دولة فلسطين مدنية أم عشائرية

تابعنا على:   17:32 2014-05-09

جهاد حرب

أعلنت عشائر ورجال الإصلاح في احدى محافظات الضفة مقدار دية القتل الخطأ \\\"غير العمد\\\" كحوادث السير والدهس بـ 36 كيلو غرام من الفضة حسب سعرها في السوق قرابة 12000 دينار، وهي بذلك نصبت نفسها مؤسسة تشريعية تشرع قانونا، وكذلك محكمة تقضي بقانون خاص.

وعلى الرغم من الدور الكبير والهام الذي لعبه رجال الاصلاح والعشائر، في ارجاء البلاد كافة خلال الحقب التاريخية التي مرت بها فلسطين، في حقن الدم وإنهاء الخلافات وإصلاح ذات البين بين العائلات الفلسطينية في ظل غياب سلطة الدولة الوطنية أو ضعف ادوات فرض القانون. الا أن الاستمرار في هذا النهج يضعف شرعية السلطة الحاكمة من ناحية ويخلق ازدواجية في ارتباط  المواطن ما بين الدولة والعشيرة وأيهما له الأولوية والغلبة بالنسبة له.

ففي حال شعر الشخص أن العشيرة هي الحامية أصبح ارتباطه بالدولة ضعيفا وغير مقتنع بما يؤديه من ضرائب ورسوم وغيرها من واجبات يفرضها القانون ما يدعوه الى التحلل من واجباته ونقلها لمن يحميه أو يدافع عنه أو يوفر له الملاذ من عنف المجتمع أو ظلمه. فعلى سبيل المثال، يطرح ما جاء في بيان رجال العشائر والاصلاح، دفع الدية في حالة القتل غير العمد وغيرها، مسألة الزامية التأمين الخاص بالسيارات الذي ينص عليه القانون في حال سيدفع المواطن نفسه دية أو نفقات الصلح الناجم عن حوادث السير، والزامية الخضوع لسلطة الشرطة صاحبة الاختصاص في هذا الجانب. كما يطرح مسألة قانون العقوبات الذي ينص عدم محاكمة الشخص مرتين على نفس الجرم، ويحدد عقوبة واحدة لكل جرم فهل يعقل أن يدفع الشخص الثمن مرتين عن كل مخالفة أو جرم واحدة في المحكمة الرسمية واخرى أمام رجال الاصلاح والعشائر. كما أن \\\"القانون\\\" العشائري هذا لا يتطور بتطور الحياة المدنية؛ فقد أصبحت شركات التأمين تقوم بالتعويض عن الحوادث بدلا من العائلة، في ظل الدولة المدنية ومؤسسات الحكم.

عادة تحتكم الدولة المدنية الى الدستور والقانون، وتستند في عملها الى المؤسسات السياسية والإدارية كالوزارات والمؤسسات العامة بما فيها أجهزة الامن لتطبيق القانون وفقا لإجراءات محددة، وهي كذلك تتحمل أخطاء عُمالها في فرض القانون. وهي \\\"الدولة\\\" وحدها تحتكر استخدام القوة الشرعية لفرض القانون سواء في مسألة توفير الامان أو تحقيق التنمية والرفاه الاجتماعي.

وتضعف شرعية الدولة لدى مواطنيها في حال تخلت طوعية أو غصبا عن القوة الشرعية في فرض القانون أو عدم الاحتكام اليه في معاملات المواطنين \\\"رعاياها\\\" وتوفير العدالة والانصاف، مما يؤدي بهم للجوء إلى وسائل وطرائق لتحقيق الانصاف أو العدالة بعيدا عنها، مما يقوي وجود آليات موازية لأجهزة الدولة فتصبح أحيانا أعلى مكانة منها أو تطغى عليها.

والسبيل لعدم اضعاف شرعية السلطة الفلسطينية في نظر الفلسطينيين هو الاحتكام دائما الى القانون، وتفعيل مؤسساتها لفرض القانون وعدم التهاون في تحقيق العدالة وايجاد سبل الانصاف تحقيقا لمبدأ المواطنة. مما يتطلب اعادة النظر من قبل السلطة الفلسطينية والمواطنين إما الذهاب الى المواطنة بواجباتها وحقوقها أو الذهاب الى العشائرية أيضا، بواجباتها وحقوقها، ولا يمكن الجمع ما بينهما فكلاهما يتناقضان مع بعضهما.