حظ مصر من رياح التهدئة المحيطة

تابعنا على:   11:42 2014-04-30

فهمي هويدي

ثمة أجواء للتهدئة لاحت بوادرها في الفضاء العربي مؤخراً، لا يعرف نصيب مصر منها.

 (1)

يوم الخميس 17/4 عقد وزراء خارجية «مجلس التعاون الخليجي» اجتماعاً طارئاً في قاعدة الرياض الجوية، أعلن في أعقابه انه تم الاتفاق «على تبني الآليات التي تكفل السير في إطار جماعي، ولئلا تؤثر سياسات أي من دول المجلس على مصالح وأمن واستقرار دوله، دون المساس بسيادة أي من دوله».

هذه العبارة الإنشائية الفضفاضة لم تعلن خبراً جديداً، وإنما كانت صياغتها هي الخبر، كما ان ملابسات الاجتماع كانت بمثابة خبر آخر. إذ المعروف ان «مجلس التعاون الخليجي» اهتز وأوشك على الانقسام والانهيار حين أعلنت ثلاث من دوله (السعودية والإمارات والبحرين) في 5 آذار الماضي سحب سفرائها من قطر، لأسباب عدة، على رأسها موقف الأخيرة من النظام المصري الذي استجد بعد الثالث من تموز 2013، ولأنها كانت خطوة غير مسبوقة في تاريخ «مجلس التعاون»، فقد اعتبرت إشهاراً لانقسام المجلس، وبداية لحرب دبلوماسية باردة في منطقة الخليج. وهو ما دفع عقلاء المنطقة إلى محاولة احتواء الموقف وإنقاذ المجلس من الانهيار، الأمر الذي تبدى في المساعي الكويتية والعمانية التي أثمرت ترتيب الاجتماع المذكور.

الصيغة التي صدر بها البيان فتحت الباب واسعاً للتكهنات. فمن قائل بأن قطر استشعرت الأزمة وأدركت انها أصبحت في خطر، ومن ثم فإنها «تجرعت السم» ــ كما قيل ــ واستجابت لكل ما طلب منها، سواء في ما خص وقف نشاط «الإخوان» وترحيل رموزهم، أو تعديل سياسة قناة «الجزيرة»، أو إغلاق بعض المراكز البحثية التي أقلقت انشطتها الدول التي سحبت سفراءها من الدوحة. بالمقابل كانت هناك وجهة نظر أخرى اعتبرت ان قطر لم تقدم تنازلا وإنما تمسكت بأن سياستها الخارجية مسألة سيادية ليس لأحد ان يتدخل فيها ما دامت لا تؤثر على أي دولة في «مجلس التعاون». وسمعت من بعض المطلعين على ما يجرى في الكواليس أن الشأن المصري الذي كان موضوع الخلاف الأساسي لم يناقش في الاجتماع. حتى مسألة وجود معارضين للنظام المصري في الدوحة لم يجر أي نقاش حوله، لأن دولة الإمارات ــ وإمارة أبوظبي بوجه أخص ــ تؤوي معارضين ومحرضين على بعض الأنظمة العربية ولم يثر ذلك حفيظة أو عتاب أي من دول الخليج. حيث أشير في هذا الصدد إلى وجود محمد دحلان المشتبك مع أبومازن، ومحمود جبريل أحد معارضي النظام الليبي، والفريق أحمد شفيق الذي عارض حكم الدكتور مرسي وله تحفظاته المعلنة على ترشيح المشير السيسي. كما أشير إلى دور أبوظبي في مساندة الرئيس اليمني السابق على عبدالله صالح الذي طالما هدد قطر واتهمها بزعزعة الاستقرار في اليمن.

لقد صرح وكيل وزارة الخارجية الكويتية بأن الأزمة انتهت، وهو أمر لم يتأكد، بدليل أن السفراء الذين سحبوا من الدوحة لم يعودوا إلى أعمالهم. لذلك أرجح القول بأن الأزمة هدأت فقط ولم تنته. وأن الجليد انكسر ولم يذب تماماً. وذلك هو التفسير الوحيد لدعوة وزراء خارجية دول «مجلس التعاون» لاجتماع طارئ بعد 42 يوماً من سحب السفراء من الدوحة. وفى حين كان بيان سحب السفراء الذي صدر في 5 آذار الماضي شديداً في اتهام قطر والتنديد بموقفها، فإن البيان الأخير الذي صدر في 17 نيسان أبرز أهمية السير في إطار جماعي، وتحدث عن عدم المساس بسيادة أي دولة خليجية.

 (2)

رياح التهدئة حطت أيضاً في غزة. إذ أعلن في 23 نيسان الحالي عن توقيع اتفاق جديد للمصالحة تم التوصل إليه إثر اجتماعات استمرت يومين في القطاع بين وفد «منظمة التحرير» برئاسة عزام الأحمد ووفد قيادة «حماس» برئاسة إسماعيل هنية رئيس الوزراء. الاتفاق نص على ثلاثة أمور هي: تشكيل حكومة توافق وطني برئاسة محمود عباس خلال خمسة أسابيع ــ إجراء انتخابات المجلس التشريعي والوطني مع انتخابات رئاسة السلطة الوطنية بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة ــ عقد لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية لتمارس عملها خلال خمسة أسابيع من توقيع الاتفاق.

الاتفاق بدوره كان مفاجئاً، ذلك ان المتابعين للشأن الفلسطيني صاروا يعتبرون أمثال تلك الحوارات والاتفاقات من تجليات الفشل المزمن. إذ منذ حوارات ياسر عرفات مع الفصائل والقوى الفلسطينية في القاهرة العام 1999 وحتى تفاهمات خالد مشعل مع محمود عباس في القاهرة عام 2013 فإن كل اتفاق تم التوصل إليه بين هذين التاريخين لم ينجح في رأب تصدعات الصف الفلسطيني. أتحدث عن وثيقة آب 2002 واتفاق رام الله في 2003 وإعلان القاهرة في 2005 ووثيقة الوفاق الوطني في 2006 ثم اتفاق مكة بين «فتح» و«حماس» في 2007 واتفاق صنعاء في 2008 وتفاهمات القاهرة في عامي 2009 و2011، ثم إعلان الدوحة للمصالحة في 2012 الذي اعقبته تفاهمات أخرى في القاهرة العام 2013 ــ رغم تلك المحاولات والجهود فإن المصالحة الحقيقية لم تتم، حتى بدا وكأن الانقسام تحول إلى «عاهة» أصابت الجسم الفلسطيني وأصبحت لصيقة به.

ما الذي جد هذه المرة وحرك ملف المصالحة؟ في رأي خبراء الشأن الفلسطيني فإن انسداد الأفق أمام الطرفين هو الذي دفعهما إلى الاتفاق. ذلك ان أبومازن تيقن من ان المفاوضات مع الإسرائيليين لن تعطيه شيئاً وانها مجرد غطاء لابتلاع الأرض وتصفية القضية. بالمقابل فإن «حماس» أدركت أن الأوضاع في قطاع غزة غير قابلة للاستمرار، في ظل استمرار الحصار وإغلاق الانفاق ما أدى إلى مضاعفة معاناة الفلسطينيين وعذاباتهم.

تعددت أصداء الاتفاق. فحركة «حماس» ومؤيدوه رأوا فيه إيجابيات أهمها أنه بداية لطي صفحة الانقسام ومن ثم تخفيف معاناة سكان القطاع، كما انه نص على رفض الاعتراف بيهودية الدولة الفلسطينية. ومعارضو الاتفاق، ومنهم تنسيقية العمل الفلسطيني بمصر، رأوا فيه مغامرة تضر بمستقبل العمل الوطني الفلسطيني لأنه يخضع الوضع الفلسطيني برمته لسياسة أبومازن وسلطاته المطلقة التي يتمتع بها في ظل شغله لـ35 موقعاً قيادياً في السلطة. ثم انه في جوهره يقسم السلطة بين حركتي «فتح» و«حماس»، ويتجاهل بقية الفصائل. وجاءت تصريحات أبومازن المتعجلة التي أعلن فيها بعد إذاعة خبر الاتفاق بأنه لن يغير شيئاً من سياسته بما في ذلك تعاونه الأمني مع إسرائيل. وأغلب الظن أنه أراد بذلك ان يمتص غضب الأميركيين وحلفائهم الغربيين الذين أغضبهم ما جرى، إلا أن كلامه جاء مؤيداً لانتقادات المعارضين.

لا استبعد أن يلقى الاتفاق مصير سابقيه، إلا انني أراه وارداً في السياق الذي نحن بصدده، من حيث انه في حده الأدنى من مؤشرات التهدئة وتجلياتها.

 (3)

يوم الأربعاء الماضي 24/4 كانت أخبار الانفراج في العلاقات المصرية الأميركية هي العنوان الرئيسي لأغلب الصحف المصرية. إذ أبرزت تلك الصحف أخبار تسليم طائرات الآباتشي لمصر، بعدما ظلت معلقة في الولايات المتحدة لبعض الوقت. كما تحدثت عن زيارات ولقاءات لبعض المسؤولين المصريين (وزير الخارجية ورئيس المخابرات ومستشار الرئيس) مع نظرائهم في واشنطن. كما أشارت الصحف إلى التصريحات الإيجابية التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مخاطبته الكونغرس بخصوص مصر ودورها. وذكرت ان اتصالات جرت بين وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل ونظيره المصري الفريق صدقي صبحي أبلغه خلالها بقرار استئناف إرسال بعض المعونات العسكرية لمصر.. صحيح ان واشنطن بررت قرارها بأن تسليم طائرات «آباتشي» يساعد السلطات المصرية على مواجهة الإرهابيين في سيناء ومن ثم يسهم في تحقيق أمن إسرائيل، كما انها أقدمت على تلك الخطوة تأثراً بالضغوط التي مارستها إسرائيل والمملكة السعودية والكونغرس. (كما ذكرت افتتاحية نيويورك تايمز في 24/4) إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة التوجه الأميركي نحو التهدئة مع النظام القائم في مصر.

الخطوة كان لها صداها الواضح في التصريحات الرسمية وفى وسائل الإعلام المصرية. فلقاءات وزير الخارجية السيد نبيل فهمي في واشنطن ركزت على أهمية تعزيز نقاط الاتفاق مع واشنطن وحسن إدارة ما يطرأ عليها من اختلافات أو تباين في وجهات النظر (الأهرام 24/7) في الوقت ذاته فإن وسائل الإعلام توقفت عن الحديث عن عداء الإدارة الأميركية وتآمرها على مصر والتنسيق بينها وبين التنظيم الدولي لـ«الإخوان».

 (4)

أحد الأسئلة التي تثيرها هذه الخلفية هو، هل يمكن ان يكون لتلك التهدئة صداها في الوضع الداخلي في مصر؟ ــ ردي انه من الصعب الرد بالإيجاب في الوقت الراهن لعدة أسباب. من ناحية لأن حسابات المصالح والضرورات التي استدعت التهدئة في النماذج السابقة لا تتوفر في الحالة المصرية. ومن ناحية ثانية لأن أجواء الانتخابات الرئاسية تستأثر باهتمام السلطة في الوقت الراهن. وإلى نهاية العام الحالي سيظل الرئيس المنتخب مشغولا بترتيب أوضاع الداخل. إذ يفترض ان يتخير الرئيس الفريق العامل معه ثم تجرى الانتخابات البرلمانية بعد ذلك، ثم تشكل حكومة جديدة. وهو ما يعني ان ماكينة السياسة لن تعود للعمل في مصر قبل بداية العام الجديد (2015). من ناحية ثالثة، ليس واضحاً بالضبط مدى استعداد الرأي العام في مصر للدخول في طور التهدئة في ظل استمرار التوتر القائم، خصوصاً أن النخب الطافية على السطح والقوى وشبكات المصالح التي تساندها تبدي معارضة قوية للسير في ذلك الاتجاه، وتفضل استمرار الحرب الأهلية الراهنة إلى أجل مفتوح.

عن الشروق المصرية