معارك برلمانية

تابعنا على:   15:09 2014-05-07

د احمد عويدي العبادي

كانت زيارتي الى قطاع غزة يوم الاربعاء 8/12/1999، امضيت فيها والزميل حمادة فراعنة يوما كاملا حافلا ببرنامج مكثف، برفقة مدير عام الشرطة الفلسطينية اللواء غازي الجبالي وضباطه، وهو يحظى بمباركة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ودعمه وثقته. ويتميز اللواء الجبالي انه يقف على مسافة متساوية من سائر التنظيمات الفلسطينية ومكونات الشعب الفلسطيني، ويرفض تهميش أي منهم او اقصاؤه، وبالتالي فهو موثوق من فتح التي هو من قياداتها، ومرضي عنه من حماس وسائر التنظيمات الفلسطينية الاخرى. ويحظى باحترام الاردنيين وبخاصة ابناء العشائر الاردنية وانا واحد منهم، ويتميز بوطنيته وهو يقول ان الوطن يجب ان يحتوي الجميع لانه للجميع والجميع للوطن أي فلسطين، ولم تسجل عليه عمالة لأية جهة اجنبية، وبالتالي فهو وطني فلسطيني بامتياز وعروبي ايضا.

وانني ارى ان لا بد من يوم يأتي وتحتاج فيه السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الى تكاتف جهود القيادات الفلسطينية بحيث تجمع صدق اللواء الجبالي مع شجاعة العقيد جبريل الرجوب وصراحته، ومكتومية اللواء توفيق الطيراوي وهدوئه، ودهاء محمد دحلان وبعد نظره، ونمط حماس الكفاحي في الجهاد والتصدي للعدو، وذلك لكي تواصل المسيرة الفلسطينية طريقها بالتجديد الاستمراري والاستمرار التجديدي

 وقبل الحديث لابد من القول هنا ان غزة لها خصوصية تختلف عن اية مدينة او محافظة في فلسطين او الاردن او حتى بلاد الشام برمتها. فللمدينة وقطاعها ثقافتها الخاصة بها التي تجمع بين أربع دوائر وثقافات مختلفة , لكن اهل غزة جعلوها دوائر مؤتلفة، الا وهي دائرة البحر وثقافة شعوب البحر، ودائرة الصحراء وثقافة البادية والصحراء، ودائرة الاحتلال، وثقافة المقاومة، ودائرة الحياة وثقافة صراع البقاء، وكلها تؤدي الى نتيجة واحدة وهي البحث عن الحرية والحياة وصراع البقاء مهما كانت الحياة صعبة ومهما كان ثمن الحرية مرتفعا من الدماء والدموع والتضحيات، وفي هذا الإطار فان الغزازوة ( ابناء غزة ) يحتفظون بمشاعر ودية تجاه المصريين وتجاهنا نحن الاردنيين وتجاه بقية مكونات الشعب الفلسطيني , ويرفضون الشعور بالدونية مهما كلفهم الثمن.

تتميز الامم البحرية والصحراوية بعشقها للحرية والانفتاح من جهة وتوجسهم الريبة تجاه الغرباء من جهة اخرى، وبالتالي فان الحدود والاحتلال والتأمر عليهم من العملاء والمتصهينين، لا يمكن لها ان تحشر شعبا بحريا او صحراويا في زاوية مغلقة، وكما البحر واسعا، وبين هائج مائج وساكن، كذلك الامم البحرية ومنهم اهل غزة، وهو مصدر رزق هائل ايضا. واما ثقافة الصحراء فهي ايضا تقوم على عشق الحرية وسرعة الحركة والقتال من اجلها، وعدم البوح بالأسرار، واما الاحتلال فقد اوجد لدى الغزازوة ثقافة المقاومة والجهاد، واما اجراءات الحصار فقد ساقتهم الى الصبر وحفر الانفاق لتكون متنفسهم الى مصر للاستيراد والتصدير والاتصال بالخارج.

ويبدو ان الصهاينة أدركوا هذه الميزات في اهل غزة فأصبح احتلالها مكلفا امنيا وسياسيا واقتصاديا، وعبئا ثقيلا ليس على الصهاينة فحسب، بل وعلى المتصهينين ايضا، ففر الاعداء والعملاء والصهاينة والمتصهينون منها جميعا في ليلة ليس فيها ضوء قمر (كما يقول المثل). من هنا فالانسحاب الاسرائيلي من غزة لم يكن عن طيب خاطر ولا كرما من الاحتلال ولا اخلاقا ولا جهدا او وساطة من الانذال والبكاة على الاطلال واصحاب الادعاء انهم اصحاب الرسالة القومية الخالدة من اجل وحدة العرب والعروبة وهم من شتت شملها ودمرها وباعها على من اسماهم ابناء العمومة، وانما كان الانسحاب بل الهزيمة رغم انف الاحتلال فغادر وهو صاغر وانفه ممرغ بالوحل، ورمال بحر غزة، وعجز امام مقاومة شعب يجمع ثقافة البحر والصحراء والمقاومة والحرية والتمرد والاباء جمعها كلها في إطار واحد، ولديه قدرة على العيش رغم انف الحياة والطغاة ولديه عشق طبيعي للحرية

 من هنا فان غزة لا يمكن ان يحكمها شخص ليس منها الا برضى اهلها عبر الديموقراطية والانتخابات الحرة النزيهة والاحزاب والتنظيمات، ولا يمكن ان يحكمها او يديرها من يدير ظهره للإسلام والحرية والعدالة والوطنية الفلسطينية والعرب والعروبة والقومية العربية، فهم شعب لا يقبلون بغير ذلك، وكلامي هنا مقصور على اهل غزة الذين بقوا فيها ورأيتهم وحكمت عليهم بما ذكرت بعد قضاء يوم كامل في ربوعها بين ظهراني اهلها. فالحياة هنا لا قيمة لها بدون الحرية والتحرر، واما العبودية فهي ليست في قاموسهم ابدا، ولديهم قدرة هائلة على التكيف مع سائر الظروف والاحوال والعسر واليسر والخشونة والنعومة والحصار والانفتاح.

ان الاردني الوطني لا يمل التجوال في فلسطين بما فيها غزة وفلسطين القديمة والضفة الفلسطينية، ويزداد ميله الى ذلك عندما يلتقي رجالا عملوا وناضلوا وحملوا شعلة الكفاح السياسي والمسلح من اجل فلسطين وحققوا جزءا من مشروعهم الوطني في التحرير والهوية والشرعية ومشروع الدولة التي تجد التآمر عليها ليس من الصهاينة فحسب، بل ومن المتصهينين وبكاة الاطلال والمنظرين وباعة الاوطان ممن يدعون العروبة وحفاظهم عليها وهم من نحرها من الوريد الى الوريد.

لقد حقق القادة الفلسطينيون (بكل اطيافهم) ما حققوه وهم احياء، وقدموا وشعبهم قوافل الشهداء والمناضلين والاسرى والمعتقلين، للوصول الى هذا الانجاز الذي ينعمون اليوم فيه. صحيح انني لا اوافق على كثير مما يقولون ويفعلون لأنني من مدرسة وطنية اردنية تصطدم كثيرا بشراسة مع مشروعهم إذا كان على حساب الاردن، وتؤيدهم بقوة إذا كان على الارض الفلسطينية، ولكني سأقف معهم حتى الموت مدافعا عن حقهم في أن يقولوا ما يريدون وان يناضلوا من اجل بلادهم وهويتهم وشرعيتهم بعيدا عن التراب الاردني، والهوية الاردنية , فانا رجل عانيت ولا زلت اعاني بقوة في بلادي من الاضطهاد والقهر السياسي والامني ولا أحب ان يعاني غيري كما عانيت واعاني , وانا سعيد ان اراهم فوق ارضهم لان ذلك يعني سلامة الاردن من ان تكون هي المئال والهدف والبديل من القوى المتآمرة والمتصهينة ضد الاردن والاردنيين.

فقد تعلمت من التجارب والمعاناة أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأن على المرء أن يحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد، والمثل يقول (ما يروح حق وراه مطالب)، فالحرية لا تأتي بالتوسل للأخرين وانما هي شيء يجب ان تنتزعه بنفسك وهو ما يحتاج الى التضحيات التي قد تفضي الى الموت لان ثمن الحرية في الاساس هو الموت، وجائزتها هي الحياة، فلا يمكن للإنسان او الشعب ان ينعم بالسلام ما لم يكن حرا، فالمستقبل الفلسطيني قائم على جهود هؤلاء الذين يعدّون اليوم ما يعدونه لقابل الايام.

كانت هذه الافكار في راسي عندما اقبلت والزميل الكريم حمادة فراعنة الى غزة، فهي البؤرة الملتهبة التي كانت ولا زالت شوكا في اعين الصهاينة، وخنجر مقاومة لا يكل ولا يفل في خاصرة الاحتلال، وجمرة حارقة لكل يد تلمسها بسوء ورطبا جنيا هضيما لكل يد حانية عليها دونما منة او استعلاء عليها.

صحيح ان قطاع غزة أكثر مكان مكتظ بالسكان في العالم بما يفوق نسبة الاكتظاظ في هونغ كونغ وسنغافورة، لكنها موجودة على خارطة المقاومة والسياسة والتأثير على العالم بما لا يقل اهمية عن سنغافورة وهونغ كونغ. وإذا كانت اهمية تلك في اسيا لأسباب سياسية واقتصادية فان اهمية غزة تقع ضمن قائمة طويلة من الاهمية وعلى راسها ان شعبها صاحب قضية ويعشق الحرية والتحرر ويموت من اجلهما.

في غزة وجدت ثلاث قوى تتحكم فيها سياسيا وامنيا واداريا، هي حركة المقاومة الوطنية الفلسطينية (حماس ورئيسها سماحة المؤسس لها الشهيد الشيخ احمد ياسين) والامن الوقائي برئاسة العميد محمد دحلان(فتح)، والشرطة الفلسطينية بقيادة اللواء غازي الجبالي(فتح). ورغم الحساسية العالية بين حماس وفتح، الا انهما يعملان ضمن توزيع الادوار من اجل القضية والشرعية والهوية الفلسطينية، ووجدت ان الخيوط كلها في نهاية المطاف لا تفلت من ايدي الرئيس ياسر عرفات، وان اللواء غازي الجبالي يحتفظ بعلاقات محترمة مع حماس وعلاقات خدمة وحماية مع اهل غزة.

واما العقيد محمد دحلان هنا فهو الذي يردد الغزازوة اسمه اينما ذهبنا، وحيثما التقينا، في السر أكثر مما هو في العلن، ففي الضفة الفلسطينية وجدت العقيد جبريل الرجوب حاضرا في كل جلسة واما في غزة فان محمد دحلان حاضر ايضا في كل جلسة لدرجة خلت معها ان المرافقين الذين معنا انما هم من اتباعه رغم انهم من كوادر اللواء غازي الجبالي، مثلما شعرت بالضفة ان جبريل الرجوب حاضر في كل جلسة ومكون اجتماعي

 ومن خلال التعامل والمشاهدة وما سمعت، فان محمد دحلان يتبع استراتيجية الحاضر الغائب ويتقنها بذكاء منقطع النظير، ولولا خشيتي من ان تؤدي مقابلتي له الى نزع العلاقة مع العقيد جبريل الرجوب لما ترددت في طلب مقابلته، وانا على يقين ومن خبرتي الامنية انه كان يتابع حركتي في غزة خطوة بخطوة، ولكن همي كان فك التحالف الامني بين الامن الوقائي بالضفة من جهة ودوائر الحكم والتحكم ومعاقل الظلم والظلام في شرقي النهر من جهة اخرى. ورايت ان يقتصر الامر مع محمد دحلان على السماع من الناس بدون تعليق، والا اقول ولو كلمة واحدة، لكيلا تصل اليه في غير معناها ومبناها، وحينها قد يفتح خطوطا ضدي في شرقي النهر، لانه قادر على ذلك بكل تأكيد، وانا بغنى عن هذا الامر.

ولمست الصراع بين جهازي الامن الوقائي في الضفة وهذا الذي في غزة، ولا شك انه لو اتحد جبريل الرجوب على ما يتمتع به من شجاعة وذكاء وقوة شخصية وصلافة وصراحة، مع محمد دحلان على ما يتمتع به من ذكاء ودهاء وقوة حجة ونعومة تخفي العنف والشراسة وراءها، اقول لو انهما اتفقا واتحدا لكان ذلك افيد وازيد للقضية الفلسطينية وشعبها قيادتها، ولكن يبدو لي ان لكل منهما حساباته, وان للأمور جذور وخيوط تتعدى شخصيهما وتدخل في المعادلات الفلسطينية والخارجية , الا ان اللواء غازي الجبالي نأى بنفسه عن هذه التجاذبات والصراعات وصار خلافه وصراعه مع العدو المشترك وهي اسرائيل دون ان يتصل بأية جهة اسرائيلية وترك مثل هذه المهمات لغيره فخلا تاريخه من مثل هذه الاعمال , ووقف على حياد من الصراع بين الرجلين لان كليهما كانا ضابطين يخدمان بمعيته ( انظر الوثيقة ).كما ان اللواء توفيق الطيراوي نأى بنفسه عن هذا الصراع وكرس وقته وجهده لعمله دون ان ينافس احدا او ينافسه احد .

وبين هاذين الرجلين (الرجوب ودحلان) استطاع اللواء غازي الجبالي ان يشق له مكانا ومكانة تجمع بين الذكاء من جهة، والصلابة وقوة الشخصية التي لا تهادن من جهة اخرى، وجميعهم لا يعترف أي منهم بتبعيته للأخر وانما للرئيس ياسر عرفات. ولا شك ان تربية اللواء غازي الجبابي في الاردن قد اثرت عليه كثيرا وصار يشعر في كثير من الاحيان انه غريب على الاجواء او ان لأجواء غريبة عليه، فهو حريص دائما الا ينبس ببنت شفة تسيء الى الاردن ولا يسمح بذلك , وهو وان أحب فلسطين حب الاصل والاصالة والنبالة , الا انه يحب الاردن حب التربية والنشأة وكما يقال (المربى غلب الاصل)، وهو حريص في كل مناسبة ان يتحدث عن اهمية العلاقة الطيبة والتاريخية مع الأردن من اجل امن البلدين والشعبين، ويؤمن ان لكل منهما هويته وشرعيته وكيانه , والا يطغى أي منهما على الاخر , وبقي محتفظا بصداقاته وعلاقاته مع الاردنيين وبخاصة ابناء العشائر منهم , وحظي باحترامهم كما قلنا اعلاه .

كان اللواء غازي الجبالي زميلا لي في الامن العام الاردني في اواخر الستينات من القرن العشرين، والتحق به عام 1967 برتبة ملازم اول لانه كان جامعيا، وكنت سابقا له في الخدمة في الجهاز بسنتين، وقد حصل غازي الجبالي على الاول في دورته الجامعية في كلية الشرطة الاردنية.

وعندما اشتد ساعد الثورة الفلسطينية ونتيجة للحسد الذي كان يشعر به من لم يستطع مجاراة السيد غازي الجبالي ولا التفوق عليه وقع الزميل الرجل ضحية التقارير الامنية الكيدية، وصدر امر ترميجه من الامن العام الاردني، فالتحق بالثورة الفلسطينية، وكما قلت سابقا فإنني كنت سألتحق بها لو ان مؤامرة الكيدية طبقت (بضم الباء) على بنجاح، فالبحث عن الحرية والأنفة هي ميزات كل حر ومنهم اللواء غازي الجبالي وكاتب هذه السطور

 كان اخر مرة رأيت فيها الزميل غازي الجبالي عام 1969 ونحن زملاء بالأمن العام قبل ان يلتحق بالثورة الفلسطينية

 واليوم وبعد ثلاثين سنة بالتمام والكمال, وكما وجدت في يومياتي المؤرخة يوم الأربعاء 8/12/1999 ( وجدت نفسي امام زميل سابق لي وتعانقنا في مكتبه في غزة وكل منا يبكي دموعا صادقة فقد تبادلنا البكاء بدل الكلمات وتعطلت لغة الكلام عند كلينا , وكلما نظر أي منا الى الاخر عاد يبكي , وقد اخذت منه السنين وبانت خارطتها على وجهه اكثر مني بكثير , واستغرب ضباطه من حوله كما استغرب الزميل حمادة فراعنة, اقول استغربوا ما رأوا كيف يبكي رجلان ابكى كل منهم الطواغيت وعتاة السياسة والظلم , وسلك كل منهما طريقا وطنيا كل في سبيله انا اردني وافخر بذلك , وهو فلسطيني ويفخر بذلك , وليس من عيب على أي منا ان يكون كذلك , ولكننا بشر ولدينا مشاعر , وشاهدت بعض زملائه يشاركنا الدموع بصمت لانه كان موقفا عاطفيا صادقا وانسانيا وتلقائيا , ونحن نلتقي اليوم وانا محصلة لانتخابات نيابية , اما هو فمدير عام للشرطة الفلسطينية ,واستعدنا الذكريات وفوجئ الجميع اننا كنا زملاء في الامن العام الاردني , ونحن اليوم رفاق في عشق الحرية وكل منا لديه قضية وطنية تكمل الاخر ولا تتناقض معه ) انتهى الاقتباس مما كتبته ذلك اليوم

 وقد تجولنا في قطاع غزة من مدخله الشمالي الى الجنوبي الى مؤسساتها وبحرها ورمالها، ومطارها والتفاصيل في يومياتي ولا مجال لها هنا

 وجدت هنا في غزة ولدى اللواء غازي الجبالي ما كان قاله جورج واشنطن :(عندما تتأصل جذور الحرية تصبح سريعة النمو) (الحرية هي المقوم الأول للحياة وأن لا حياة إلا بالحرية) (الحرية أثمن ما في الوجود، لذلك كان ثمنها باهظا)

واما انا فأقول هنا: (لقد سرت على الدرب الطويل للوصول إلى الحرية، وحاولت ألا أفقد تحمسي لها وايماني بها، ولكنني اكتشفت السر، في أنه بعد تسلق أي جبل، أجد جبالا أخرى كثيرة ينبغي تسلقها، فانا رجل أفضل الموت جوعا وانا حر على أن اعيش عبدا او عابدا للأصنام والطواغيت وانا غني او سمين، لأنني أؤمن انه حيث تكون الحرية يكون الوطن، وان وطنا بلا حرية هو زريبة للكائنات غير العاقلة).

وقد قرات في عيني غازي الجبالي ما يدور في خلده في إن المحافظة على الاستقلال أهم من الحصول عليه، وإن طريق الاستقلال يجب أن يمهده النضال والكفاح والصراع من اجل البقاء ولو كلف بذل الدماء.

غازي الجبالي ذلك الرجل العصامي الوطني الفلسطيني المناضل الذي شق طريقه وسط الاشواك والالغام، والصراعات والكيديات وتحدي الاحتلال ورفض الاذلال، والذي كتم سر الرئيس عرفات حول اتفاقية اوسلو ووضع خطة دخول الشرطة وبناءها بكل كفاءة واقتدار، رجل صارم يعرف ماذا يريد، وتقاعد راضيا عن نفسه انه خدم فلسطين ولم يؤذي الاردن، وبعد ثلاثين سنة نكتشف انه كان مثلي ضحية التقارير الكيدية من الإنكشاريين والمرتزقة. وتساءلت في نفسي: ترى كيف يمكن بناء الاوطان التي تضحي بالمبدعين لأنهم يعشقون الحرية ويرفضون الذلة والمهانة. اليست قصة غازي الجبالي وقصتي خير شاهد من غربي النهر وشرقيه على ما اقول؟

 معلومات عن غازي الجبالي

 هاجر من فلسطين الى الاردن في صباه عام 1948 وسكن جبل الجوفة بعمان وتعلم في مدارسها , وانهى الجامعة في القاهرة /عين شمس بالحقوق ودخل الشرطة الاردنية 1967 حيث تخرج برتبة ملازم اول وكان الاول على دورته, وعمل في كلية الشرطة الاردنية مدربا ومدرسا , وكان ضحية التقارير الكيدية والتي بموجبها تم ترميجه في نهاية 1970 والتحق بحركة فتح حيث تم تعيينه قائد سرية في دمشق حيث شكل هناك الوحدة الخاصة / صاعقة ومظلات , واشترك في حرب رمضان عام 1973 على الجبهتين السورية واللبنانية , ثم اصبح نائب عام لحركة فتح , حيث كان المرحوم العميد محمد توفيق الروسان رئيسا للقضاء الفلسطيني .

في عام 1975 تمت ترقية غازي الجبالي الى رتبة مقدم ونقله الى الاستخبارات العسكرية الفلسطينية، بعدئذ تم ارساله من قبل القيادة الفلسطينية على راس بعثة فلسطينية الى موريتانيا لتشكيل وبناء الشرطة وتدريب وتجهيز الموريتانية هناك حيث بقي من 77-85.

وفي عام 1985 استدعاه الرئيس ابو عمار وعينه نائبا عاما لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس , وفي شهر اب من عام 1993 تم تكليفه من قبل الرئيس ابو عمار بموقع امين سر الهيئة العليا للشرطة والامن الفلسطيني حيث كانت المباحثات السرية جارية حول اتفاقية اوسلو , وقام السيد غازي الجبالي واللواء نصر يوسف الذي كان رئيسا للهيئة بوضع كل الانظمة واللوائح والترتيبات المتعلقة بدخول الثورة الفلسطينية الى ارض الوطن ولم يعرف بذلك آنذاك من الشعب الفلسطيني الا القليل جدا من القيادات ومنهم اللواء غازي الجبالي , وكان من الدائرة المغلقة السرية الذي يعرف ترتيبات اوسلو السرية وتم تكليفه بالجانب الشرطي من ترتيبات الاتفاقية ., ( حصلت منه على نسخة خطية بخط يده وتوقيع الرئيس عرفات الذي اعتمد الخطة ) وتم اخذ ذلك بتزاوج بين انظمة الشرطة العربية , وبشكل رئيس ترتيبات الشرطة الاردنية .

وبعد ذلك تم تعيينه مديرا للشرطة الفلسطينية في غزة واريحا (21/7/94 ) ثم تعيينه قائدا للشرطة الفلسطينية على كامل تراب الوطن في 4/9/994 وقام بتشكيل الشرطة الفلسطينية من الصفر , ويقول في هذا الصدد : ( وللحقيقة استفدت من دورات الذين قمت بإرسالهم الى الاردن من ضباط الشرطة في مجال مكافحة المخدرات والدوريات وحفظ النظام والموسيقى وكانت العلاقات والتعاون وثيقان مع الاردن , كما ارسلت دورات الى مصر , واستمرت الدورات الى الاردن ومصر فيما بين 1994 -2004 ) , استطاع خلالها تطوير الشرطة الفلسطينية حتى اصبحت على هذا المستوى

 ويروي اللواء غازي الجبالي لي شخصيا قائلا: (انه وفي تموز 1997 اتهمني الاسرائيليون انني انفذ عمليات مدبرة ضد امنها في كل من نابلس ورام الله، وبسبب التقارير الكيدية قررت اسرائيل منعي من الدخول الى الضفة الفلسطينية وطلبوا من الرئيس ابو عمار تعييني سفيرا في موسكو او اية دولة اخرى لكن الرئيس رفض ذلك).

وعندما ذهب الرئيس ياسر عرفات الى الولايات المتحدة الاميركية للاشتراك بالمباحثات قدم الرئيس الاميركي كلينتون قائمة بأسماء 31 من القيادات الفلسطينية المطلوبين للإسرائيليين ويجب تسليمهم او مغادرة فلسطين وعلى راسهم اللواء غازي الجبالي ورفض الرئيس ابو عمار ذلك. وبناء عليه تم حشره في غزة من 1997-2005 حيث صار اللواء نصر يوسف وزيرا للداخلية.

ويروي لي بمرارة وحزن كيف ان زوجته ام اولاده التي كانت تقيم بعيدا عنه في رام الله أصيبت بالسرطان وتم نقلها الى عمان للعلاج فتدخل اللواء نصر يوسف مشكورا مع وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز وتم السماح له بمغادرة غزة الى عمان لأسباب انسانية حيث حضر الى عمان بعد طول غياب عنها وهي المدينة التي يعشقها.

ومرة اخرى وبسبب التقارير الكيدية طلب (بضم الطاء) اليه مغادرة عمان، فغادرها الى سوريا ثم الى اسبانيا لمدة سنتين، وفي 2012 استدعاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) حيث حل مشكلته مع المصريين وتم السماح له بدخول مصر ووعد بحل المنع مع دول عربية اخرى، وبقي اللواء غازي الجبالي في القاهرة لمدة سنة حيث تم حل مشكلته مع عمان، وحضر اليها في شهر ايار 2103 وغادر الى رام الله ثم استقر في عمان حيث تعيش اسرته وحيث هي مراتع الصبا، وهو الان يتردد فيما بين عمان ورام الله.

وحول الاتهامات الكيدية التي ادت الى مغادرته عمان عام 2012، قال لي: (هل يقوم عاقل بإغراق سفينة فيها اهله؟ والاردن فيها اهلي، وانا من قمت بحماية السفارة الاردنية في غزة وكانت القنصلية في رام الله، ولا يمكن لي ان اسيء الى الاردن والاردنيين ما حييت).

غازي الجبالي قامة فلسطينية يتحدث ببساطة وصراحة , رفض العمالة للقوى الخارجية , ودفع ثمنا باهظا منها ضريبة النضال من اجل المبادئ الوطنية الفلسطينية . مثلما دفعتها من اجل مباديء الوطنية الاردنية

 واقول هنا كلنا دفعنا الثمن ولسنا نادمين على ما قلنا او فعلنا ولسنا اسفين على ما كان منا او وقع علينا بسبب ذلك.