الولايات المتحدة بين فوضى العرب وأمن “إسرائيل”

تابعنا على:   11:33 2014-05-06

حسين حافظ

لم يعد حتى في الخيال قبول فكرة أن تعيش دويلة لقيطة عدوانية استيطانية توسعية بسلام في وسط إقليمي يهتاج بالفوضى وعدم الاستقرار في كل شيء .

وكيف نستطيع هضم فكرة أن \\\"إسرائيل\\\" آمنة وفي جوفها الملايين من القادرين على إنهاء وجودها في فترة زمنية فارقة انطلاقاً من فكرة \\\"الجهاد الإسلامي الأمريكي\\\" الذي يعبث في مصائر دول وشعوب المنطقة العربية والعالم؟

وكيف يمكن أن تستقيم فكرة استجلاب \\\"الجهاديين\\\" الانتحاريين من كل حدب وصوب ليعيثوا فساداً بأمن العرب وتبقى \\\"إسرائيل\\\" آمنة؟

هذه الأسئلة أو سواها تعيدنا إلى مناقشة موضوع دور الولايات المتحدة في كل ما حصل ويحصل، ليس في العالم العربي فحسب بل في العالم أيضاً، وكيف أسهمت في إرساء أمن \\\"إسرائيل\\\" مقابل الفوضى التي وصفتها كوندليزا رايس بالخلاقة في الوطن العربي؟

وكيف تستقيم فكرة \\\"الجهاد\\\" ضد المشركين مع وجود دولة مشركة ليس في المعنى الديني وإنما الإنساني والأخلاقي .

الأخطاء الاستراتيجية التي عودتنا عليها الولايات المتحدة هي أنها تترك الأشياء سائبة في نهاياتها، ولا يبدو أن هذا السلوك قد تنبهت له أو تعلمت منه في مجمل القضايا الدولية، فعلى سبيل المثال كان اشتراك الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الأولى قد حسم الأمر لمصلحة الغرب ولكنها لم تشترك في ترتيبات ما بعد الحرب بل إنها انكفأت إلى الداخل دون أن يكون لها دور في رسم جغرافية العالم بعد الحرب، وتحديد معالمه حينذاك، وهي اليوم تعاني خطأ ترتيبات سايكس بيكو بوصف المخطط الاستراتيجي الأمريكي رالف بيترز وتطرح فكرة الشرق الأوسط الكبير والجديد على هواها، وتسعى إلى خارطة جديدة للشرق الأوسط لتلافي أخطاء ما بعد الحرب العالمية الأولى . وحينما انتصرت في الحرب العالمية الثانية تركت الأمور على هوى الأقدار وتبنت فكرة مارشال في إعادة بناء أوروبا الغربية ولكنها أهملت أيضاً أساسيات بناء النظام الدولي فتشكلت منظومتان أرعبتا العالم حتى نهايات القرن العشرين .

وحين حصل انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية تخلت عن دورها في ترتيب أطر النظام العالمي الجديد في احتواء الروس كقوة عالمية تقليدية وتحويلهم إلى الحاضنة الغربية مثلما فعلت مع دول أوروبية شرقية ليست ذات قيمة اعتبارية في إطار الأمن والسلم الدوليين .

ولعلنا نتصور كيف يمكن أن يصبح العالم لو انضوت روسيا بكل إمكاناتها المادية والتقنية والفكرية إلى المنظومة الغربية؟ واليوم تعاني الولايات المتحدة سلوك روسيا في أوكرانيا وأذربيجان والشرق الأوسط على حد سواء .

وفي منطقة الشرق الأوسط دعونا نتخيل لو تم بناء العراق وفق متبنيات رؤية بوش الابن بتحويله إلى سنغافورة الشرق الأوسط انسجاماً مع إمكاناته المادية القائمة على أسس واقعية ومن دون أن يُترك لهوى اللاعبين المحليين والإقليميين .

كيف يمكن أن نفهم النفاق الأمريكي في هضم حقوق العرب والفلسطينيين والتمادي في فوضوية النظم العربية مع بقاء \\\"إسرائيل\\\" آمنة ومطمئنة؟

ولعل من سخرية القدر أن نرى أن \\\"إسرائيل\\\" تتمادى في بناها التحتية في الأراضي الفلسطينية بتصاعدية معروفة مقارنة بتحطم البنى التحتية العربية على يد \\\"بناة الجهادية الإسلامية الأمريكية المفتعلة\\\" .

إن جوهر التناقض بين ما يحصل من فوضوية فاضحة في الوطن العربي، وبين أمن واستقرار \\\"إسرائيلي\\\" راسخ قد غذته الولايات المتحدة أو على الأقل قد سكتت عنه وهي في مبتغاها لا تتجاوز إلا أن تزيد الطين بلة في الشعور العربي والإسلامي للكراهية الأمريكية .

إن الجهادية الأمريكية في الوطن العربي تؤكد ذاتها من خلال العبث بأمن دول المنطقة وإرساء دعائم الاستقرار في \\\"إسرائيل\\\" وتلك مفارقة كبيرة لا بد من فك طلاسمها ومعرفة نتائجها ونهاياتها كي نتعرف إلى المشاركة الأمريكية الفاعلة في الفارق بين فوضى الدول العربية وأمن واستقرار \\\"إسرائيل\\\".

نوعية الاستدراك الأمريكي لمتطلبات التحول في البيئة الدولية يشوبه الكثير من الخلل وعدم الوضوح والضبابية حتى ليبدو للكثير من المطلعين في شؤون الشرق الأوسط وكأن الولايات المتحدة لم تدرك بصورة جيدة (الوجود الزائف ل \\\"إسرائيل\\\") مقارنة بمصالحها الجوهرية في الوطن العربي، وهذه حقيقة بائنة للقاصي والداني في أية قراءة سليمة لفارق الدور الأمريكي في الشرق الأوسط .

عن الخليج الاماراتية

اخر الأخبار