العقل النقدى: درس لـ «الإخوان».. ولنا أيضاً؟

09:14 2013-10-25

د. وحيد عبدالمجيد

فشلت جماعة «الإخوان» فى تشكيل معارضة قوية بعد عزل الرئيس السابق المنتمى إليها. وما الارتباك الواضح فى أداء قيادة هذه الجماعة فى الوقت الراهن إلا نتيجة ذلك الفشل. فهذه هى المرة الأولى التى يقف «الإخوان» فى المعارضة وحدهم بلا سند إلا من بعض تنظيمات تعانى مشكلتهم نفسها وهى ضعف العقل النقدى الذى لا بديل عنه لبناء معارضة قوية.

فقد استندت قوة المعارضة ضد نظام حسنى مبارك، حين بلغت ذروتها فى سنواته الست الأخيرة، على التيارات الوطنية الديمقراطية ليبرالية وقومية ويسارية وغيرها. كانت هذه التيارات ضعيفة تنظيميا، ومازالت، مقارنة بجماعة «الإخوان» وتنظيمها الحديدى. ولكن التيارات الضعيفة تنظيمياً امتلكت قدرة على النقد المؤثر الذى استهان الكثيرون به فى عهد مبارك، رغم أنه فرض على سلفه أنور السادات حل مجلس الشعب المنتخب عام 1976 لأن 15 عضواً فيه فقط زلزلوا أركان نظامه بفقدهم القوى والعميق لإطار كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل.

ولذلك كانت المعارضة التى عبدَّت الطريق، ببطء ولكن باطراد، لثورة 25 يناير معتمدة على النقد القوى الذى مارسه مثقفون وسياسيون وإعلاميون ينتمون إلى التيارات «المدنية»، فى الوقت الذى حرص فيه «الإخوان» على ادخار تنظيمهم القوى الذى لم يُستخدم فى دعم تلك المعارضة بمقدار ما انشغل بالتغلغل فى المجتمع وبناء قواعد يعتمدون عليها لتحقيق مصالح خاصة بهم.

وقد استهان «الإخوان» بقدرة التيارات «المدنية» على النقد، وأغفلوا أن قوة هذا النقد حين يكون فى الصميم يمكن أن تفوق قوة التنظيم. ولم يفهموا أن افتقادهم العقل النقدى بحكم تربيتهم فى تنظيم حديدى مغلق يمكن أن يكون مصدر ضعف شديد الخطر عليهم. وما كان لهم أن يعوا ذلك، وهم الذين استهانوا بأهمية هذا العقل وأصحابه على مدى عقود من الزمن. وربما ساهم فى عدم وعيهم بذلك افتتان بعض من يملكون عقلاً نقدياً، وربما كثير منهم، بقوة التنظيم «الإخوانى».

ولذلك لم يقدَّر «الإخوان» حين وقعت السلطة بين أيديهم أن قوة التنظيم لا تغنى عن قوة العقل، بل قد لا تصمد فى مواجهة النقد المنهجى الذى يستطيع العقل النقدى ممارسته. فقد ظنوا أن قوة التنظيم تغنيهم عن كل شىء، رغم أنها لم تمكَّن مرشحهم فى انتخابات 2012 الرئاسية من الفوز إلا بهامش ضيق للغاية، علما بأن نتيجة تلك الانتخابات لم تكن من صنع تنظيمهم وحده.

وعندما وقعت السلطة بين يدى «الإخوان» نجحت المعارضة التى تمتلك عقلاً نقدياً فى تعرية نظامهم مستثمرة افتقاد القائمين عليه القدرة على تقدير الأثر المتراكم بسرعة لنقد منهجى بدأته «جبهة الإنقاذ الوطنى» منذ تأسيسها فى 22 نوفمبر 2011 ثم اتسع نطاقه، وقام الإعلام الخاص بدور مهم فيه.

وكم يبدو الفرق شاسعا بين معارضة القوى «المدنية» لنظام «الإخوان» إلى أن تم عزل مرسى فى 3 يوليو الماضى، ومعارضتهم الحالية للإدارة الانتقالية. ويكمن هذا الفرق فى حضور العقل النقدى فى قلب المعارضة التى واجهت نظام مرسى، وغيابه فى معارضة «الإخوان» الحالية التى تعتمد على تنظيم لا يفيد كثيراً فى غياب النقد المنهجى الذى يخلق الأجواء الضرورية لحركة مثل هذا التنظيم، وإلا صارت هذه الحركة خبط عشواء كما هو حاصل الآن.

ولذلك حققت قوة العقل فى فترة حكم «الإخوان» ما لا تستطيع قوة التنظيم أن تحدثه إلا إذا أُتيح لهذا التنظيم أن يعمل لسنوات طويلة ويتغلغل فى المجتمع مستخدما مزيجه التقليدى الذى يجمع بين الدين والخدمات الاجتماعية.

وإذا كان تنظيم «الإخوان» غير مؤهل لاستيعاب هذا الدرس الذى يؤكد أن العقل النقدى أهم من التنظيم القوى، فالمفترض أن يكون الوضع مختلفاً بالنسبة للتيارات الليبرالية واليسارية والقومية التى تملك هذا العقل، خاصة أنها ليس لديها حتى الآن غيره فى ظل ضعف بنائها التنظيمى.

ولذلك لا يصح أن تفَّرط هذه التيارات أو بعضها فى أهم ما تملكه، بل فى المصدر الوحيد لقوتها، عبر تعطيل عقلها النقدى إلى أن تنتهى المعركة التى تخوضها الإدارة الانتقالية ضد تنظيم «الإخوان». فالاستعداد الذى يبديه بعض أصحاب العقل النقدى لتعطيله ينطوى على خطر فادح، لأنه سيؤثر فى قدرتها على التأثير وقد يؤسس لمرحلة أخرى لا تحترم العقل على شاكلة سلطة مبارك. وإذا حدث ذلك، ستكون الخسارة فادحة لمصر كلها، وليس فقط لهذه التيارات. فلا مستقبل لهذا الوطن فى غياب العقل الذى تربطه بالنقد عروة وثقى لا تنفصم.

عن المصري اليوم

اخر الأخبار