حالات من اليقظة ( قصة قصيرة) محمد جبر الريفي

تابعنا على:   01:10 2013-10-27

عندما أطلت الشمس في صباح ذلك اليوم الدافئ كانت روحية تهم بالصعود إلى الباص الذي أحضره مكتب السفريات قرب الفجر. جهزت حقيبتها الجلدية الكبيرة منذ الليل وتمنت لو كان باستطاعتها أن تنام لساعات طويلة فأمامها خطوات صعبة وقاسية.

بماذا كانت تفكر؟ أيمكن بعد ساعات أن تجتاز معبر رفح بيسر خاصة وأنه جسدها الهزيل لم يعد قادراً على الانتظار طويلاً في الباص، أحست بالنشوة في تلك اللحظات لأنها انتصرت على الحصار، عندما اجتازت المعبر انتزعت من رأسها كل الهواجس والأفكار قالت للمرأة التي كانت تجلس بجانبها في

الباص: كنت أنتظر هذا اليوم منذ سنين، كل عام كنت أسجل إسمي في مكتب السفريات حتى فزت هذا العام بالقرعة، الشمس تبدو بكل ثقلها وكأنها تجثم فوق المعبر النساء والرجال والأطفال والأصوات والحقائب والجوازات والباصات التي تمتلأ والنوافذ الصغيرة التي تطل منها العيون، هكذا هو معبر رفح المصري يميز نفسه عن الأماكن الأخرى، يفتتح لأيام فيتدفق الناس إليه فرحين، ينسون القصف والموت لذلك تبنسم روحية وتضحك المرأة التي تجلس بالقرب منها وتنفرج شفتا الرجل الجالس في المقعد خلفها بعد أن كانتا مقطبتين في الصباح وكأنه يقول لمن حوله أنا مثل روحية أشعر بالفرح لأنني انتصرت على الحصار.. حالة من اليقظة ترافق روحية في كل خطوة تخطوها في الطريق إلى الأراضي الحجازية فقد كانت تحمل حقيبتها الجلدية الصغيرة التي تحوي التذاكر وجواز السفر وتقبض عليها بشدة وكأنها تخشى عليها من الضياع أو السرقة، قالت بابتهاج حينما هبطت الطائرة في مطار جدة: أبو حسن زوج بنتي عائشه في انتظاري، في البيت يلتصق حسن بجدته فتلاطفه بعدها تتمدد روحية فوق الفراش مرتخية، هل حقاً انتهت حالة اليقظة؟ قالت بعناء أنا مرتاحة الآن ولكن لا أشعر برغبة في النوم.. .

***

صار الحلم حقيقة وأصبح يقال لروحية الحاجة روحية بعد العودة تجلس الحاجة روحية في غرفة الضيوف بلباسها الأبيض بين النسوة وسرعان ما تصبح مطوقة بالأسئلة: كيف كان الموسم هذا العام؟ متى ذهبتم إلى المدينة المنورة؟ أصحيح أن المعاملة في مطار القاهرة صعبة؟ وفي الصباح المليء بأشعة الشمس الدافئة تجلس تحت شجرة التوت الكبيرة في ساحة البيت تستظل بأوراقها الخضراء وتتمنى في تلك اللحظة لو تستطيع المشي على قدميها لتخرج إلى الطريق التي يتجه شرقاً إلى صحراء النقب، تتخيل وهي في حالة من اليقظة صورة هذا الطريق الطويل يوم كانت تأتي منه قوافل الجمال محملة بأنواع الغلال إلى القرية.. أما الآن فالدبابات الإسرائيلية تتقدم منه، سألت ابنها خالد الذي جاء داخلاً من باب البيت مكتئباً وقلقاً: أصحيح أن الدبابات الإسرائيلية تحتشد هناك عند حدود القرية؟ فقال خالد وهو لا يتصور أن أمه قد أصبحت إلى هذا الحد في حالة من اليقظة بحيث تنشغل بما تسمعه من الأخبار: ألم تسمعي يا حاجه أن الحرب على غزة أصبحت وشيكة؟ فأجابت بهدوء سمعت.. كلهم يقولون ذلك ولكنه يا خالد عدوان مثل كل عدوان وعند ذلك تذكرت الحاجة روحية زوجها الذي استشهد في العدوان الثلاثي عام 1956م.. كانت في تلك الأيام حبلى بخالد ومنذ ذلك الوقت لم تتزوج، لم تصبح زوجة لرجل آخر، بقيت مع أطفالها تسكن في هذا البيت، لم تغادره إلى مكان آخر أبداً...

***

صباح ذاك اليوم كان خالد متوتراً وقلقاً، على وجهه بدت ملامح الخوف والدبابات الإسرائيلية باتت قريبة من القرية، لم تكن الحاجة روحية بحاجة إلى شيء لكي تعرف ما يدور في خلده فقد ظلت هي الأخرى طيلة الليلة الماضية في حالة من اليقظة متوثبة تسمع أصوات القصف المتقطعة.. في تلك اللحظة دوى صوت انفجار كبير سمعه كل سكان القرية عندها أمسك خالد بذراع أمه الحاجة روحية وقال لها: جهزي نفسك للرحيل من البيت.. نريد أن نهرب من هذا المكان القريب من الحدود، فسألته بقلق: وأين سنذهب؟ ثم أردفت بالقول وهي تنظر إليه بحدة وأين هو المكان الأكثر أمناً في القطاع؟ فأجاب خالد عند ذلك قائلاً وعلى وجهه ملامح الخوف والارتباك: أي مكان يا حاجة أفضل من هنا واندفع راكضاً إلى غرفته مستسلما ًلهاجس الموت، كان عليه أن يجهز شنطة صغيرة يضع فيها بعض ملابسه.. لكن الحاجة روحية ظلت جالسة في مكانها بهدوء تراقبه وفي عينيها يبدو الإصرار على البقاء في البيت وفي خيالها ظل الرجل الذي يشبهه!!.