الرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية الحلقة العاشرة الجزء الأول

تابعنا على:   19:11 2014-05-31

لواء ركن: عرابي كلوب.

للأمن مكانة مرموقة بين الشعوب حيث يحتل مكاناً بارزاً في المجتمع لاتصاله بالحياة اليومية للفرد، لأنه يوفر الطمأنينة والاستقرار في النفوس، والأمن مطلب أساسي للفرد والجماعة والدولة، وأيا كان تكوينها السياسي، فالأمن يهدف دائماً لتحقيق الاستقرار والاطمئنان لأي كيان سياسي على نحو يحقق السلامة والحماية لكل مواطنيه وذلك من خلال كفالة سلامة وصيانة مصالحهم الشخصية وحماية حرياتهم وسلامة الأرض والمجتمع الذي نعيش فيه.

وإن عملية وجود استقرار أمني داخل أي كيان سياسي هو مسؤولية مؤسسات السلطة الحاكمة كافة، وحتى يتم تحقيق هذا الاستقرار يجب أن يتوفر له العديد من المقومات الأساسية، ومن بينها توافر أجهزة أمن منظمة وفق القوانين والدستور وقادرة على تحقيق الأمن والأمان للمواطنين.

لقد عملت الأجهزة الأمنية الفلسطينية بشكل مستقل عن بعضها لسنوات عدة بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وأحياناً تعمل فروع الجهاز الواحد في الضفة الغربية بشكل مستقل عن قريناتها في قطاع غزة، وأدت أغلب هذه الأجهزة مهام بعضها البعض بسبب عدم وجود التشريعات الناظمة لصلاحياتها والمحددة لمهامها بشكل واضح، والذي أصبح يطلق فيما بعد بتداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية.

لقد نصت المادة (5) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م بشأن نظام الحكم في فلسطين على الآتي:

"نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية، وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخاباً مباشراً من قبل الشعب، وتكون الحكومة مسؤولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي الفلسطيني".

ونصت كذلك المادة (39) أن رئيس السلطة الوطنية هو القائد الأعلى للقوات الفلسطينية.

ولقد عرف القانون الأساسي في المادة (84) القوات الفلسطينية (بقوات الأمن والشرطة قوة نظامية وهي القوة المسلحة في البلاد وتنحصر وظيفتها في الدفاع عن الوطن وخدمة الشعب وحماية المجتمع والسهر على حفظ الأمن والنظام العام والآداب العامة وتؤدي واجبها في الحدود التي رسمها القانون في احترام كامل للحقوق والحريات) وتنظم قوات الأمن والشرطة بقانون

وحيث أن النظام السياسي والقانوني في فلسطين لا يزال في طور البناء والتكوين، قد اكتنف عملية البناء والإنشاء صعوبات جمة، وبما أنه يوجد مجلس تشريعي فلسطيني منتخب من قبل الشعب، لذا فإن هذا المجلس يمتلك العديد من الأدوات التي تمكنه من فرض الرقابة على أداء أجهزة الأمن، حيث تشمل الرقابة البرلمانية محوراً أساسياً في عملية إرساء الديمقراطية، ومظهراً من مظاهر التعاون والتنسيق بين السلطات التشريعية والتنفيذية ليقوم بالتحقق من التزام الوزارات المختلفة بما فيها الأجهزة الأمنية بمدى الالتزام بالقانون والأهداف والسياسات العامة، والتمكن من التعرف على مواطن الضعف والخلل، والتنفيذ الغير سليم لهذه الأجهزة وتحديد المسؤول ومساءلته وفق المعايير والضوابط المحددة والمتفق عليها.

وهنا تبرز مكانة وأهمية الرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية باعتبارها مدخلاً لإصلاح هذه الأجهزة، وفقاً للقانون بنزاهة وشفافية لتوفير الأمن والعدالة للمواطنين، حيث إن حفظ النظام والأمن في المجتمع ومحاسبة المخلين بالقانون في الدولة يشكلان في مجملهما دورة متكاملة وبموجب القوانين الفلسطينية تعتبر الأجهزة الأمنية الأداة الرئيسية التي توظفها السلطة القضائية للمحافظة على القانون والنظام حيث أن مرفق الأمن لا يخرج عن كونه مرفقاً من مرافق الخدمات العامة التي تطلع بها الدولة لأنها بوجه عام هي أداة الدولة في صون الأمن وإقرار النظام وتنفيذ القوانين التي تسنها لصالح الجماعة.

كما تساعد الرقابة البرلمانية في التعرف على نتائج السياسات الأمنية ومدى تلبيتها لرغبات المواطنين.

أن توفير الأمن للمواطنين يتطلب أعداد آليات ناجعة لفرض القانون، وذلك لأن المجلس التشريعي الفلسطيني يمتلك في جعبته أنواعاً متعددة من أدوات الرقابة، لذلك فإن من الأهمية بمكان دراسة الأداء الفعلي للمجلس في مجال الرقابة البرلمانية على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية خلال السنوات الماضية، حيث مرت الرقابة على الأجهزة الأمنية في المجلس التشريعي بمرحلتين ترافقتا مع التطورات التي شهدها النظام السياسي في فلسطين.

لقد تمثلت المرحلة الأولى منذ تاريخ إنشاء المجلس التشريعي مطلع العام 1996م حتى رحيل الرئيس / ياسر عرفات مرحلة كان يجمع فيها أكثر من منصب في آن واحد بما فيها منصب وزير الداخلية، حيث لم يضطلع هذا المجلس بأي دور رقابي ذي بال، وذلك لعدم امتلاك المجلس سلطة محاسبة الرئيس ومساءلته كونه منتخباً انتخاباً مباشراً من الشعب.

لم يقم المجلس التشريعي بإصدار أي قوانين ناظمة تتعلق بتنظيم الأجهزة الأمنية سوى قانون الدفاع المدني رقم (3) الذي صدر عام 1998م علماً بأنه كانت هنالك أجهزة عديدة للأمن.

لقد تم تعيين وزير للداخلية في حزيران من عام 2002م وعليه فقد أصدر الرئيس الراحل مرسوماً رئاسياً رقم (12) لسنة 2002م بإلحاق قوات الشرطة وقوات الأمن الوقائي والدفاع المدني بوزارة الداخلية هذا نصه:

1.       تلحق قوات الشرطة وقوات الأمن الوقائي والدفاع المدني بجميع أجهزتها وإداراتها بوزارة الداخلية.

2.       جميع أموال وممتلكات ومعدات قوات الشرطة وقوات الأمن الوقائي والدفاع المدني تلحق بوزارة الداخلية وتؤول إليها.

3.       يلغي كل حكم يتعارض وأحكام هذا المرسوم.

على جميع الجهات المختصة كل فيما يخصه تنفيذ هذا المرسوم ويعمل من تاريخ صدوره، وينتشر في الجريدة الرسمية.

وبعد ذلك بعام تم استحداث منصب رئيس الوزراء في السلطة الوطنية الفلسطينية.

إن التغيرات المتعاقبة لوزراء الداخلية طيلة السنوات الماضية والفترة القصيرة التي خدموا بها، أثرت بالشكل السلبي وكذلك سوء الوضع الأمني والفلتان الأمني الذي كان حاصلاً عطل أي خطط لضبط الأمور في الشارع الفلسطيني، ووقف أي إنجاز لعمل الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية.

بتاريخ 17/7/2014م أصدر الرئيس الراحل/ ياسر عرفات مرسوماً رئاسياً يقضي بتوحيد الأجهزة الأمنية في ثلاثة أجهزة وهي (المخابرات العامة – الأمن الوطني- الأمن الداخلي ويشمل الشرطة- الأمن الوقائي- الدفاع المدني).

ومن هنا فقد تمكن المجلس التشريعي على استحياء من ممارسة دوراً أكثر نشاطاً وجرأة في مساءلة الحكومة، وأصبح الوزراء والمسؤولون الأمنيون مستعدون للاستجابة للمجلس التشريعي حيث تم لأول مرة استجواب وزير الداخلية وذلك بتاريخ 16/10/2004م وذلك عملاً بالصلاحيات الدستورية للمجلس التشريعي في مساءلة السلطة التنفيذية وبعدها استمعت إلى الوكيل المساعد مدير الشؤون التنظيمية والإدارية والمالية في وزارة الداخلية وذلك بتاريخ 14/12/2004م ومن ثم إلى مدير الأمن الوقائي في كل من غزة والضفة بتاريخ 2/1/2005م لسؤالهم عن تدهور الوضع الأمني في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية.

المرحلة الثانية بدأت بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات، وفي هذه المرحلة قام المجلس التشريعي بتقديم عدد من مشاريع القوانين الناظمة لعمل الأجهزة الأمنية وعلى سبيل المثال (قانون التأمين والمعاشات لقوى الأمن، قانون الخدمة لقوى الأمن الفلسطينية، كما تقدمت بعد ذلك بعدة مشاريع قوانين لتنظيم الأجهزة الأمنية منها: قانون المخابرات العامة، وما زالت بعض القوانين قيد الدراسة لدى المجلس التشريعي منها (قانون الشرطة، قانون مجلس الأمن القومي).

وبعد انتخاب السيد محمود عباس في عام 2005م كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية فقد أصبح التعاون بين السلطة التنفيذية والمجلس التشريعي واضح ومميز وجاد، حيث أصبح على هذا المجلس تولي المسؤولية في الرقابة البرلمانية الفاعلة على السلطة التنفيذية وأجهزة الأمن بشكل خاص ومساءلة قادة الأجهزة الأمنية بما فيهم وزير الداخلية نفسه باعتباره معيناً في مجلس الوزراء.

منذ عام 2006م بعد إجراء الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت بتاريخ 25/1/2006م وفوز حركة حماس بالأغلبية في مقاعد المجلس التشريعي، بدأ الجدل حول تبعية الأجهزة الأمنية، حيث سارع بعض قادة هذه الأجهزة بالقول بأن تبعية تلك الأجهزة تعود لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، فيما رد عليهم بعض نواب حماس الفائزين في الانتخابات بأن التبعية للأجهزة الأمنية هي لمجلس الوزراء وذلك استناداً للمادة (69) من القانون الأساسي المعدل لعام 2003م والتي تنص على اختصاصات وصلاحيات مجلس الوزراء في الفقرة رقم (7) على أن اختصاصات هذا المجلس هو (مسؤولية حفظ النظام العام والأمن الداخلي) من خلال كل من وزيري الداخلية والأمن الوطني، وأنه تم حسم هذه التبعية سابقاً وتنظيمها بموجب القوانين والمراسيم الرئاسية وخاصة قانون الخدمة لقوى الأمن الفلسطيني رقم (8) لسنة 2005م، إلا أن المجلس التشريعي توقف عن العمل وذلك في منتصف عام 2007م بعد أحداث الانقسام البغيض الذي حصل في قطاع غزة.

(يتبع الجزء الثاني في الحلقة الحادية عشر)

اخر الأخبار