تركيا وإسرائيل... علاقة نعم... تحالف لا

تابعنا على:   20:01 2014-05-26

ماجد عزام

بات اتفاق المصالحة بين تركيا وإسرائيل مبرماً وجاهزاً للتوقيع، وما لم يمرّ قط أسود - حسب تعبير أردوغان - في اللحظات الأخيرة فسيتم الإعلان رسمياً وقريباًعن تبادل السفراء، وتطبيع العلاقة بين البلدين بعد قطيعة استمرت أربع سنوات تقريباً اقتصرت على الجانب السياسي والديبلوماسي، دون أن تطال العلاقات الاقتصادية، وهو أمر بدا لافتاً ومثيراً للاهتمام.

وحسب ما نشر في الصحافة التركية هنا، فإن اتفاق المصالحة النهائي يتضمن تقديم تل أبيب لاعتذار رسمي ومكتوب لأنقرة عن مسؤولياتها تجاه الشهداء والجرحى الأتراك في حادثة أسطول الحرية أيار 2010 مع مبلغ تعويض لعائلاتهم يقارب العشرين مليون دولار، بينما سيتم إدخال قافلة مساعدات تركية لغزة عن طريق إسرائيل على أن تستغل أنقرة  نفوذها وعلاقاتها الإقليمية والدولية للعمل من أجل رفع الحصار نهائياً عن غزة، الذي بات بدوره مسألة وقت فقط بعد توقيع إعلان الشاطىء للمصالحة بين فتح وحماس نهاية نيسان إبريل الماضي.

اتفاق المصالحة يتضمن كذلك تبادل فوري للسفراء بين البلدين، وشطب للقضايا المرفوعة ضد ضباط ومسؤولين إسرائيليين أمام المحاكم التركية، وحسب وسائل إعلام إسرائيلية قد يتضمن أيضاً زيادة العمال الأتراك العاملين في إسرائيل في مشاريع مشتركة سابقة من 800 إلى 1200، واستنئناف تطبيق الاتفاقيات والتفاهمات الاقتصادية، التي تم تجميدها بعد أزمة أسطول الحرية  قبل أربع سنوات تقريباً.

اتفاق المصالحة يعبر مبدئياً عن رغبة الطرفين في طي صفحة الخلافات بينهما، وأن لحسابات مختلفة لدى كل طرف تتعلق بمصالحه وقراءته للتطورات في المنطقة؛ واحتوى تقريباً على معظم ما طالبت به أنقرة من البداية، ويؤسس لعلاقات عادية أو طبيعية بينهما بعدما بات التحالف الاستراتيجي شيئاً من الماضي، وأمراً بعيد المنال أقله من وجهة النظر التركية.

تضمن الاتفاق اعتذار إسرائيلي مكتوب وصريح عن التعرض وقتل موطنين أتراك في المياه الدولية مع تحمل المسؤولية، وتقديم تعويضات وفق المعايير العالمية والغربية تحديداً، وليس وفق المعايير العالم ثالثية التي أرادت تل أبيب اتباعها، كما تفعل كقوة احتلال تجاه المواطنين الفلسطينيين. أما مطلب رفع الحصار كليّاً  عن غزة، والذي تم تخفيفه أصلاً بنسبة خمسين بالمائة بعد جريمة أسطول الحرية، فقد اقتنعت أنقرة أنه صعب أو على الأقل أنه لن يحدث مرّة واحدة، وهي ستستعيض عن ذلك بإرسال مساعدات إغاثية متواصلة للقطاع المحاصر، مع استخدام نفوذها لتحقيق الهدف النهائي الذي بات مسألة وقت فقط بعد تفاهم المصالحة الفلسطيني الأخير، وبعد اللغة الليّنة التي استخدمها المرشح الرئاسي رجل مصر القوي الجنرال عبد الفتاح السيسى تجاه حماس والقضية الفلسطينية بشكل عام، مع الانتباه إلى أن القيادة التركية تعرف  الحقيقة البسيطة الصحيحة والواضحة، والقائلة أن إنهاء الانقسام الفلسطيني يمثل الخطوة الأولى المطلوبة والضرورية من أجل رفع الحصار نهائياً عن غزة.

لا بد من الانتباه إلى أن حكومة حزب العدالة والتنمية، ورغم نفورها الفكري ورفضها لفكرة التحالف الاستراتيجى مع الدولة العبرية، إلا أنها تعاطت طول الوقت ببراغماتية تستند إلى مصالحها، ورغبتها في لعب دور مؤثر في المنطقة، وهكذا قامت وبموازاة تقليص التعاون الأمني والعسكري بتنمية التعاون الاقتصادي مع تل أبيب، خصوصاً أن ميزانه يميل لصالحها. وكما احتفظت بقنوات سياسية مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية حتى حرب غزة  الأولى – 2008 - وعمدت خلال تلك الفترة إلى لعب دور الوسيط بين تل أبيب ودمشق، ودعمت عملية التسوية مع الفلسطينيين، وتبنت تجاهاً مقاربة تستند إلى الشرعية الدولية وتكاد تتطابق مع مبادرة السلام العربية، علماً أن القطيعة السياسية والدبلوماسية مع الدولة العبرية في السنوات الأخيرة، لا تتعلق فقط بقتل مواطنين أتراك، وإنما بوجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل ما انعكس حتى على علاقات هذه الأخيرة مع دول غربية صديقة، غالباً ما احتفظت بعلاقات دافئة مع الدولة العبرية.

ثمة سبب إضافي آخر ساعد في تسهيل الوصول إلى اتفاق المصالحة أقله من وجهة النظر التركية، ويتعلق بالأزمات العميقة التي تعيشها دول الربيع العربي في طريقها الطويل والمضني نحو التعافي بعد سنوات من القهر والاستبداد والتخلف، ما أفقد أنقرة مكاسب سياسية واقتصادية هائلة، ولو على المديين القصير والمتوسط، ودفعها إلى التعويض جزئياً عبر تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية، الذي سيساهم ليس فقط في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وإنما في زيادة نفوذ الأولى السياسي في الملف الفلسطيني المحوري والمركزي في المنطقة وحتى في العالم.

أما تل أبيب فقد أجبرتها عزلتها الإقليمية بعد الربيع العربي، واشتعال المحيط من حولها إلى السعي الجاد لتطبيع العلاقات مع تركيا بعد سنوات من العناد والمكابرة، وربما يندرج الأمر أيضاً في سياق قرار استراتيجي بالتوقف عن محاولات التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، والانكباب على إدارة  الصراع بدلاً من حلّه  وبأقل ثمن ممكن، وبالطبع كان الجانب الاقتصادي حاضراً دائماً كون تركيا شريك تجاري مهم وقبلة مفضّلة ومنخفّضة التكلفة للسياح الإسرائيليين، غير أن العامل الأمني والعسكري كان حاضراً، كذلك في ظل موقف المؤسسة الأمنية الداعم منذ اللحظة الأولى للمصالحة، ولو بثمن الاعتذار والتعويض أملاً في العودة يوماً ما إلى الأيام الخوالي التى شهدت الحوار  والتعاون الأمني والاستخباراتي، وحتى التدريبات والمناورات المشتركة واستخدام فضاء تركيا الواسع ليس فقط لاكتساب الخبرات الضرورية والفريدة للطيارين الإسرائيليين، وإنما للتجسس أيضاً على دول عربية وإسلامية مجاورة.

في الأخير وباختصار، تذهب أنقرة إلى اتفاق المصالحة من موقعها الجيوسياسي وعضويتها في حلف الأطلسي، وسعيها الدائم للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي ستحقق مكاسب سياسية واقتصادية ولكن دون أن يصل الأمر إلى حد التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب. أما هذه الأخيرة فتريد علاقات عادية أو طبيعية متنامية وقابلة للتطور عسى أن تسمح الأمور أو المتغيرات المتلاحقة في المنطقة استعادة التحالف السابق مع الانتباه إلى أن الملف الفلسطيني سيظل حاضر بقوة في السياسة التركية التي لا تخفي دعمها للشعب الفلسطينى وحقه في  تقرير المصير، وفق المواثيق والشرائع الدولية، وهو ما يتناقض بالضرورة مع السياسات المتبعة من قبل حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، ويمثل في السياق حجر عثرة أمام تطور علاقات الدولة العبرية مع أنقرة، كما مع عواصم مهمة عديدة في المنطقة والعالم.

•         باحث فلسطيني

 

 

اخر الأخبار