المعاني في إنتخاب ريفلين

تابعنا على:   12:51 2014-06-18

علي بدوان

تم قبل أيامٍ قليلة إنتخاب الرئيس العاشر لــ "دولة إسرائيل"، مرشح حزب الليكود، الرجل اليميني المتطرف (رؤوبين ريفلين) خلفاً لشيمون بيريز آخر من بقي تقريباً من جيل المؤسسين للدولة العبرية الصهيونية.

 فشيمون بيريز يُغادر موقعه كرئيس فخري للدولة العبرية بعد سنوات طويلة حافلة في ميدان العمل السياسي والأمني وحتى العسكري في الدولة العبرية منذ أن سَلَمَهُ ديفيد بن غوريون منصبه الأول كمدير عام لوزارة الحرب في "إسرائيل" عام 1954، حيث يغادر موقعه الآن تاركاً وراءه تاريخاً شخصياً مُتخماً بالتقلبات السياسية والتحالفية وحتى في الإنتماءات الحزبية بدءاً من حزب العمل، الحزب المؤسس للدولة العبرية الصهيونية، وإنتهاءاً بإنشقاقه وخروجه مع كتلة (حزب كاديما) قبل بضع سنوات، حتى لقبه عند العديد من المتابعين بــ (جوكر) الأحزاب الصهيونية، فيما أطلق عليه أخرون لقب (ثعلب السياسة) في الدولة العبرية.

رؤوبين ريفلين هو الرئيس العاشر، اليهودي الإشكنازي ذي الأصول الغربية، فترتيب الرؤساء في "إسرائيل" كان وفق التالي : حاييم وايزمن، إسحق بن تسفي، زلمان شازار، أفراييم كاتزير، إسحق نافون، حاييم هرتسوغ، عازر وايزمان، موشيه كتساب، شيمون بيريز. الذين لم يكن منهم من رئيس شرقي من يهود السفارديم سوى موشيه كاتساب (موسى القصاب) اليهودي الإيراني الأصل، والذي إستقال من منصبه قبل أن ينهي فترته بالرئاسة نتيجة فضيحة أخلاقية مازالت تلاحقه حتى الآن.

منصب الرئاسة في "إسرائيل" منصب صوري فخري، وإلى حد كبير غير سياسي، بل تكريمي ومعنوي جداً، فسلطات الرئيس محدودة، وليس له حق حضور إجتماعات مجلس الوزراء ولا الإعتراض على التشريعات التي يُصدرها الكنيست، حيث القوة التنفيذية الحقيقية تقع في يد رئيس الحكومة الإئتلافية وهو في الوقت الراهن بنيامين نتنياهو. لكن قوة الحضور المعنوي للرئيس في "إسرائيل" لها تأثير ولو بشكلٍ غير مباشر في المساهمة بمطبخ القرار السياسي على أعلى مستوياته. حيث يتم إنتخاب رئيس الدولة في "إسرائيل" من قبل الكنيست لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.

رؤوبين ريفلين، هذا السياسي وعضو الكنيست الحالي والوزير السابق المُتطرف، ينتمي الى الجناح الأكثر تشدداً في حزب الليكود اليميني، وقد لَمَعَ نجمه خلال السنوات العشر الأخيرة في ميدان السياسة وصناعة القرار في "إسرائيل" وذلك من خلال إصطفافه الفج والفاقع الى جانب كُتل وتيارات وعتاولة التطرف داخل حزب الليكود وداخل الكنيست، وهو المعروف بعدائه الشديد لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ومايسمى بــ (حل الدولتين) إنطلاقاً من فلسفة اليمين "الإسرائيلي" بشقيه التوراتي والقومي العقائدي والتي تقول بأرض "إسرائيل" الكاملة على كامل أرض فلسطين التاريخية.

إنتخاب (رؤوبين ريفلين) من قبل الكنيست جاء وسط تنافس شديد مع المرشح الأخر وعضو الكنيست (البرلمان) الحالي من حزب الحركة (مائير شطريت) وهو يهودي شرقي (سفارديم) من أصولٍ مغربية، حيث حصل ريفلين، على (63) صوتاً مقابل (53) صوتاً حصل عليها منافسه النائب  مئير شطريت، من حزب الحركة الذي تتزعمه وزيرة العدل تسيبي ليفني، علماً بأن الأخير تقلب أيضاً في إنتمائاته الحزبية داخل "إسرئيل" خلال العقود الماضية.

ويشار بأن المرشح الثاني للرئاسة، مائير شطريت، تربى تاريخياً في مدرسة حزب العمل (حزب المابام)، الحزب التاريخي المؤسس للدولة العبرية، وهو شخص براغماتي وله باعٌ طويل في التجربة السياسية والحزبية داخل "إسرائيل" وإن كان من الجيل الثاني بعد جيل المؤسسين.

الى ذلك، تُشير معظم المصادر في "إسرئيل" بأن عملية إنتخاب الرئيس الجديد، ومارافقها من إحتكاكات حزبية داخل الأحزاب "الإسرائيلية" الكبرى كانت بمثابة بروفة للمرحلة التالية والمتوقع لها أن تَشَهد إصطفافات جديدة على ضوء الصراعات المُتجددة بين مراكز القوى داخل تلك الأحزاب وعلى رأسها حزب الليكود. فإنتخاب عضو الكنيست رؤوفين ريفلين رئيساً للدولة، فتح الباب أمام سباق على قيادة حزب الليكود ومعسكر اليمين والمرشح القادم لرئاسة الحكومة، حيث بانت بشكل واضح قصة سياسية تجري في هامش الحلبة السياسة "الإسرائيلية" حتى الآن، وهو الصراع على القيادة المستقبلية في الدولة العبرية وعلى قيادة الأحزاب الكبرى في الخريطة السياسية في "إسرائيل" التي ستقرر مسار الأمور في المرحلة التالية.

كما كَشَفَ فوز (رؤوبين ريفلين) عن الحالة الداخلية المُتهتكة داخل حزب الليكود، وهو الحزب القائد للإئتلاف الحكومي، كحزب مُتصارع ومُنقسم داخلياً، حيث تراجعت مكانة بنيامين نتنياهو وتراجعت معها سطوته بشكلٍ كبير على القرار في "إسرائيل" في ظل ظهور التململ من أدائه من قبل أعضاء الكنيست من حزب الليكود الذين ضاقوا ذرعاً منه. فإنتخاب رؤوبين ريفلين جاء بالضد من رغبة نتنياهو الذي إضطر للنزول عند رغبة كتلة الحزب في الكنيست فقام بالتصويت لصالح رؤوبين ريفلين، وبعد أن فشلت مساعيه في تمرير مُرشح أخر ومقبول من داخل كتلة الليكود البرلمانية.

وفي الجانب المتعلق بأحزاب الإئتلاف الحكومي، فإن فوز رؤوبين ريفلين جاء أيضاً على الضد من رغبة حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الخارجية "الإسرائيلي" أفيغدور ليبرمان، الذي كان في موقفه الضمني معارضاً لترشيح (رؤوبين ريفلين) من منطلق سعيه لفوز مرشح أخر من حزبه، لكنه لم يجد الإمكانية والبديل لتقديم مرشح من كتلته النيابية (كتلة حزب إسرائيل بيتنا) في ظل قيادة حزب العمل للإئتلاف الحكومي في الدولة.

وعليه، إن انتخابات الرئاسة "الإسرائيلية" هذه المرة، جائت مجبولة بمعاني ودلالات كبرى تلخص الى حد بعيد مايجري من تحولات داخل الأحزاب الرئيسة في "إسرائيل"، وقد دلت على فوز المعارضة الداخلية في الأحزاب. فضلاً عن تصويت بعض المعارضة للمرشح الليكودي، ومنهم سبعة أعضاء في الكنيست من حزب العمل لصالح إنتخاب رؤوبين ريفلين على الضد من رغبة حزب العمل التي كانت تتجه للتصويت لصالح المرشح (مائير شطريت) بإعتباره الأقرب سياسياً لخط حزب العمل.

وبالنتيجة، إن صعود شخصية مُتطرفة محسوبة على صف اليمين في "إسرائيل" لموقع رئاسة الدولة، لايبشر بالخير، ويشير للحالة المجتمعية "الإسرائيلية" الداخلية التي باتت تنحاز كل يوم أكثر فأكثر بإتجاه سياسات اليمين، في وقت باتت فيه عملية التسوية تائهةٍ في وادٍ سحيق، بعد فشل الخطة الأمريكي الأخيرة التي كان قد قدمها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل نحو عامٍ مضى. وبالتالي فنحن أمام مرحلة قادمة لاتحمل في طياتها سوى المزيد من التدهور في مسارات الحركة السياسية على جبهة الصراع الفلسطيني والعربي مع الإحتلال "الإسرائيلي".

اخر الأخبار