بشار الأسد ... قبعتي احتراماً

تابعنا على:   11:18 2014-05-20

د. جميل مجدي

أعوام انقضت على الاقتتال الدموي البشع الحاصل في سوريا، النظام وحده ومن خلفه حليفته الاستراتيجية إيران وابنها المدلل في المنطقة \\\"حزب الله\\\"، ومعه في الاسناد الدولي كلاً من روسيا والصين بدرجتين متفاوتتين، وفي الجبهة المقابلة كل العالم تقريباً، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الاتحاد الأوروبي، وإلى جوارهم الغالبية العظمى من الدول العربية، بما فيها الدول ذات النفوذ والثقل في العالم العربي، عدداً وعتاداً وأموال، وتستمر المعارك كل يوم بمنطق الكر والفر، وتمارس تكتيكات عسكرية من هذا الفريق أو ذاك، بينما يستمر نزيف الدم السوري دون أن يرفع طرف رايته البيضاء.

يتساءل الكثير من المراقبين عن السبب الحقيقي وراء \\\"صمود\\\" النظام في سوريا، وقدرته على الثبات في وجه الضغوط، وإرادته التي لم تتكسر أمام كل التحديات التي تواجهه في الداخل والخارج، وفي الواقع أن هذا التساؤل يبدو منطقياً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة وحلفائها سرعان ما كانوا يبدأون العمليات القتالية عندما كانت النظم السياسية في مواجهة مع \\\"ثوار\\\" بلادها، كما حدث مع ليبيا، ومن قبلها دول كثير، لكنها تعجز اليوم عن الشروع بهذه العمليات ربما لأن سوريا دولة ليست غنية بالنفط، وربما لأن حليفتها روسيا تعتبر المساس بسوريا بمثابة عدوان على أمنها القومي، وربما لأن إسرائيل تخشى من أن هجوماً على سوريا سيعقبه \\\"ردة فعل\\\" من طرف النظام تجعله يهدم المعبد على رؤوس الجميع ويلقي بأسلحته الكيميائية باتجاه عمقها المدني والسكاني، وربما لأن إيران تعتبر سوريا قلعتها الحصينة في مواجهة التحالف السنّي القائم \\\"خفية\\\" بين السعودية وتركيا وغيرها من البلدان التي تصطف في مواجهة النظام.

ربما كان هذا كله صحيحاً، لكن الأهم من وجهة نظرنا أن \\\"البديل\\\" الذي تشكّل في مواجهة النظام، هو عبارة عن خليط من أصحاب الياقات البيضاء، ينتشرون في عدة عواصم غربية، في انتظار موعد انتقالهم إلى السلطة مباشرة دون أن تتغبر أحذيتهم بتراب وطنهم، وأن البديل على الأرض هو مجموعات مسلحة، تعيش التباساَ في هويتها الحزبية والأيديولوجية والدينية والعرقية، وهي فوق كل ذلك تعيش صراعاتها وتتناحر حتى قبل أن تصطاد الدب \\\"السلطة\\\"، وبالتالي بقي النظام وبقيت الدولة السورية، وهي غير مرشحة للتهاوي في مواجهة هؤلاء الذين لم يتمكنوا من اقناع أحد بأنهم بديل جاد وحيوي وقادر على أن يؤدي التزاماته نحو شعبه ونحو وطنه، ونظن أن على كل من يختلف مع بشار الأسد أن يرفع له قبعته احتراماً وتقديراً على أنه بقي شوكة في حلق خصومه، وأنه واصل معركته على المستويات، ولم يخسرها في مواجهة العالم كله، على الأقل حتى هذه اللحظة.

قد يغضب هذا التحليل الكثيرين، لكن الموضوعية تقتضي منا أن نكون حياديين، ونذهب بعيداً بالقول أن بعض الحركات السياسية الفلسطينية ربما أخطأت، وربما ينبغي عليها مراجعة مواقفها من النظام في سوريا، حيث بات واضحاً أن ما ينتظر سوريا بعد رحيل الأسد هو أمر لا يُسعد كثيراً من دول المنطقة وشعوبها، خصوصاً عندما يشاهدون المجازر التي ترتكب بحث أطفال سوريين على يد جماعات تسمي نفسها إسلامية، وبالتالي ننصح أي حركة فلسطينية تضررت علاقتها بالنظام السوري أن تبحث عن أية آلية مناسبة تستعيد بها علاقتها مع سوريا الدولة، وتسترد بها وترمم ما تخرّب من علاقات بفعل المواقف مما سميناه يوماً \\\"الثورة السورية\\\"، ونشدد هنا على أن الدبلوماسية الفلسطينية كانت مميزة مؤخراً عندما عادت الاتصالات بقوة بين السلطة الفلسطينية وبين الدولة السورية، على قاعدة أن سوريا دولة عربية شقيقة، وأنها تؤوي لاجئين فلسطينيين، وأنها كانت على الدوام نصيراً وداعماً ومؤازراً وسنداً للمقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، وهكذا يجب أن تبقى العلاقة مع دولة حافظت على بقائها وواجهت مصيرها بيدها وانتصرت لذاتها في مواجهة من أرادوها تتلاشى، وبقيت على الدوام شوكة في حلق المحتل.

باحث في الشؤون الفلسطينية