قصة قصيرة بعنوان : وسط عراكات الصور ..!!

تابعنا على:   20:58 2014-05-13

حامد أبوعمرة

كلها صور تدافعت بسرعة شديدة .. وتوالت بذاكرته لحظة انتظاره على أحد مقاعد محطات القطار القادم من محطة كوبري الليمون والمتوجه إلى محطة شبين القناطر ،وبين بداية الشريط الحديدي للقطار ،ونهايته تكون الحياة قد انتقلت بمعالمها وتضاريسها ومناخها بصفة كلية من الحضر بزحامه وتلوثه وضجيجه إلى أجواء ريفية ممتعة، رائعة ،وهادئة .. رغم سعادته ،ونشوته بانتظار رؤية المناظر الطبيعية الخلابة التي ستمر به عبر نافذة القطار من أشجار ..وبساتين ..وحقول شاسعة ممتدة ..وبيوت صغيرة مبنية من الطين تتراءى من بعيد أشبه ما تكون بمجسمات كرتونية دقيقة الملامح ،وسواقي المياه التي تحركها أبقار قوية معصوبة العينين تدور حول بئر صغير حيث تدفع الماء الجاري عبر تلك السواقي من الترعة إلى تلك الحقول .. رغم كل تلك الصور البديعة إلا أنه لا يعلم ما الذي حدث معه بالضبط لحظة انتظار القطار ،وما سر عراكات الصور الجميلة بالصور المتدافعة التي كونت بمخيلته لوحة حزينة مكفهرة عناصرها الرئيسية ..الأم البائسة من الحياة ، استغاثة الابن الحائر بين أبوية المتناحرين ،القطار السريع ،صوت أجراس المزلقان ،القضبان الحديدية ، كل تلك الأشياء قد اجتمعت في مشهد دراماتيكي مؤثر بأحد الأفلام القديمة التي شاهدها عبر التلفاز منذ الصغر ،وكلها صور قد ارتسمت في حناياه تاركة خلفها بصمات غائرة لا يمكن محوها أبدا ،وما هي إلا لحظات حين مغادرة القطار القادم من محطة المرج على الرصيف الآخر المقابل له ، وإلا وقد أفاق من شروده على سماع صرخة عالية مدوية زلزلت أرجاء المكان ،فاهتزت لصداها حتى العصافير التي كانت تزقزق فوق الأشجار القريبة من المكان ،والتي طارت على عجالة وخلسة مغادرة أوكارها.. وحينها اختلجت أعضاء جسده النحيل ، وسرت قشعريرة ضربت بسرعة خاطفة كالبرق جميع بدنه ..وما هي إلا ثوان ٍ معدودة وإلا وكان هناك حراك وتزاحم من المارة ،وتجمهر غير طبيعي ازداد شيئا فشيئا.. نظر أمامه وإذا بجثة هامدة مشوه الملامح ملقاة على قضبان السكة الحديدية القريبة منه على بعد أمتار محدودة .. كانت الجثة لطفل صغير بريء قد دهمه القطار .. تبين فيما بعد أن ذاك الطفل قد سقطت منه الكرة التي كان يحتضنها بين يديه ،بينما كان القطار يغادر المحطة فحاول أن ينزل من القطار ليلحق بكرته لكنه سقط صريعا تحت عجلات القطار التي لا ترحم ..ياله من مشهد مزعج ومقزز ..الغريب أن الكره كانت تتعالى بقفزاتها فوق الرصيف ، وكأنها تنتظره ليتلقفها .. مسكينة تلك الكرة لأنها لم تكن تعلم أن صاحبها قد فارق الحياة الدنيا ..!!

اخر الأخبار