الشتائم والردح والسُباب والتجريح والتخوين والتكفير ووضع صور نساء على مواقع التواصل الاجتماعي والنيل منها.

شتان بين الشريحة التي كانت تتضامن مع الأسرى الفلسطينيين داخل المُعتقلات الصهيونية قبل خطف جنود الكيان المزعوم الثلاثة والشريحة التي انضمت للتضامُن مع الأسرى الفلسطينيين بعد خطف الجنود الثلاثة.

الشريحة الأولى من مُتضامنون وكُتاب وأُدباء وفقهاء وعُلماء وعلى مُختلف أطياف فكرهم وانتماءاتهم بالرغم من قلة عدد أفرادها إلا أن من كان يُتابع قضية التضامن مع الأسرى الفلسطينيين قبل خطف الجنود لاحظ على تلك الشريحة العقلانية وقدرتها على تأدية الرسالة الحقيقية للتضامن مع الأسرى في ظل النداءات المُتكررة التي كانت تشكوا من خلو خيام التضامن والانشغال الواضح بأشياء مُختلفة عن قضية الأسرى.

كان ذلك إلى أن حدثت عملية الخطف والتي وبكل حيادية للواقع أحدثت نقلة نوعية في شعبية حركة المقاومة الإسلامية – حماس – في الوقت الذي كانت فيه كل المؤشرات تُشير إلى إمكانية حدوث صراع في قطاع غزة بسبب أزمة الرواتب، إلا أن الأمر جاء على العكس تماماً حيثُ ارتفعت شعبية حماس بفعل الدلائل التي تُشير مُعظمها إلى أنها هي من نفذت عملية الخطف في ضوء المُحاولات المُتكررة لها سابقاً والمُتمثلة في توفير أماكن مُحكمة لإخفاء جنود بالضفة الغربية، وقفت أطياف عريضة من أفراد المُجتمع خلف عملية الخطف وأيدتها وكانت البوصلة في الأيام الأولى من عملية الخطف موجهة بشكل واضح باتجاه مُجتمع فلسطيني ضد كيان غاشم، ولكن بعد ذلك لم يكن الأمر بهذا الشكل والسبب في ذلك يعود لبعضاً من جباهزة الشريحة الثانية الذين انضموا للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين بعد عملية الخطف.

الشريحة الأولى والتي تضامنت مع الأسرى قبل عملية الخطف تميزت بالعقلانية والاتزان، عارضت وبشكل قوي ووجهت انتقادات لشخص الرئيس الفلسطيني نفسهُ (الذي حقق إنجازات سياسية يجب ألا ننكرها مع الاختلاف على بعض السياسات المُتبعة) فيما يخص قضية الأسرى واختلفت بالآراء وناقشت ولكن ألزمت نفسها تلك الشريحة بحدود في معارضتها ومُحرمات أخلاقية لم تتخطاها، وهذا ما تخطاه بعضاً من أفراد الشريحة الثانية التي انضمت للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين داخل المُعتقلات الصهيونية بعد عملية الخطف، وذلك البعض من الشريحة الثانية بالكاد كان انضمامهُ أشبه ما يكون بالانضمام إلى حفلة لا يوجد فيها أي حدود للأخلاق وليس تضامن مع أسرى، حيثُ جُلبت صور النساء إلى صفحات التواصل الاجتماعي وطُرحت بشكل لا عقلاني ولا مُتزن في السجال القائم.

أول المُعارضين لقضية تحرير الأسرى بالسلمية أضع نفسي، وأن هؤلاء الأسرى لا يمكن تحريرهم إلا بخطف الجنود، كما أنني أول المُعارضين لإدخال النساء والنيل منهم في حلبة العراك القائم، وأول المُعارضين لسياسة تخوين الأخر فهذا لم يعد تضامن مع الأسرى، زوجة الرئيس الفلسطيني لا يجد صورة لها الإنسان في عمل خيري وليس تدخل في عمل سياسي امرأة تنأى بنفسها عن السياسة وكافية الجميع خيرها وشرها ومُلزمة نفسها بحدود البيت فقط، فما ذنبها أن تُجلب صورها إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتهكم والسخرية وما شابه في مظهر لا ينُم عن أي شكل من أشكال الإيجابية.

حفظت الشرائع السماوية والدساتير والقوانين والتشريعات والمواثيق والمُعاهدات الدولية للمرأة حقها وحصنتها من مُختلف أشكال الاعتداء على حريتها الفردية، لا يوجد من يُعطي كائناً من كان في حفلة الصراع مع أو ضد الحق في الاعتداء على النساء من أي جهة بأي شكل من الأشكال.

أول المُتضررين من هذهِ الظاهرة حماس كون طيف كبير ممن يُمارسونها على صفحات التواصل الاجتماعي هم ممن ينسبون أنسهم لها، دون أن تُعلن برأتها وأفرادها من تلك الأفعال، وأستذكر لهم هنا إشكالية اعتصام الصحفيين في الضفة الغربية وصُراخ النساء الذي كان واضح حينما تم فض الاعتصام خرج اللواء عدنان الضميري في نفس اليوم على أكثر من قناة مُدافعاً بشراسة عن السلطة الوطنية الفلسطينية في هذهِ القضية وفي مفارقة لاحظها العديد من المُتابعين للشأن الفلسطيني كيف أنهُ خرج على قناتين في أقل من ساعة ونصف بين لقاء كل قناة وأخرى في إشارة لخطورة هذهِ القضية وحساسيتها لدى المُجتمع الفلسطيني، في المُقابل صمت مُطبق على تلك السياسة من قبل حماس وكما قلت أول المُتضررين سيكون منها حماس إن لم تُعلن برأتها ممن يأتي على تناول أعراض الناس ومن سيل من ينسبون أنفسهم لها مُمارسين سياسات مُخزية ليس لها علاقة بالأدب من شيء.

وأستذكر هنا أيضاً موقف أخر للشهيد الراحل دمث الخُلق ممدوح الجمال أبو زكريا (رحمهُ الله)، جمعني ذلك الموقف بهِ وشتان بين تصرفهُ في ذلك الموقف وتصرفات من يجلبون صور النساء إلى صفحات التواصل الاجتماعي ويُشهرون بهم، كثيرين لم يكونوا يعرفوا من هو ممدوح الجمال؟ وماهية طبيعة عملهُ؟ وبالتحديد في الفترة التي انتقل فيها من حي الشجاعية شرق غزة للعيش في حي تل الهوى غرب غزة، بداية قدومهُ لتل الهوى كان هناك أشخاص من حماس نفسها في تل الهوى لا يعلمون من هو ممدوح الجمال، بعض سكان الحي كانوا يظنون أنهُ يعمل في معرض لبيع السيارات في بداية الأمر.

في تلك الفترة فُتحَ الحديث الفلسطيني الشهير (فتح وحماس) أمامهُ في بداية قدومهُ إلى تل الهوى تلفظ أمامهُ أحد الأشخاص في سياق الحديث بأشنع الألفاظ على أحد قيادات حماس ووصل بهِ الأمر إلى تشبيه هذا القيادي دون ذكر اسمه بأشياء لا يُمكن أن تُذكر ولم يكن يعلم هذا الشخص وجميع الجالسين بأن من يستمع إليه ويُجالسهم هو قائد التصنيع في حركة حماس بماذا رد على هذا الشخص يا سادة يا كرام يا من تتهافتون بمن سيسبق الأخر بالتهكم والسخرية من النساء وتخوين طائفة كبيرة من أفراد المُجتمع؟

ما كان منهُ إلا أن قال لهُ أنصحك أحرص على ألا تقول هذا الكلام أمام العامة فلا تدري قد تقع مع من يتسبب لك بضرر، اغتالت دولة الكيان المزعوم أبو زكريا ويوم اغتيالهُ عرضت شاشات التلفزة الصهيونية سيرة حياتهُ مُعلنة بأنها اغتالت قائد التصنيع في حماس وأحد أهم المطلوبين على قائمتها، أعلنت بعدها حماس استشهاد قائد التصنيع في قصف لطائرات الاحتلال الصهيوني غرب غزة في مُفاجأة للجميع حول ماهية عمل هذا الشخص، وبعد فترة طويلة إذ بي اسمع بأن الشخص الذي كان شديد الهجوم على حماس وقادتها في الموقف الطريف قد انضم لصفوف حماس على إثر ذلك الموقف، بعض الأشخاص ممن يدعون أنهم يتضامنون مع الأسرى مُستخدمين أساليب سلبية في الهجوم على شريحة كبيرة من أفراد المُجتمع الفلسطيني لو قُدر لنا أن نقارنهم بأبو زكريا فهم لا يُذكرون أمام من طور صواريخ المقاومة لتضرب تل أبيب، فلنرتقي ونسمو بأفعالنا سيرتقي ويسمو المُجتمع وما يُمكن أن تُحققهُ السيئة سيكون للحسنة مفعولها الأفضل بكثير في تحقيقهُ (نحنُ نحتاج لحملة جديدة تُصحح مسار التضامن وتنبذ كل الترهات التي تحدث حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي).

علينا جميعاً أن نعلم بأننا في حضرة الأسرى، في حضرة الجامعة الوطنية الأولى، فإما أن نحترم ذلك المقام ومن نقف أمامهم وإما أن نرحل بصمت دون إحداث أي غوغائية تُعكر الصفو الفلسطيني العام باسم التضامن مع الأسرى، في كل شيء مُختلفين في الأسرى والشهداء والجرحى لماذا؟، جيل كامل من الشباب والأشبال اليوم في مشهد تدمع لهُ العين يخرج للمُجتمع ويُتقن فن الصراع والخلاف أكثر بكثير من إتقانهِ لروح التضامن والوحدة، جيل كامل اليوم ذهب ضحية حقبة صراع مقيت صنفهُ ضمن مع أو ضد، من المسئول عن ذلك في المُجتمع وأمام الله عز وجل؟، ما يحدث في الآونة الأخيرة ليس تضامن مع الأسرى وبعيد كل البعد عن ذلك فهو أشبه ما يكون بمعركة تجرد فيها البعض من كل معايير الأدب والتربية والأخلاق، لنتضامن مع أنفسنا أولاً قبل التضامن مع الأسرى.

اخر الأخبار