منازلة

تابعنا على:   23:56 2013-10-24

عبد الوهاب أبو هاشم

المكان.. مخيم يبنا بمعسكر رفح للاجئين.. الزمان.. أوائل الخمسينات من القرن العشرين.

لاقيته عند الظهر كالعادة في ساحة اللعب بالحارة بعد أن تخلصت من عبء خريطة المدرسة ـ الشنطة الآن ـ .

الخريطة تقوم بمهام الشنطة المدرسية.. لا تعدو أن تكون قطعة بالية من قماش رخيص على هيئة كيس.. معلق من طرفيه بحبل من نفس القماش يحيط بالرقبة وينسدل على أحد الجنبين أو الخلف أيهما تريد.

لم أكن مستعدا للنزال.. كان القرار سريعا.. طلب (منازلتي) على البحر.. قبلت كارها.. تمنيت لو اختار (المطالعة) على السكة الحديد.. فهي أقرب بكثير رغم أنها في مرتفع نسبي.. لكنه من طلب النزال.. وتقتضي الفتونة أن أقبل التحدي على شروطه دون نقاش.

كنت أحمل صرة من نوى المشمش جمعت بعضه من على الأرض بمشقة، وكسبت الباقي من يوسف ومن غيره.. مكاسب نوى المشمش كان لها وضع يختلف عن( البنانير).. لم تكن تترجم إلى نقود غاية ما هنالك فيه أن نكسر النوى الصلبة ونحفظ القلوب منقوعة في الماء لمدة أسبوعين وبعدها نأكلها عوضا عن اللوز والفسدق.. لم يكن طعمها مستساغا، لكنها بالقطع تكون قد فقدت مرارتها.

كنا نمارس القمار بعدة طرق، لعل أطرفها أن يملأ الطفل يده بالنوى ويقبض يده عليه ويسأل (بالجوز والا بالفرد؟).. وعليك أن تخمن قبل أن يبدأ العد.. كنا نستعين على التخمين بالضغط على ظهر اليد المقبوضة بطرفي الإبهامين ونعد الثنيات المتكونة فتكون قرينة تحدد خيارنا.

حمرق يوسف لخسارته.. اتهمني بالمغالطة في العد.. عندما اشتد الخلاف.. طلب منازلتي.

سرنا بعزيمة المتعجل، نازلين نحو البحر.. انصرف الشاهد الوحيد لبعض شأنه وبقينا وحدنا.. قطعنا شوطا حتى خلفنا العمران، وبدأنا نتسلق السوافي الرملية.. كانت أكثر إغراءً من الأسفلت المتكسر الممل.

بدأت أحس بالتعب من كثرة الصعود والهبوط.. عندما قرصني الجوع، تذكرت أنني لم أكن قد طعمت شيئا.. يستطيع يوسف أن يرحم نفسه ويرحمني لو أراد.. كنت أسير كارها مراهنا على تراجعه، ولعله كان يراهن مثلي فاستمر سائرا، واستمررت مكابرا.

قطعنا شوطا آخر، فأشرفنا على المزروعات (المواصي).. بمرآها أحسست بسحر خاص ورغبة في الاسترخاء لا تقاوم.. ويبدو أن ما أصابني لم يخطئ غريمي فقد أطلق لسانه لأول مرة يخاطبني:

"إيش رايك ندخل نشوف مية نشرب؟".

... لقد خالف الخصم تقاليد المنازلات.. تحدث معي قبل العراك الموعود.. العادة أن يصل الطرفان إلى مكان النزال وهم في حالة خصام (حُرُبْ).. ثم يبدآن مسلسل تصعيد الشجار بالكلام والشتائم ثم باستخدام الأيدي والأرجل حتى ينهكهما التعب أو يفرق بينهما أحد الناس، فيبدآن مشوار العودة متجاورين أو منفصلين حسب تقبلهما لنتيجة الصراع..

أجبت على الفور:

" موافق.. أنا كمان عطشان"

دخلنا وسط المزارع.. وجدناها خالية إلا منا.. فجأة وقعت عيوننا على بقعة مزروعة خيارا.. بدون مشاورة، تسللنا، وغصنا نجمع ما أمكننا من ثمر.. ما أن ملأت جيوبي ، حتى صفع آذاننا صوت الشتائم.. أسرعنا بالهرب.. تسللنا من السلك.. رأيت الرجل يقترب منا أكثر فأكثر.. تخففت من كل ما أحمل .. عدوت وقد منحني الخوف قوة عجيبة.

كنت أدرك أنني لو وقعت في يده سأنال علقتين أسوأهما ليست منه، وإنما من شقيقي الكبير الذي سيعتبرني جلبت العار على العائلة المتدينة المستورة.

..... بعدما قطعنا أول مرتفع من السوافي، انقطع السباب.. أدركنا أن الرجل يئس من ملاحقتنا.. أو أنه اقتنع أنه لن ينال منا إلا ما ينال

الريح من البلاط!، فاكتفى بجمع خسائره المتناثرة.

.. كان يوسف لم يزل يلهث وهو يسألني:

" أنا جوعان.. هل معك خيارة؟"..

...... قلّبت يديَّ خاويتين حتى من كيس النوى..تلاقت عيوننا، فاستسلمنا لموجات متلاحقة من ضحك هيستيري حزين.