حول رواية "مثلث توت الأرض" لميسون أسدي:

تابعنا على:   21:59 2014-06-09

د. دوريت جوتسفيلد

تفاصيل مسهبة حول ظروف ومشاكل المرأة العربية في إسرائيل

*عدد الكاتبات اللواتي يكتبن باللغة العربية في إسرائيل ليس كبيرا. وأولئك اللواتي يكتبن لا يبلغن في كثير من الأحيان المستوى الفني الرفيع، أو لا يواظبن على الكتابة. إن العيش في مجتمع مصغر ومنغلق، يعرف فيه الجميع بعضهم البعض، يحد من حرية الكتابة لدى الكاتبات في إسرائيل، وقلة منهن يتجرأن من خلال كتابتهن على تناول مواضيع تمس التابوهات في القضايا التي تعتبر من المحرمات بالنسبة للنساء، وثورة على تقاليد الكتابة السائدة. ميسون أسدي هي واحدة من أولئك اللواتي لا يخشين الجرأة في الكتابة. إن تصفح أدبها يكشف تفاصيل مسهبة حول ظروف ومشاكل المرأة العربية في إسرائيل، بأسلوب واقعي واضح، مباشر وجريء.

لا تتردد أسدي في استخدام أي أسلوب كتابي، حتى لو كان فيه خرق للأعراف الكتابية المعهودة، أو للعادات الاجتماعية المفروضة عليها كامرأة- كاتبة. فهي على سبيل المثال لا تخشى من التعبير عن نفسها حتى في الأمور التي ما زال العديد من الكاتبات الفلسطينيات لا يجرؤن على التعبير عنها بحرية كالعلاقات الجنسية والشهوة الجنسية النسائية. الأوصاف الجنسية في إبداع أسدي هي جزء لا يتجزأ من وصف الواقع المعاش، وهي تشكل ثورة على أساليب التعبير التي يحاول المجتمع فرضها عليها. وتستخدم أسدي بأدبها قوالب فنية خاصة بها، حيث أن نهايات قصصها مفاجئة وغير متوقعة، وهي تشرك القارئ وتتوجه إليه في حبكة قصصها، إضافة إلى أنها تصف واقع الحياة بالنسبة للعرب في إسرائيل والعلاقات اليهودية والعربية كإطار وخلفية لقصصها.

كتابة الرواية أمر جديد في كتابة أسدي، فقد نشرت حتى الآن مجموعات قصصية قصيرة. هذا النوع الأدبي يتيح لها نسج قصص مختلفة، لتخلق منها قصة متماسكة ومتطورة في آن واحد. رواية "مثلث توت الأرض" التي بين أيدينا، هي في الواقع سجل يوميات يحتوي على قصة شخصية لامرأة تدعى رجاء، ذات خمسين ربيعا، جنبا إلى جنب مع القصص الشخصية لنساء من حولها. تقدم الرواية مجموعة من الأصوات النسائية، التي تصبح بالتالي صوتا لأنثى واحدة وصرخة نسائية جماعية. المبنى القصصي المحكم الذي تعودنا عليه لدى أسدي في قصصها القصيرة واضح أيضا في الرواية، حيث تقوم أسدي بخلق علاقة تناص بين قصة الإطار في روايتها مع قصة الإطار المعروفة في كتاب "ألف ليلة وليلة".

قصة الإطار في الرواية تتحدث عن طلب بطلة الرواية رجاء، من أستاذ القانون في كلية المحاماة، حيث تدرس، أن يساعدها في مقاضاة المجتمع العربي الذي تعيش فيه. لهذه الغاية تسلمه سجل يومياتها لقراءته والتعرف عليها وعلى مشاكلها بشكل أفضل. في البداية يستخف المحامي بطلبها ويبدأ بقراءة صفحات رجاء على مضض وبعدم اهتمام. ومع ذلك، تماما كما في قصة الملك شهريار الذي وجد نفسه مستمعا ومستمتعا بحماس لقصص شهرزاد، هكذا حصل مع المحامي في الرواية، إذ يواصل قراءة صفحات رجاء بتلهف وشغف وحب استطلاع، وهو ما سيحدث مع القراء أنفسهم. ولكن في نهاية قصة "ألف ليلة وليلة"، أنقذت شهرزاد نفسها وكل بنات جنسها، أما في الرواية التي أمامنا فيبقى الوجع النسائي دون علاج في الواقع الحياتي الآني.

تصف أسدي في هذه الرواية بشكل تدريجي تدهور المرأة إلى حالة من الجنون، تداهمها مرة تلو المرة، لتجد نفسها نزيلة في مستشفى الأمراض العقلية. ويصبح الجنون جزءا من واقع حياتها. وهي تقول: كيف لا أجن وأهلوس مائة هلوسة وكل هذا كان يحدث أمامي!". جنون النساء ليس شيئا جديدا في الأدب العربي والغربي، ولكن في حين أن معظم الأعمال الأدبية الغربية والعربية يوجه إصبع الاتهام إلى المجتمع الأبوي الذي يضطهد ويقيد المرأة، فإننا نرى في هذه الرواية بالإضافة إلى هذا الاضطهاد الأبوي التقليدي حالة فلسطينية خاصة، تتمثل بواقع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. ورغم أن هذه الحالة الخاصة لا تنكشف في بداية الرواية إلا أنها شيئا فشيئا تنجلي أمام القارئ.

تتركز كتابة أسدي إذن في الشؤون الذاتية النسائية، ولكنها في نفس الوقت لا تتخلى عن البعد السياسي- الوطني. وفي الحقيقة قصة حياة البطلة نفسها ترتبط مع واقع الحياة في إسرائيل. فهي تعرض أزمة الهوية لدى المواطنين العرب في إسرائيل، حيث وصفت حياتهم بأنها مزيج من اللغات والثقافات والتناقضات اليهودية-العربية، المسيحية-الإسلامية. كما تبرز في النص أسماء البلدات الإسرائيلية والأعياد اليهودية، والعلاقات مع الصديقات اليهوديات. إلا أن الأمر البارز في الرواية هو العلاقة مع الأرض، إذ يظهر ذلك حتى من خلال عنوان الرواية، الذي يؤكد ارتباط التوت بالأرض.

يعتبر التوت الأرضي المحصول الرئيسي في منطقة "المثلث" التي تعيش فيها بطلة الرواية. فهي تتذكر موسم قطف التوت الأرضي باعتباره عملا شاقاً ومضنياً، يستهلك معظم وقت سكان البلدة، ووقتها ووقت عائلتها على وجه الخصوص. إلا أن هذا العمل يخدم مصلحة الشركة الإسرائيلية التي تقوم بتصدير التوت إلى جميع أنحاء العالم. من جهة أخرى ظهرت عملية القطف في الرواية على أنها توحد العائلة، من رجال ونساء، سويا، وكذلك تربط الإنسان بالأرض. التوت الأرضي يمثل في هذه الرواية الأَمان والاستقرار المادي والحياة العائلية الآمنة. عندما تتزعزع أسس الأسرة- مع وفاة الأب ومرض الأم- تتوقف زراعة التوت وينتهي عهد الأمان لدى الأسرة، فينحرف العديد من أفرادها إلى عالم الجريمة.

لا تتورع الرواية عن انتقاد المؤسسة الإسرائيلية والتأثير الغربي للمجتمع اليهودي على المجتمع العربي، مشيرة إلى أبعاد ذلك في عدم استقرار عائلة البطلة والمجتمع العربي بأكمله. بل إن رجاء تصرح في نهاية الرواية أنها تريد محاكمة المجتمعين العربي والإسرائيلي. بعد تدهور أسس الأسرة وانحراف بعض أفرادها إلى الجريمة، ومع ازدياد معرفة البطلة بتفاقم الاضطهاد بحق النساء من حولها، تصاب بالجنون. ويصل الأمر ذروته في نهاية الرواية، عندما تعلن رجاء، أنه على الرغم من رفضها واشمئزازها وكراهيتها لمصحات الأمراض العقلية التي ارتادتها مرارا وتكرارا، فإنها تفضل العيش داخله وليس خارجه، ففيه على الأقل يمكن أن تعيش بأمان ودون قلق.

رغم إدخال البعد السياسي- الوطني إلى هذه الرواية لا يزال البعد الذاتي النسائي في مركزها بينما واقع الحياة في إسرائيل يكون بمثابة خلفية وإطار له. ويمكن أن نقول إن الصرخة النسوية التي تعلو من رواية "مثلث توت الأرض" ليست مجرد صرخة عابرة بل هي صرخة اتهام موجهة مباشرة نحو الرجل دون منحه فرصة الرد أو الاحتجاج. قراءة الرجل في هذه اليوميات تحوّل الحوار بين الجنسين إلى مونولوج تبرز به المرأة صوتها، بينما يبقى الرجل صامتا وسلبيا، ويمكنه فقط، في أفضل الحالات، أن يقرر التخلي عن القراءة. اختار المحامي، كما ذكرنا سابقا، عدم التوقف عن القراءة، ومر بتجربة داخلية دفعته بشكل تدريجي نحو فهم رجاء والتعاطف مع مشاعرها.

إستراتيجية الكتابة هذه تغير في الواقع موازين القوى بين الجنسين في المجتمع فتضع المرأة في مركز القوة والرجل في موقف الضعيف. ولكن هذه القوة النسوية مؤقتة، وليست قوة حقيقية، لأنه في الحياة الحقيقية تبدو رجاء ضعيفة وعاجزة في مواجهة الواقع، وبالتالي تحيا على المهدئات والمسكنات، وعلى الزيارات المتكررة لمصحات الأمراض العقلية. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن كتابة المذكرات وقراءة المحامي لها (وقراءة القراء للرواية) هي لحظات خالصة تمنح البطلة (والكاتبة نفسها)، وتفصلها عن الواقع الفعلي، لتسمح لها بإسماع صوتها في محاولة لإيجاد أذان صاغية وبناء واقع مختلف. في الرواية هناك محاولة شجاعة للاحتجاج على الوضع القائم وتغيير النظم السائدة من خلال الفن والكتابة، سواء بالنسبة للبطلة أم بالنسبة لأسدي نفسها.

د. دوريت جوتسفيلد

(قسم اللغة العربية- جامعة بار إيلان)

 

 

اخر الأخبار