المنقبة.. الجسد الأنثوي مقموعاً

تابعنا على:   11:34 2014-05-10

ريتا فرج

كتب كثيرون عن المرأة في الإسلام ويُعد موضوع الحجاب والنقاب من أبرز الموضوعات التي تمّ التطرق إليها، وقد تفاوتت القراءات في أهميتها، بعضها اتخذ طابعاً تكرارياً يصب في خانة الخلاصات الفقهية، والبعض الآخر قدم رؤى جديدة تختلف إلى حد ما عن المنظور التقليدي.
لم يشهد العالم العربي هذا الحضـور الكثيف للمنقبات كما حدث في العقدين الأخيرين، وبصرف النظر عن العوامل الدافعة حول انتشار هذه الظاهرة التـي لا تمـت للإسـلام بصلة تبقى من الظواهر الطارئة على التاريخ الإسلامي وتستحق المزيد من الدرس والتحليل.
ينتشر النقاب بشكل ملحوظ في الدول العربية والإسلامية، ولا يختلف الفقهاء على وجوب تغطية المرأة لرأسها وكامل جسدها، لكن الاختلاف الفقهي طاول الوجه والكفين، قسم يدرجهما في نطاق العورة ما يتطلب الستر، وقسم آخر لا يقول بذلك.
ليست المقالة مطالعة حول الآراء الفقهية عن النقاب، إنما هي محاولة قراءة لتجربة حية ومباشرة قد تبدو عادية في بيئة مجتمعية بطركية اعتادت على قمع النساء باسم الدين ولجم حضورهن في المجال العام. الحاصل، أن امرأة منقبة كانت مع زوجها في أحد المطاعم، وبعدما قدم النادل الطعام طلب الزوج وضع عازل خشبي يفصله عن رواد المطعم كي تتمكن زوجته من كشف وجهها. والحال، إلام يحيلنا هذا المشهد؟ تحولت المرأة إلى جسد مركب من المعاني، تابع بلا هوية؛ جسد تُرسم حدوده ويتم ضبطه بهدف إبقائه تحت السيطرة الذكورية وإدارتها. أصبح الجسد كله عبارة عن ثقب لا بد من تحديد حركته الفاتنة والمغرية في نطاق الذكر الشرعي، أي الزوج، ونحن هنا أمام جسد مجنسن يُنظر إليه بوصفه مكمن الفتن.
إن تعبير الفتنة غني بدلالاته وله حقل واسع من علم الألفاظ الدلالي، فجذره اللغوي يعني الاختبار والامتحان، والفاتن هو المضل عن الحق، والفتان من أسماء الشيطان، وفي المدلول الاجتماعي أو الديني، تدل الفتنة على النزاع الأهلي أو النزاع داخل الأمة، كما أن لها دلالة واضحة في حقل الجنسانية حيث تسبب المرأة الفتنة ــ أي الفوضى والاضطراب ــ لأنها تشتت انتباه الرجل وتغريه على ارتكاب المعصية. (بينار ايلكاركان: المرأة والجنسانية في المجتمعات الإسلامية، دار المدى، 2004). توازي فتنة المرأة بقوتها الجنسية فحولة الرجل، حين تكون الأنثى في موقع الإغراء تشكل تهديداً واضحاً للذكر لذا يعزل الجسد الأنثوي، فيتحدد دينياً عبر النقاب الذي يؤكد أعلى مستويات الضبط الديني المتمركز حول الذكورة الفاعلة والقادرة. ولعل اللون الأسود للنقاب ينم عن رمزية متشعبة وعن دال قهري غايته وأد مفاتن النساء والحيلولة دون تهديد الذكورة.
المنقبة ذات حاضرة غائبة، والأنثى، كما يدل المشهد ليست كائناً عاقلاً، هي في عمق احتكار الذكر، ما يجعلها رأس مال مُتْعَوِيًّا خاصا بالرجل/ الزوج. غير أن إشكالية النقاب تستدعي قبل كل شيء الحديث عن جسد مخفي مستكين يتضمن مؤشرات الذكورة بحمولتها ودلالاتها وتوجسها المحموم من الغواية والممهور بالقدسية الأنثوية المشروطة المرتبطة بالفاعل الذكوري الشرعي الذي يتباهي في ممارسة سلطته القضيبية بأبعادها كافة.
الذكورة بما تتضمنه من سلطة قمعية، مغروسة بعمق في ثقافتنا الاجتماعية والدينية وفي الأعراف والتقاليد، والمرأة في بعض المجتمعات العربية والإسلامية لا تخرج عن دائرة التملك فهي ملك الرجل وحرمته؛ والحرمة مستمدة من الحرام ومنها يأتي الحريم المقرون بالمقدس، وهذا المعنى كما يلاحظ علي زيعور في أطروحته الهامة «التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية» له مدلول «تصغيري». يكشف معنى حرِم عن معانٍ عدة منها: الحَرامُ: نقيض الحلال، وجمعه حُرُمٌ؛ والحَرامُ: ما حَرَّم اللهُ. والمُحَرَّمُ: الحَرامُ. والمَحارِمُ: ما حَرَّم اللهُ. والحَريمُ: ما حُرِّمَ فلم يُمَسَّ. يؤشر المشهد نفسه إلى تحويل المرأة لبضاعة يملكها الرجل، ليس لها هوية، وإن وجدت فهي تابعة للشرط الذكوري، أي أن الذكر محدد هويتها، زمنياً ومكانياً، ويرسم لها فضاء تحركها وفقاً للعاملين الديني والمجتمعي. المرأة بهذا المعنى بضاعة، علماً أن بعض التفسيرات الفقهية في الإسلام رأت في عقد النكاح «استباحة الانتفاع بالجملة» وهو «معاوضة البضع بالمال»، و«البضع» (الفرج) كما جاء في لسان العرب، موضع الغشيان، كما أنه مهر المرأة، ومنه البضاعة.
ينفي هذا المشهد وجود المرأة ككيان إنساني عاقل ومستقل، إذ تحولت الى مادة أو معطى جامد، تتحدث الدراسات النسوية عن تشييء الأنثى؛ والتشييء Réification يعني اختزال وجود كائن إنساني الى مرتبة الشيء، ويتعلق هذا المصطلح بعمليات التبخيس التي تصيب قيمة الإنسان، كآخر شبيه بنا ومعادل لنا في علاقة تكافؤ، فيحل محل الاعتراف بإنسانيته انهيار لقيمته، ويتحول الى مجرد أداة، أو رمز، يفقد خصوصيته واستقلاليته كلياً (مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، 2001).
أصبحت المرأة كائناً للمتعة، متعة الزوج. النقاب وكذلك الحجاب، بالبعد الإيحائي والمادي يرمز إلى معطيين مترابطين: الأنثى المقموعة بسبب إغرائها ومفاتنها المدرجة ضمن الولاية الذكورية، والأنثى التي تعلن علانية وأمام الجميع عن عفتها وطهارتها. في المقابل ترى المنقبة الرجل ولا يراها، وتكتسب حضورها كآخر منبوذ من اختفاء وجودها وإلغائه أمام التسلط الديني الذي لا ينظر إلى النساء إلاّ من موقع الإمتاع، إمتاع الرجل/ الذكر الذي حظي بكل مواصفات القوة والفحولة والقدرة في المجالين الخاص والعام. وبعيداً عن الجدل الفقهي المستفيض حول الشرعية الدينية للنقاب، تستمد السيطرة الذكورية جذورها من السياق الديني والمجتمعي؛ سلطة أقل ما يُقال عنها إنها عنيفة متجذرة في المنظومة البطركية وفي قبول النساء وموافقتهن على هذه السيطرة التي لم يكن لها لتستمر لولا تقاسمهن للتمثلات ذاتها، التي تعطي الشرعية للسيطرة الذكورية، كما خلص عالم الانثروبولوجيا الفرنسي موريس غودلييه (1934).
يعكس المشهد نمط الرجل/ البَعْل، المتسلط والقوي، الذي يختصر حضور زوجته في مجاله القضيبي؛ والبعل هنا السيد والمالك، أي سيد المرأة ومالكها. ارتبطت الأنثى في الديانات بالغواية والخطيئة، وليس الإسلام طـبقاً للـفهم الفقهي والموروث الديني التقـليدي وحده الذي يختزن بنى بطركية عميقة قاهرة للنساء عبر جعلهن أداة للمتعة والإنجاب، أو كائنات جنسية إغوائية تهدد الرجال، فتاريخ اليهودية والمسيحية لا يقل ضراوة في أدواته القهرية.

عن السفير اللبنانية