أتنجح مناورة حكومة التكنوقراط الفلسطينية؟

تابعنا على:   11:22 2014-05-06

ابراهيم البحراوي

لم يمض من الوقت أكثر من أسبوعين منذ توقيع اتفاق المصالحة بين حماس وفتح فى 23/4/2014 حتى وقع التحول فى الموقف الإسرائيلى. فى البداية انتعشت أجهزة الدعاية السياسية الإسرائيلية ووجدت فى الاتفاق فرصتها الذهبية لإعلان وقف المفاوضات، على أساس أن إسرائيل لا تستطيع التفاوض مع حكومة تضم حركة حماس التى ترفض الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف.
فى المرحلة التالية شعر الساسة الإسرائيليون أنهم أمام قدرة كبيرة على المناورة السياسية من جانب كل من فتح وحماس على حد سواء. ذلك أن الرئيس محمود عباس أبلغ مارتن إنديك المبعوث الأمريكى فى عملية المفاوضات أن حكومته الجديدة ستكون حكومة تكنوقراط وليست حكومة تمثل فيها الفصائل الفلسطينية وتحمل بصمات الفصائل سياسياً.
لقد نص اتفاق المصالحة على بندين: الأول تشكيل حكومة توافق وطنى، والثانى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، وبالتالى راحت الأجهزة الإسرائيلية تروج فى أوروبا والولايات المتحدة أن الحكومة الفلسطينية الجديدة ستضم عناصر رافضة أصلاً لعملية السلام والمفاوضات. كذلك استثمرت إسرائيل تصريحات قادة حماس التى أكدت أن إنشاء حكومة توافق لا يعنى اعتراف الحركة بإسرائيل، لتأكيد خطورة الحكومة الجديدة على عملية السلام.
لقد بدا الأمر كما لو كان الرئيس عباس، زعيم حركة فتح، المؤمن بالمفاوضات باعتبارها السبيل لإقامة دولة فلسطينية، قد أهدى إسرائيل ورقة دعائية كبرى، غير أن الصورة تغيرت بعد خطابه أمام المجلس المركزى الفلسطينى، فقد أعلن بالنص «أن حكومة التوافق الوطنى التى سيشكلها، بعد توقيع اتفاق المصالحة مع حماس، ستعترف بإسرائيل وبالاتفاقات الدولية وتنبذ العنف». هكذا نجح عباس فى إيجاد صيغة حكومة تجمع بين أمرين متناقضين: الأول أنها حكومة توافق بين فتح وحماس من ناحية، والثانى: أنها حكومة ملتزمة بعملية التفاوض وتعترف بإسرائيل، من ناحية ثانية. أما حماس من جانبها فقد ساهمت فى محاولة إنجاح مناورة عباس بتشكيل حكومة تكنوقراط تلتزم سياسته تجاه إسرائيل، وذلك بصمت القيادات العليا عن التعليق على خطاب عباس أو تكذيب ما قاله، وإن كانت فى الوقت نفسه قد منعت ممثلى حماس من حضور اجتماع المجلس المركزى. إن هدف مقاطعة الاجتماع هو احتفاظ حماس بقدرتها على القول فى المستقبل إنها لم تكن موافقة على ما قاله عباس، وهو ما يشى صمتها الآن بعكسه.
السؤال الآن، بعد هذا النجاح فى الجزء الأول من المناورة، هو: هل ينجح الجزء الثانى الممثل فى قبول الولايات المتحدة لحكومة التكنوقراط الفلسطينية والتعامل معها، بعد أن كانت قد أعلنت أنها تعتبر حماس حركة إرهابية، ولن تقبل الاتصال بأى حكومة تشارك فيها؟
إن بعض المحللين الإسرائيليين يرون أن هناك احتمالاً كبيراً لنجاح عباس فى مهمة تشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبيين، وهو أمر يمكن أن تقبله الولايات المتحدة وأوروبا، وبالتالى تضغط على إسرائيل لكى تعترف بهذه الحكومة وتتعامل معها. إن هذا الاحتمال أصبح يشكل مصدر إزعاج لنتنياهو ووزرائه، وقد دفعها إلى البدء فى حملة مكثفة داخل أروقة الكونجرس الأمريكى لإقناع أصدقائها بممارسة ضغوط متعددة على محمود عباس، ليتراجع عن تشكيل حكومة التوافق ويعود صاغراً إلى طاولة المفاوضات نزولاً على الشروط الإسرائيلية. من الملاحظ أن هذه الحملة قد نشطت فى أعقاب التصريحات التى أطلقها جون كيرى، فى اجتماع مغلق، مع بعض قيادات يهود الولايات المتحدة للحديث عن الصورة التى يتوقعها إذا فشلت عملية المفاوضات.
لقد قال كيرى إنه يتوقع أن تصبح إسرائيل دولة فصل عنصرى «أبارتهايد» إذا فشل حل الدولتين وتغلب حل الدولة الواحدة، حيث سيصبح العرب فيها مواطنين من الدرجة الثانية.
لقد تسببت هذه التصريحات التى سجلها أحد الحاضرين بالموبايل وأذاعها فى صدمة كبيرة للحكومة الإسرائيلية، التى كانت مطمئنة إلى أن الإدارة الأمريكية ستساندها فى موقفها تجاه حكومة التوافق الفلسطينية. إن هذا التطور فى حد ذاته يقدم مؤشراً على احتمال نجاح الجزء الثانى من مناورة حكومة التكنوقراط غير الحزبية وقبولها دولياً. صحيح أن كيرى قد تعرض لحملة هجوم ونقد لاذع فى الولايات المتحدة من جانب منظمة إيباك(مجموعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية)، وفى إسرائيل من جانب الحكومة، وصحيح أنه اضطر إلى إصدار بيان اعتذار عن وصفه إسرائيل بدولة فصل عنصرى محتملة، إلا أن الأمر فى مجمله يمثل أمراً مقلقاً للإسرائيليين.
إننى أنتظر مع القراء الأعزاء عدة أسابيع لنتأكد أن حكومة التوافق ستشكل بالفعل، وأن المسألة لن تتوقف عند حد المناورة السياسية بإعلان المصالحة، ولنعرف ما إذا كانت حكومة التكنوقراط، إذا ما تشكلت، ستحظى بالقبول الدولى أم لا؟
عن المصري اليوم

اخر الأخبار