الحلقة الثانية:بنية نظام الحكم في غزة

14:44 2019-03-20

د. سليم محمد الزعنون

تناولنا بالأمس الحلقة الأولى، والتي تضمنت الحديث عن العوامل المفسرة للحراك الشعبي في غزة، واستعرضنا النقطة الأولى منها والمرتبطة بنضوج الحالة الثورية، هذه الحلقة تتناول النقطة الثانية من العوامل المفسرة للحراك الشعبي.

ثانياً: بنية نظام الحكم في غزة.

بعد تولي حركة حماس الحكم عام 2007 نشأ نظام حكم فريد من نوعه، لم تشهده الانظمة السياسية من قبل، نظام متغلغل ومتجذر ضمن مكونات المجتمع، ويتداخل فيه السياسي، بالديني والحركي، مع المؤسسة العسكري (القسام)، ويرتبط مع رجال أعمال وطبقة اقتصادية ناشئة ومهيمنة، تترابط المكونات الثلاثة مع بعضها لتشكل نظام الحكم، ومع الأخذ بعين الاعتبار الوزن النسبي لكل منها في صنع السياسة، نجد أن المؤسسة العسكرية والحركة فاعل رئيسي في صنع السياسة، وتأتي المؤسسة السياسية بدرجة ثانية، وفقاً لهذا المنظور يرتكز نظام الحكم في غزة على ثلاثة أركان رئيسة:

  1. 1.    المؤسسة السياسية.

يوجد ثلاث مفاهيم سياسية جديدة في الحكم، لم تشهدها الأنظمة السياسية المتعارف عليها، الأول مرتبط بمرجعية نظام الحكم، والثاني يرتبط بالوحدة الأساسية للحكم، والثالث مرتبط بالطبيعة الاجتماعية للحركة.

مرجعية النظام السياسي في الحُكم: في ضوء البناء الفكري والتنظيمي للحركة، القائمة على اعطاء قسّم الولاء والطاعة كأحد أركان البيعة، فإن جميع أعضاء المؤسسة السياسية في غزة مرتبطين بالقسّم، بما يعني أن مرجعيتهم الرئيسية الحركة، كما أن الحركة مرتبطة بالبيعة في إطار سياسي أكبر، إذ تعتبر مرجعيتها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وفي جميع القضايا الحركة تقرر وليس المؤسسة السياسية في غزة، وفي المحصلة فإن المؤسسة السياسية لا تُعتبر الأول في نظام الحكم بغزة، حيث تُعتبر الحركة ومن خلفها الإطار الأوسع "الإخوان المسلمين" المرجع الأول ويأتي في درجة ثانية المؤسسة السياسية، بما يعني أن قطاع غزة خلال فترة حكم حركة حماس كانت يُحكم من قبل الحركة وليس من قبل مؤسسات النظام.

الوحدة الأساسية في نظام الحُكم: في حالة مخالفة لسيرورت الأنظمة السياسية، تُعتبر المساجد الوحدة الأساسية، وتُشكل اللبنة الأولى في نظام الحكم، فهي عصب الحركة والنظام، والأداة الرئيسية في السيطر على المجتمع، وبسط الهيمنة، وتعزيز الحكم، فالمسجد يمارس الدور الرئيسي في الخدمة على مؤسسات النظام، حيث يعتبر أحد مكونات الحكم الرئيسية إن لم يكن المكون الأول، ويتقدّم على المؤسسة الأمنية والسياسية والعسكرية، إلى جانب ذلك يشكل أداة رئيسية في تغليف عمل مؤسسات النظام بغلاف ديني واعطائها مبرر شرعي، فيتداخل الديني بالسياسي، هذا الجانب يعطي تفسير لتركيز الحركة والنظام على بناء المساجد بشكل كبير منذ توليها الحكم.

الطبيعة الاجتماعية للحركة، شكَّلت الحركة نوع من "الغيتو" النسبي في علاقاتها الاجتماعية بالمجتمع، إذ أنّ الحركة من الناحية الاجتماعية ممتمثلة بصلات النسب والمصاهرة غالباً ما تقتصر داخل التنظيم، فنشأ ما يشبه الأسُر الحاكمة والمتنفذة في المناطق في إطار الحركة، وليس بالمفهوم التقليدي للأسُر الحاكمة، إذا أصبح في هذه الحالة ومع طول فترة الحكم الأقربون أولى بالمعروف، بما ترك انعكاسات سلبية على العلاقة بين الحركة والمجتمع.

  1. 2.    المؤسسة العسكرية.

 في حالة نظام الحكم في غزة لا يوجد مؤسسة عسكرية بالمعنى المتعارف علية كالجيوش في الدول، ولكن مفهوم المؤسسة العسكرية في حالة غزة يتمحور حول "كتائب القسام" الذراع العسكري لحركة حماس، وتؤشر الممارسة العملية إلى أنها خرجت من دورها الرئيسي في ممارسة المقاومة إلى ممارسة السياسة، فجزء كبير ممن يديرون ويعملون في مؤسسات الحكم سواء السياسية أو الأمنية، كانوا ولا زالوا أعضاء وقيادات فاعلة في كتائب القسام، وبحكم الوزن والثقل للمكون العسكري في تجربة الحركة أصبحت المؤسسة العسكرية مكون رئيسي ومؤثر في عملية صنع القرار السياسي، وبمعنى آخر تحولت كتائب القسام إلى شريك في النظام السياسي.

  1. 3.    رجال أعمال وطبقة اقتصادية مهيمنة.

خلال 12 عام من حكم حركة حماس نشأت طبقة اقتصادية جديدة من رجال الأعمال المحسوبين على الحركة واستحوذت على مختلف قطاعات الاقتصاد، ودخلت المجال السياسي عبر شراكات مع المؤسستين السياسية والعسكرية، وعبر العمل الاقتصادي في غزة من حيث التجارة والمشاريع بأنواعها المختلفة، أو من ناحية المعونات والمساعدات الاقتصادية، وحققت ثراء كبير، هذه الحالة أنتجت رجال أعمال مستفيدين لقربهم من السلطة ومراكز صنع القرار، في الحصول على امتيازات في تراخيص البناء، وتراخيص للمشروعات، وقدرتهم على تجاوز العمليات البيروقراطية.

هذه العوامل الثلاثة أنتجت مركب جديد متداخل في اتجاهين:

الأول نظام الحكم، يتشكل من المؤسسة السياسية والعسكرية وبينهم رجال الأعمال وطبقة اقتصادية متنفذه، هذا النوع من الروابط شكل بنية نظام الحكم في غزة، وأنتج ثقافة فرعية واحدة تعتبر نفسها فوق الثقافة العامة، ثقافة تعتقد بأنهم تمتلك القدُدرة الكلية.

والثاني نظام اجتماعي طبقي، يتكون من ثلاث طبقات، طبقة التنظيم وأبناءه وهي طبقة محدودة، وتتمتع بكافة الامتيازات، وطبقة ابناء الفصائل الأخرى الموالية للحركة، وانتجتها خلال حكمها وهؤلاء يعتاشون على ما تسمح به الحركة، وطبقة ثالثة تتمثل في عامة الشعب وتشكل الغالبية العظمى، ويعانون من الوضع القائم، ويشكلون المحرك الأساسي للحراك الشعبي. أثراً لذلك شكلت بنية نظام الحكم في غزة سبب أخر في الخروج على النظام.