ديبلوماسية أميركية مبعثرة ترقص على أنغام روسيا وإيران

تابعنا على:   11:40 2013-10-04

راغدة درغام

الحقبة الجديدة في العلاقة الأميركية – العربية تتطلب التدقيق والحذر من الطَرفين مهما يسودها حالياً من فتور واهتزاز في بعض الحالات. السؤال الذي يخطر في بال الكثير من الخليجيين هو لماذا اتخذت إدارة أوباما قراراً يشابه الاستغناء عن حلفاء الولايات المتحدة لعقود عدة فيما تهرول إلى احتضان الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتقرّ بدور إقليمي خارج الحدود الإيرانية وفي عقر الدار العربي. كثيرون في الولايات المتحدة يصعب عليهم فهم المعارضة العربية لدور إيراني إقليمي خارج الحدود أمّنهُ لها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في العراق ويؤمنه لها الرئيس الحالي باراك أوباما في سورية. الأميركيون ينسون أن الثورة الإيرانية عام 1979 أتت بالحكم الديني وفرض الدين على السلطة في ثيوقراطية أسفرت عن المجيء بالأصولية الإسلامية إلى كامل منطقة الشرق الأوسط. هدف ملالي إيران كان – وما زال – تصدير الثورة الإيرانية وتصدير الحكم الديني إلى الجوار. وما يحدث في العراق ليس سوى وجه من أوجه محطات التصدير. الأميركيون لا ينظرون إلى صعود رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وحزبه «الحرية والعدالة» إلى السلطة بأنه أيضاً نوع من الثيوقراطية – السنّية – التي تبنت مشروع «الإخوان المسلمين» في الشرق الأوسط برمته. الأميركيون لا يتوقفون عند أهم محطة في الحدث المصري منذ الثورة على نظام حسني مبارك، وهو، أن الشعب المصري انقلب على الثيوقراطية ورفض الحكم الديني مصراً على فصل الدين عن الدولة. الأميركيون لا يتوقفون عند معنى الانتصار الإيراني والفوز الإيراني بسورية، وأكثريتهم تتجنب عمداً التحدث عن دور حليف طهران «حزب الله»، في القتال بجانب النظام السوري داخل سورية. شعباً أو حكومة، ماذا تريد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وماذا تصنع بمعادلات الحلفاء التقليدية، وماذا في ذهنها الآن؟

أبسط وأوضح إجابة هي حقاً بذلك القدر والبساطة والوضوح وهو أن الأكثرية الأميركية والإدارة الأميركية لا تريد أن تحارب. مهما كلفها قرار تجنب المواجهة، إنها جاهزة لتسديد الثمن طالما يعفيها من الحروب والمواجهة. حتى لو كانت الكلفة أهم المبادئ الأميركية، إن الأكثرية جاهزة للتخلي عن المبادئ إذا كان الخيار الآخر المواجهة.

الأمر الآخر ببساطة هو اكتشاف القدرات الأميركية الهائلة في حقلي النفط والغاز. فهذا بلد سيصبح في أقل من عقد أكبر مصدر للنفط والغاز في العالم. بالتأكيد هذا يؤثر في صنّاع القرارات الاستراتيجية التي تُرسم لعقود وليس لمجرد سنوات. وهذا يعني أن أميركا لن تصنع سياساتها على أساس الركيزتين الأساسيتين التقليديتين النفط وإسرائيل. قيمة كليهما للولايات المتحدة في انحسار.

قد يفسّر هذا الجانب سياسة إدارة أوباما نحو الحلفاء النفطيين التقليديين للولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي يتصرف وكأنه توصل إلى استنتاج أنه ليس في حاجة إلى إرضاء الدول النفطية الرئيسية – وبالذات العربية منها.

توجّه الرئيس أوباما إلى إيلاء الأولوية لإيران لأنها في رأيه واجهة المواجهة. وهو لا يريد المواجهة. باتت طهران ذات أولوية في استراتيجية أوباما لسببين: الاستراتيجي النفطي البعيد المدى حيث هي أيضاً لم تعد مركزية. ولأن أوباما والشعب الأميركي لا يريدان المواجهة مهما كلف ذلك من انطباع بأن أميركا وهيبتها وقيمها في تراجع.

بعض دول مجلس التعاون الخليجي قرأ بين طيّات الاستراتيجية الأميركية واتخذ على ضوء قراءته قرار إعادة الحسابات. قطر غيّرت كامل طاقم الحكم فيها من أجل تغيير السياسة التي اعتمدها طاقم العهد السابق نحو سورية بالذات رئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم. اتخذ الأمير الوالد قرار التنحي لصالح الأمير الابن في انقلاب على سياسة التدخل لا سيما في سورية. استنتجت قطر أن المرحلة الآتية هي مرحلة الوفاق الأميركي – الإيراني، فقررت الانسحاب تدريجياً من سياسة الاختلاف مع إيران في المسألة السورية. عمان احتفت بالانفراج الأميركي – الإيراني. دولة الإمارات العربية المتحدة أخذت علماً بالإنعاش الأميركي للدور الإيراني. المملكة العربية السعودية استاءت من أسلوب الإخراج الأميركي للنقلة من قرار الضربة العسكرية إلى الصفقة الأميركية – الروسية والأميركية – الإيرانية كما من فحواه.

فلقد تصرّفت إدارة أوباما عبر وزير الخارجية جون كيري بما يشبه توريط الحلفاء والأصدقاء قبل تنفيذ التقليد الأميركي المعروف بسرعة الاستغناء عن الأصدقاء والحلفاء. فعندما اجتمع كيري بوزراء الخارجية العرب في باريس عشية تلك الضربة «المؤكدة» سمح لنفسه الإعلان عن التزام دول كالسعودية المشاركة في الضربة العسكرية أما عندما تمت الصفقة بينه وبين نظيره الروسي سيرغي لافروف، نسي أن عليه أن يتوجه إلى الرياض. توجه بدلاً إلى إسرائيل لطمأنة رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو. مثل هذه المواقف في العلاقات مع الأصدقاء صعب هضمها، لا سيما مع الدول القليلة التي وقفت علناً مع الرئيس الأميركي عندما أبلغ العالم انه عازم على عدم الوقوف متفرجاً على استخدام الأسلحة الكيماوية.

تراجع أوباما ما لبث أن تبعته التفاهمات – التي سبقت تصعيده العلني بالضربة العسكرية – وتوجت في نيويورك أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة عن حدثين تاريخيين: تدجين سورية عبر قرار لمجلس الأمن نص على تدمير أسلحتها الكيماوية ودخول المفتشين إليها للتحقق من التدمير... وأجراء أعلى مستوى من الاتصالات بين الرئيسين الأميركي والإيراني منذ ثورة 1979 في مخابرة هاتفية أجراها الرئيس أوباما مع الرئيس الإيراني حسن روحاني حلّت مكان المصافحة التي تجنبها روحاني خوفاً من «الحرس الثوري» الذي لا يزال يحكم عملياً في طهران.

من وجهة النظر الأميركية، إن غض النظر عن جميع التجاوزات الإيرانية بما في ذلك انتهاك قرار لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع يحظرها من تصدير السلاح والرجال ومد المعونات العسكرية خارج حدودها إنما هو غض نظر ضروري لأن الغاية الأكبر هي فتح قنوات التحاور مع طهران.

طهران حصلت على ما تريد قبل أن تقدم أي شيء بالمقابل سوى شخصية رئيس جديد – ديني وليس ثوري كما سلفه أحمدي نجاد – يحسن الكلام المعسول وخطاب الاعتدال ويفهم كيف يسحر الأميركيين المتشوقين للوقوع في حبه.

هذا لا ينفي واقعاً مهماً على الصعيد النووي وهو انطلاق المفاوضات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا وبين إيران بوتيرة سريعة هدفها الاتفاق في غضون سنة. لا ينفي فوائد الحديث الأميركي – الإيراني المباشر لحل الأزمة النووية، وللبحث في الدور الإقليمي لإيران، بعدما لبّى باراك أوباما مطلباً رئيسياً للنظام في طهران متعهداً من منصة الأمم المتحدة بأن الولايات المتحدة لن تسعى أبداً وراء الانقلاب عليه.

سورية تقع في قلب موازين الدور الإقليمي الذي تصر طهران على امتلاكه وتريد من واشنطن تأمينه لها – وإلا فإنها تنوي اقتلاعه وامتلاكه كيفما كان. هنا أيضاً لا بأس بحديث أميركي إيراني في شأن الدور الإقليمي لطهران لو كان الحديث إقليمياً وليس ثنائياً، كما يبدو الآن. فهذا الحديث الثنائي – حتى لو كان ما زال غير مباشر – يحمل في طيّاته تحقيراً للعرب واستهانة بالمصالح العربية. وهو أسوأ استثمار أميركي الآن وغداً لأن تبعاته خطيرة.

أما إذا كان الانخراط الأميركي في سورية وإيران وفي المسألة الإسرائيلية – الفلسطينية استراتيجية جدية، يجدر بواشنطن طمأنة الأطراف العربية المعنية كما يجدر بالأطراف العربية المعنية استعادة مواقعها بتماسك بدلاً من الحرد والغضب والامتناع عن الانخراط.

إدارة أوباما، عبر جون كيري، تبدو عازمة على الانخراط على السكك الثلاث: إيران، سورية، والمسألة الفلسطينية – الإسرائيلية. تفيد المؤشرات أن الأفق الزمني للسكك الثلاث هو سنة. فإذا أنجزت الديبلوماسية الأميركية، بشراكة لها مع الديبلوماسية الروسية، اختراقاً في الملفات الثلاثة، يمكن لإدارة أوباما أن تتباهى بإنجازات تاريخية. لكن الشكوك ما زالت تطوّق السكك الثلاث لا سيما أن الانطباع السائد هو أن الحنكة السياسية وفن التفاوض تقودهما روسيا وإيران – وإسرائيل في الملف الفلسطيني – وأن الانطباع السائد هو أن الديبلوماسية الأميركية مبعثرة ترقص على أنغام المايسترو الروسي - الإيراني.

بغض النظر عن الشكوك والانطباع، أن إدارة أوباما اليوم منخرطة في سورية فيما كانت بالأمس مترفعة عن الانخراط، وأن المسألة السورية اليوم عادت إلى مجلس الأمن بعدما كانت الديبلوماسية الروسية – الصينية منعتها عبر الفيتو المزدوج من دخول مجلس الأمن ثلاث مرات ولأكثر من سنتين.

الولايات المتحدة وروسيا وإيران والنظام في دمشق اتفقوا على تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية التي سبق وقالت دمشق وطهران و «حزب الله» إنها قدرات دفاعية و «مقاومة» في وجه إسرائيل وترسانتها النووية. هذا الاتفاق على تدمير الترسانة الكيماوية ثمنه بقاء النظام ورئيسه بشار الأسد في السلطة إلى حين الانتهاء من التدمير – وهذا يتزامن مع حلول الانتخابات الرئاسية السورية عام 2014.

تفكك النظام قد يأتي عبر العملية السياسية الانتقالية وهيئة انتقالية «كاملة الصلاحيات» أقرها اتفاق جنيف – 1 ويفترض أن يكون مؤتمر جنيف – 2 مبنياً عليها وعازماً على تنفيذها. موعد انعقاد جنيف – 2 منتصف الشهر المقبل لكنه سيكون بدوره عملية مطوّلة قد تدوم حتى الانتخابات الرئاسية.

رهان محور روسيا – إيران – الصين – «حزب الله» – دمشق هو على تبعثر وتشتت المعارضة السورية وعدم قدرتها على التوجه إلى جنيف بوفد قدير لديه الرؤية الاستراتيجية وفن التفاوض وحنكة التكتيك التي يأتي بها الوفد الذي سيسلمه الرئيس السوري بشار الأسد مهام المفاوضات برعاية روسية – إيرانية.

رئيس الائتلاف السوري المعارض، أحمد الجربا، تحدث عن «غطاء عربي» و «غطاء خليجي» ولا أحد يفهم ماذا يعني هذا الغطاء. جلس في نيويورك وأجرى مقابلات ثنائية إنما فاته أن التوجه إعلامياً إلى الرأي العالمي كان بالقدر نفسه من الأهمية. وفد الائتلاف كاد يكون وفد الانفصام. «الجيش الحر» في واد والائتلاف في واد وما بينهما جيوش التطرف التي لا ترى في سورية سوى ساحة لأيديولوجية التدمير التي تميز «القاعدة» و «جبهة النصرة» وأمثالهما.

فإذا كان من رؤية واستراتيجية لـ «غطاء» عربي أو خليجي للمعارضة السورية فإنها بالتأكيد تبدأ بالتفكير الجدي والاستعداد الضروري لمؤتمر جنيف – 2. وهذا ما لم يبدأ بعد بجدية.

يبقى أن في وسع الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، عبر ممثلهما الأخضر الإبراهيمي وطاقمه أن تلعبا دوراً مهماً في التعويض عن استبعاد الأطراف المهمة في المنطقة عن الأحاديث الأميركية – الإيرانية – الروسية. بإمكانهما أيضاً الاستثمار جدياً في مساعدة المعارضة السورية على لملمة نفسها لتكون مهيأة لمؤتمر جنيف – 2، وإلا فإن المنظمتين ستكونان شاهداً على إعادة تأهيل نظام سبق وقالتا علناً أنه يستحق العقاب وليس المكافأة.

عن الحياة اللندنية

اخر الأخبار