مقومات نجاح الجهاز الأمني (الحلقة الخامسة )

تابعنا على:   01:13 2014-05-12

اللواء الركن عرابي كلوب

لقد عانت الأجهزة الأمنية من التسييس والولاءات الشخصية القوية التي كانت تحكمها وتضخم أعدادها , وتداخل المهام والمسؤوليات المنوط بها , وعدم تعاون هذه الأجهزة مع بعضها البعض , وذلك لافتقارها للخبرات الإدارية المؤهلة , حيث أنعكس ذلك على تلك الأجهزة وضعف المرجعية القانونية وإنعدام الرقابة البرلمانية على تلك الأجهزة .

إن جهاز الأمن هو من الأجهزة السيادية المهمة والضرورية التي يقع على عاتقها تحقيق الأمن والأمان للمواطنين بما يستلزم تطوير هذه الخدمات واستمرارها لأهميتها بالنسبة للتطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي , ويتطلب استمرار هذا الجهاز وتطوره مداومة قياس فعاليته للتأكد من تحقيقه لأهدافه ولارتباط هذه الأهداف والفعالية بتحقيق أهداف وفعالية جميع المنظمات بالدولة وبالتالي نظام الحكم .

لقد كان النزاع علي تشكيل الأجهزة الأمنية وتبعيتها أثر توقيع اتفاقية (مكة المكرمة) في مارس 2007 العامل الأساس في إعادة بدء الصراع العسكري و ما ترتب عليه من نتائج ، حيث كان علي رأس بعض الأجهزة الأمنية قادة غير مؤهلين عسكريا أو أمنيا ، و كذلك وجود انتماءات حزبية و فصائلية وعشائرية في هذه الأجهزة ، أفقدت تلك الأجهزة مصداقيتها ، و كان له الأثر الكبير علي تدهور الأداء وفقدان ثقة الجماهير بها ، وأصبحت المحاصصة الحزبية هي المطلب الأول لجميع الأحزاب والتنظيمات ، و ذلك اعتقادا منها بأن السيطرة علي هذه الأجهزة هو الطريق الوحيد للسيطرة علي السلطة .

وعليه فإن مقومات نجاح الجهاز الأمني تقوم على المبادئ الأساسية التالية :

1-      العقيدة الأمنية :

إن العقيدة الأمنية هي خلاصة الدراسات والتجارب التي تجرى في الدولة وذلك للوصول لوضعها المناسب في إطار مبادئ وأسس الإستراتيجية العسكرية , والواقع أن العقيدة الأمنية إنما تنبع من أهداف الدولة القومية وهي محصلة لعدة عوامل تتحكم في أسلوب تحقيقها وتنفيذها من وجهة النظر العسكرية وكذلك فأنها تنبع من الأهداف الوطنية والمصالح العامة وتتمشى مع القدرات الذاتية والظروف المحلية وطبيعة العدو التقليدي للدولة , بحيث تناسب الوضع القائم للأجهزة الأمنية وتصلح لكل الظروف والأحوال التي تعمل عليها , كما تحافظ على وحدة أبناء الشعب الفلسطيني وحماية حقوقه المشروعة , وتنطلق العقيدة الأمنية الفلسطينية وفق ما نص عليه القانون الأساسي المعدل للسلطة الوطنية الفلسطينية لسنة 2003 في مادته ( 84 ) والذي ينص بأن وظيفة قوات الأمن الفلسطينية هي الدفاع عن الوطن وخدمة الشعب وحماية المجتمع والسهر على حفظ الأمن والنظام العام والآداب العامة , وهي تؤدي واجبها في الحدود التي رسمها القانون في احترام كامل للحقوق والحريات .

وعليه يجب أن تقوم العقيدة الأمنية على الأسس التالية :

-        أن تقوم العقيدة الأمنية على أساس إستراتيجية دفاعية .

-        أن تضمن العقيدة الأمنية في حدها الأمني حماية القانون الأساسي (الدستور) وسلامة ومصلحة الشعب الفلسطيني .

-        أن تستجيب لاحتياجات الفلسطينيين الأمنية في حدودهم السيادية على المستويين الفردي والجماعي .

-        أن تبتعد العقيدة الأمنية عن سياسة الأحلاف والمحاور والتناقضات الدولية والإقليمية ولا تشكل تهديدا لغيرها .

2-      مجلس الأمن القومي :

العمل على إعادة تشكيل مجلس الأمن القومي باعتباره المرجعية للأجهزة الأمنية كافة والإطار الناظم لعملها , وهو الذي يقوم بتحديد سياساتها .

3-      الرقابة البرلمانية :

تبرز أهمية الرقابة البرلمانية على المؤسسة الأمنية في الحالة الفلسطينية باعتبارها مدخلا لإصلاح الأجهزة الأمنية لتعمل وفقا للقانون بنزاهة وشفافية , ولتوفير الأمن والعدالة للمواطنين .

ومن خلال الرقابة البرلمانية يتم كبح إساءة استخدام السلطة أوتنفيذ سياسات حزبية ضيقة , وتلافي الإخفاقات والتأكد من قانونية أنشطة الأجهزة الأمنية , مما يضفي الشرعية على هذه الأعمال والأنشطة التي تقوم بها , كذلك تساعد رقابة المجلس التشريعي على التعرف على نتائج السياسات الأمنية ومدى تلبيتها لرغبات المواطنين بما يضمن بناء مؤسسة تمثل كافة أطياف المجتمع الفلسطيني , حيث أن من بين هيئات المجلس التشريعي المتخصص بالرقابة على المؤسسة الأمنية هي لجنة الداخلية والأمن والتي تختص بمراقبة أداء هذه الأجهزة في التنفيذ ومدى التزامها بالقانون .

وعليه يجب أن تقوم الرقابة كالآتي :

_ خضوع المؤسسة الأمنية وقادتها للرقابة من قبل المستوى السياسي .

_ تقديم المؤسسة الأمنية تقاريرها الدورية عن عملها للجهات الرقابية المختصة .

_ تنظيم آلية رقابة وطنية لمعايير جودة عمل المؤسسة الأمنية .

أما من ناحية المساءلة والشفافية فيجب أن تتمثل في الآتي :

_ خضوع المستوى القيادي للمؤسسة الأمنية لرقابة ومساءلة لجان متخصصة في المجلس التشريعي .

_ التحقق غير الدوري من قبل هيئات وطنية من معايير الالتزام بحقوق الأفراد وثقافة حقوق الإنسان.

3- الإطار القانوني :

يمثل الإطار القانوني السليم شرطا أساسيا مسبقا لضمان الحكم الرشيد لقطاع الأمن الذي يتسم بفعالية ونجاعة وخضوعه للمساءلة وذلك للأسباب التالية :

1_ يحدد هذا الإطار القانوني دور مختلف الأجهزة الأمنية والمهام الموكلة لكل منها .

2_ يحدد الامتيازات الممنوحة لأجهزة الأمن ولأفرادها والقيود المفروضة على صلاحياتهم .

3_ يحدد الالتزام بتنفيذ قوانين العمل في الأجهزة الأمنية المقررة من المجلس التشريعي خدمة للرؤية الوطنية المنشودة , وتطوير نظام عمل الأجهزة المختلفة .

4_ يحدد وضع لوائح تنفيذية خاصة لعمل الأجهزة الأمنية ( كل على حد ) استنادا إلى القوانين الخاصة بها .

5_ تطوير القوانين الخاصة بعمل الأجهزة الأمنية مثل قانون الخدمة لقوى الأمن الفلسطيني رقم (8) لسنة 2005 بما يتلاءم مع المتغيرات والمستجدات المستقبلية .

6_ يوفر هذا الإطار القاعدة اللازمة لإجراء المساءلة حيث انه يضع حدا فاصلا واضحا بين السلوك القانوني والسلوك الغير قانوني.

ولهذه الأسباب مجتمعة غالبا ما تسهل عملية نجاح الجهاز الأمني بمراجعة شاملة للتشريعات التي تنظم هذا القطاع وإعادة صياغتها .

4_ هيكلية الأجهزة الأمنية :

1_ يتم إعادة بناء وهيكلة الأجهزة الأمنية على أسس مهنية والعمل على توفير احتياجاتها.

2_ تنفيذ إصلاح شامل ينزع عن الأجهزة الأمنية الصفة الحزبية والفصائلية.

3_ إبعاد الأجهزة الأمنية عن الصراعات السياسية والتجاذبات وترسيخ ولائها للوطن والقانون.

4_ دمج ما يتشابه من الأجهزة من مهام مع بعضها البعض وتحديد صلاحيتها بشكل محدد .

5_ اختيار قادة الأجهزة الأمنية وفق مواد قانون الخدمة لقوى الأمن الفلسطيني المتعلقة بهذا الشأن , وإقرارها من مجلس الأمن القومي وإصدار المراسيم الخاصة بالتعيين لذلك .

6_ الالتزام بمبدأ دوران قادة الأجهزة الأمنية .

5_معايير حقوق الإنسان :

يجب علي الموظفين المكلفين بأنفاذ القانون احترام معايير حقوق الإنسان و احترام المواثيق والصكوك الخاصة بذلك ، وأن تنعكس هذه المعايير في كافة التشريعات التي تسنها الحكومة ، و أن تقوم الحكومة باتخاذ ما يلزم من تدابير لإطلاع الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون بعقد دورات تدريبية وتنشيطية في مجال حقوق الإنسان لشرح النصوص والتشريعات وفقا لمدونات السلوك والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان .

لقد كان الأمن وما زال وسوف يبقي هو عصب الحياة الأساس ، فلا تنمية علي أي صعيد بدون أمن ، ولا تقدم إلي المستقبل بدون أمن ، ولا دولة تبسط مسئولياتها علي كل أراضيها وشعبها بدون أمن .

والأمن نعمة لا يقدرها إلي من يفقدها ، والأمان من نعم المولي سبحانه علي عباده الذي رضي الله عنهم .

قال تعالي في كتابه العزيز:

( والذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) صدق الله العظيم .

اخر الأخبار