برحيل المبدع شفيق كبها تترسخ الفكرة.....

23:12 2013-10-28

د.ياسر الشرافي

عندما تتكون الشعوب وتتضح ملامحها يكون الفن من شعر و رسم ، موسيقى و فن سابع جزء لايتجزء من هذه الهوية ، فالاغاني والاناشيد الملتزمة هي غذاء للروح ، نحتاجها في اطراحنا قبل افراحنا لشحن الهمم ، فهي ركيزة لنا في الصمود في وجه الأعداء ، الذين يحاربوننا في ديننا وتراثنا ، وفي انتمائنا ، حتى يُشوه فكرنا فنكون لقمة صائغة لهم، فهنا تعود عجلة الذكريات الى إحدى سنوات الدراسة في برلين ، حيث كنت أقطن في مبنى الطلبة، فجاءت إلينا وافدة في ذلك اليوم من أمريكا اللاتينية بالتحديد من تشيلي ، فبعد الترحيب بالقاطنة الجديدة ، تطرقنا ذاك المساء في حديثنا في الثقافة والدين ، العرق واللغات إلى سؤال عفوي بعد الملاحظة ، لماذا لا تتكلم اللغة التشيلية (المابوتشية) فكان ردها صاعقاً لنا ، بأن لغتها هي الإسبانية بسبب الاستعمار الإسباني من عام ١٥٤٠ الى ١٨١٨م في هذا الوقت ، فسال آخر كيف فرض عليكم أن تتكلموا لغة مستعمركم، فروت لنا جزء من الحكاية عن أجدادها في تلك الحقبة ، ان تأثير اللغة الإسبانية لم يقتصر على مجال المفردات للغة الام بل امتد إلى مجال الصياغة اللغوية ، فقد منعوا قسراً من ممارسة لغتهم في الحياة العامة والمدارس ، و في البيوت بين المرأة وزوجها وابنها ، حتى الأغاني الشعبية منعت ان تُصدَح باللغة التشيلية ، فاعتقلوا الفنانين الشعبين فمن لم يحالفه حظ الاعتقال ، أعدم في ساحات سانتياغو ، فالقوى الاستعمارية تعرف جيداً وبل أكثر منا دور المقرئين والمنشدين لحماية لغة الشعوب ، لانهم رسل لايصال الفكرة بكل سلاسة لعامة الناس ، و مرآة لهموم شعوبهم ، فهؤلاء الفئة هم السهل الممتنع ذات تأثير فعال وسريع لصناعة الرأي العام في أوطانهم ، فتجربتنا مع ظاهرة الفنان الصاعد محمد عساف ليست ببعيدة ، ففي الثاني والعشرون من هذا الشهر طلت علينا يدي الغدر لتضرب مرة أخرة بعد جنين في أم الفحم ، ليترجل فارس منا عن جواده اسمه شفيق كبها ، فاغتيال هذا الابن البار للشعب الفلسطيني ، و احدى شهود الحقيقة على عذابات الاحتلال ، ومذكر الناس بشراسة الاعداء وتعريته لهم ، ليس لها علاقة بأخلاق وقيم هذا الشعب العظيم ، فهذه الطلقات التي أطلقت على جثمانه الطاهر ستظل وصمة عار على جبين كل من فكر ، وكل من خطط ، وكل من نفذ ، وكل من طواطئ ، وكل من لم يحمي مبدعنا الراحل ، فهذا الفارس الرائع وأمثاله هم من حافظوا على تراثنا الغنائي الشعبي ، ذات الوجه الحضاري لنا ، ولولا هؤلاء الرجال لاندثر هذا التراث منذ زمن ، وكم من جيل تربى وتعلم هذا الإرث اللغوي الفلسطيني على صدح حنجرة هذا الفنان الذي يسمى شفيق كبها ، فهذا الاعتداء الغاشم عليه هو اعتداء على الشعب الفلسطيني بكل مكوناته ، لان أمثال هؤلاء القتلة ليس بيننا بل وراء الشمس ، ويجب علينا كشعب فلسطيني أن نقدر مبدعينا وهم أحياء ، ونحافظ عليهم في حداقات العين ، لان وجودهم في دنيانا كالسكر يخفف لنا من مرارة الحياة بسبب الاحتلال وإرهاصاته ، فنقول للفاشية الصهيونية ومن منعوه أن يلتقي بنا في الضفة والقطاع ، والشتات الفلسطيني بسبب أغانيه الوطنية التي هي أقوى من رصاصهم ، أن رحم فلسطين ليس بعاقر ، فإلام التي انجبت كمال ناصر ، و احمد دحبور، ومي زيادة ، و فتحي غبن ، و فدوى طوقان ، قادرة ان تنجب شفيق و توفيق زياد

، فستضل أيها المبدع شفيق كبها في قلوبنا وعقولنا وفي عظامنا ، وسَندرس أولادنا حب الوطن على صدى حنجرتك من عتابا وميجنا ، فمن غرد بصوته وسط حارات يافا ، وحيفا ، وعكا ، وازقة الرملة ، والطيرة ، والناصرة العتيقة رغم أنف العدو الصهيوني ليذكرنا بعروبتها ، سيبقى محفوراً في وجداننا ، ولمسقط رأسه قرية كفر قرع منا مليون سلام ...فإلى جنات الخلد يامن أحبته وتعلقت به قلوبنا

 

الصيدلي: ياسر الشرافي/ ألمانيا