تراث الناصرة

تابعنا على:   19:48 2013-10-27

د اسامه الفرا

انتخابات بلدية الناصرة تحظى باهتمام المتابعين، كونها أكبر المدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر، ناهيك على المكانة التاريخية للمدينة، انتهت الانتخابات دون أن يتضح بعد إن كان رامز جرايسي سيواصل احتفاظه برئاسة البلدية، أم أن نائبه السابق علي سلام الذي اختلف مع الجبهة الديمقراطية قبل اشهر، وخاض الانتخابات على رأس قائمة "ناصرتي" سيضع نهاية لأربعة عقود من سيطرة الجبهة الديمقراطية على رئاسة بلدية الناصرة، فيما خرجت حنين الزعبي "عضو الكنيست" من المنافسة بهزيمة ثقيلة، ما يعنينا أن تخرج الناصرة من الانتخابات البلدية موحدة، وألا يكون للانتخابات البلدية ونتائجها أي تداعيات على النسيج المجتمعي لهذه المدينة، خاصة وأن الاحتلال على مدار السنوات السابقة حاول جاهداً إضعاف المدينة من خلال افتعال الخلافات الدينية داخل المجتمع الناصري.

قبل عقد ونيف كنت في زيارة إلى مدينة الناصرة بهدف الاطلاع على تجربة بلديتها، كانت المدينة تحاول أن تخرج من حزنها على رحيل رئيس بلديتها الشاعر والأديب والسياسي توفيق زياد، الذي توفي على أثر حادث سير عام 1994 وهو في طريقه الى مدينة أريحا لاستقبال الرئيس ياسر عرفات ، شكل توفيق زياد حالة نضالية تحولت إلى واحدة من الرموز المحورية الأساسية للصمود الفلسطيني على أرضه في مواجهة بطش قوات الاحتلال، فكان الحاضر الأكبر في الاضرابات التي شهدتها المدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر، فكان يوم الارض في 30 آذار عام 1976 يوماً مميزاً في نضال شعبنا، اضراب يوم الأرض وضع توفيق زياد في دائرة الاستهداف من قبل قوات الاحتلال، المهم أن المدينة في تلك الفترة ما زالت تذكر له مواقفه وبخاصة ما يتعلق منها بإشاعة أجواء الأخوة بين ابناء الناصرة بغض النظر عن معتقداتهم الدينية.

أثناء الزيارة حللت ضيفاً على السيد جورج حلو "عضو المجلس البلدي آنذاك"، احتضن منزله يومها سهرة حوارية امتدت لساعات الفجر الأولى، ضمت كل من رامز جرايسي رئيس البلدية، ونائبه الصديق سهيل دياب ورئيس تحرير صحيفة الاتحاد بجانب السيدة الفاضلة زوجة توفيق زياد، اقتصر حديث الجلسة على الهم الفلسطيني، وأدوات النضال الفلسطيني التي مكنت شعبنا داخل الخط الأخضر من إجهاض كافة محاولات الاحتلال الرامية إلى اقتلاعه من أرضه، كم كان رائعاً والجميع يستحضر مواقف فارقة لقادة بقامة توفيق زياد وأميل حبيبي، لم يجمعها دين واحد، لكن جمعهما حب فلسطين.

بعد اشهر قليلة اتصل الأخ سهيل دياب ليخبرني بوفاة جورج حلو نتيجة أزمة قلبية حادة، اتصلت بزوجته لمواساتها في مصابها، وأنا استجمع الكلمات التي تقال في مثل هذه المأساة أدركت من اسم زوجها أنه مسيحي، لم اشعر بذلك قط وأنا في ضيافتهم، بل عند أذان العشاء سارع باحضار سجادة صغيرة للصلاة وأشار إلى إتجاه القبلة، لعل ما يميز الناصرة هذا الإرث من العلاقة الأخوية بين أبنائها، ومطلوب أن تحافظ عليه ولا تدع الفتنة تطل عليها من نافذة الانتخابات البلدية.