أولويات المتصالحين مصالحة الشعب

تابعنا على:   19:03 2014-05-12

أ.د موسى أبو ملوح

لقد وُقِّعَ اتفاق المصالحة بين الفصائل دون اكتراث من قبل الكثيرين من أبناء الشعب العربي الفلسطيني، ومع ذلك نأمل أن يكون توقيع المصالحة ثمرة جهد بذل في مراجعة ما تم في سبع عجاف عسى أن يتم استيعاب الدرس وعدم تكرار ما حدث وما نتج عنه من آثار كارثية على حياة الإنسان العربي الفلسطيني وعلى قضيته الوطنية.

إن ما تم في السنوات السبع العجاف وما قبلها أثّر بشكل عميق على الإنسان وأضعف ثقته في الفصائل وفي قدرتها على المقاومة أو الإدارة أو إنجاز مهام سلطة رشيدة.

وعلى الفصائل أن تدرك أن ما أرتكبته من أخطاء أوصلت الشعب إلى ما وصل إليه من عدم اكتراث بما تقوم به تلك الفصائل، فالشعب يدرك أن الطريق السليم للوصول إلى السلطة لا يمر إلا من خلال الشعب حين تتاح له فرصة انتخاب قياداته انتخاباً حراً مباشراً، فالوصول إلى السلطة لا يكون عن طريق الحسم بالبندقية، بل يأتي عن طريق صندوق الانتخابات.

ويدرك أن فصيلاً وحده لا يملك ولا يستطيع تمثيله، فالشعب يدرك من يمثله، ويعرف أنه لا يمكن لفصيل أن يتجاهل وجود فصيل آخر ومن باب أولى لا يملك إمكانية القضاء عليه، ويدرك أيضاً أن من حقه أن يمارس حقوقه وحرياته العامة وأهمها حرية الرأي والتعبير، وأن من حرمه منها استهان به وخالف أحكام القانون الأساس.

ويدرك أن من يثقل كاهله بالضرائب والرسوم والغرامات وغير ذلك من أعباء مالية، لا يعي معاناة الشعب من الفقر والبطالة والحرمان، والشعب لا يسمح بأن يستخف به بخطاب إعلامي كله تناقض يتغير بتغير المواقف والمصالح.

ويدرك أنه لا يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة المسلحة، فمن يسعى للسلطة، لا ينوي المقاومة المسلحة وإن ادعاها، ويدرك أن الإدعاء بالدفاع عنه لا يستند إلى الواقع، لأن من يدعي ذلك فاقد قدرة الدفاع عن نفسه، ويدرك السياسات التي أدت إلى معاناته من الفقر والجوع والمرض وأبعدته عن أحلامه في العودة والتحرير والحياة الحرة الكريمة.

ويدرك الفئوية الفصائلية وما نتج عنها من تهميش للآخرين وجعل الوظائف تقوم على فكرة التمكين والولاء والاتباع، ويدرك أن القانون السائد هو قانون القوة لا قوة القانون.

إن إدارك الشعب لحقيقة ما حدث في سبع عجاف وما سبقها، جعله لا يكترث بالمصالحة ولا غيرها، بل يكترث بالحصول على ما يقوته ويخفف عنه شظف العيش وقساوة المعاناة وأصبحت المشاكل الحياتية والرغبة في حلها هي من أولوياته ومن أكبر اهتماماته، بعدما كانت كل اهتماماته بالمقاومة والتحرير.

على الفصائل أن تدرك أن الشعب يدرك ما حدث وعانى مما حدث وتألم بسبب ما حدث، لذلك على الفصائل مهمة أولى أساس هي أن تتصالح مع شعبها لتسترد ثقته بها ليلتف حولها حتى تستطيع تكملة مسارها للوصول إلى إنجاز مشروع المقاومة والتحرير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

إن إنجاز مهمة استعادة ثقة الشعب تتطلب من الفصائل أن تقلع عن منهجها في السبع العجاف وما سبقها، وأن تسلك منهجاً جديداً يجعل التخفيف من معاناة الشعب أهم أهدافها، فالشعب يرغب في فصائل تكون رافعة لصموده لا معولاً لهدمه، لذلك على الفصائل ومن يلي المسئولية عن الشعب العربي الفلسطيني منها أن تحترم إرادة الشعب وتعلي سيادة القانون وتحارب الفساد والمحسوبية والفئوية الفصائلية وتحترم الحريات العامة، وإن تعلم أنها أتت لخدمة الشعب، وهذا هو مبرر وجودها فالشعب مصدر السلطات، ومن يختاره الشعب لتولي السلطة يجب أن يكون خادماً للشعب يسهر على حريته ورفاهيته، ويصدق الشعب، ويعدل ويعمل على تداول السلطة عن طريق صناديق الانتخابات.

فلا تعاد الثقة إلا إذا قامت الفصائل بالتصالح مع الشعب ولا يتم ذلك إلا بأخذها حقيقة ملموسة في سلوكها ما يؤدي إلى استعادة ثقة الشعب، وهذا محك لما بعد المصالحة، فإما أن يقوم المتصالحون بخدمة شعبهم والتخفيف عنه واحترامه وتمكينه من حرية الرأي والتعبير، ومكافحة الفساد ويعتذرون للشعب عما سبق، وبالتالي يستعيدون ثقة الشعب، ويعفو ويصفح عنهم وتبدأ مسيرة أمل في سلم اجتماعي وتقدم وحياة كريمة، كل ذلك أساسيات لتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وأما أن يستمر المتصالحون على منهجهم السابق في السبع العجاف وما سبقها، وستكون الطامة الكبرى حين ينفذ صبر الشعب، فالفصائل بعد المصالحة في مفترق طرق وعليها أن تختار، وتتحمل النتائج نتيجة لإختيارها ونأمل أن يكون الاختيار هو الانحياز للشعب.

اخر الأخبار